إيفني : تعريب وتعريب…

عبدالله بوشـــطارت

إيفني مدينة كباقي المدن بالمغرب، تعرف تحولات متسارعة وعميقة في جميع المستويات، ارتفاع عدد السكان، تزايد العمران,,, تغيرات في البنيات والذهنيات تصاحبها عملية خطيرة تعرفها جميع المدن المغربية بدون استثناء، وللأسف الشديد (هذه العملية ) تستهدف اللغة الامازيغية، اللغة الأصلية للمغرب ولشمال إفريقيا.

ظاهرة التعريب استفحلت وبلغت مستويات شاذة تستدعي منا إثارة الانتباه على الأقل، لاستبيان خطورتها على مستقبل ومصير لغة تجر معها حضارة إنسانية عظيمة تتلاشى أمام أعين الجميع وتتعرض لذوبان سريع لم يعرفه تاريخ الحضارة الامازيغية منذ ألاف السنين…تتراجع الامازيغية يوميا بشكل مثير في التخاطب اليومي، داخل البيوت في الشوارع في المقاهي في المدارس وفي كل الأمكنة والأزمنة. وأنا أقول هذا وأدرك تمام الإدراك أن كل من فقد اللغة الامازيغية وعوضها بلغة أخرى وخاصة الدارجة، يصعب عليه العودة إلى الأصل بل مستحيل أن يعود ويتعلم الامازيغية من جديد وهنا أتحدث بشكل خاص عن اليافعين والصغار.


افني مدينة تستقطب الأسر المهاجرة من البوادي والدواوير المجاورة لأسباب معروفة ومعلومة، خاصة من مستي وايت ايوب وايت اخلف وايت النص و ايت الخمس, واصبويا,,, كل هذه المناطق امازيغية اللسان إلا اصبويا في بعض مناطقها وليس الكل. أبناء هذه الأسر وخاصة المزدادين بافني أو الذين جاءوا إليها وهم صغار يصعب عليهم اليوم الحديث بالامازيغية نتيجة استعمالهم الدارجة داخل البيوت وخارجها… كم من مرة التقيت بمثل هؤلاء الشباب أبناء الأسر التي هاجرت من نفس الدوار الذي اقطن به، أتحدث معهم بالامازيغية ويردُّون بالدارجة…وإن كانوا يفهمون ويميزون الكلام إلا أنهم فقدوا بوصلة التخاطب بها، للأسف الشديد والدوار الذي ننتمي إليه لا يبعد إلا ب 10 كلومترات عن مدينة افني.


وحتى لا ينظر إلينا أننا نقارب الموضوع من زاوية منغلقة وأحادية أو “متعصبة”؛ فلابد من تسجيل أن الأفراد أحرار في التحدث بما يريدون وكيفما يريدون، والذين لا يتحدثون باللغة الامازيغة من حقهم أن يتكلموا بلغتهم، ولكن ما نراه نشازا وغير منطقي هو أن تكون الامازيغية ضحيةً لهذه السوق اللغوية الجديدة غير المتكافئة وغير المنصفة. كيف ذلك؟
افني مثلا؛ هي مدينة امازيغية بالأرض وبالثقافة وبالمجتمع، لا نقاش في ذلك يسكن فيها امازيغ وبعض من الناطقين بالدارجة هم على كل حال أقلية على مستوى العدد وحتى في استقطابها للعائلات المهاجرة التي استقرت بها في فترات متقطعة فإنها ذات أغلبية امازيغية بالنظر إلى المناطق المصدرة…كانت الامازيغية هي لغة الشارع والمنازل والسوق بامتياز إلا في حالات محدودة، والناس يعرفون بعضهم كثيرا بحكم صغر المدينة. لكن مع مرور الأيام والسنوات أصبحت الامازيغية تتوارى وتحل محلها الدارجة التي تزحف وتهيمن بشكل كبير مستفيدة من المدرسة التي تشكل المعمل الرئيسي (رقم -1) لصناعة التعريب، ثم الإدارة والإعلام و غيرها من العوامل الأخرى..التي كانت وما تزال في صالح الدارجة وتهمش بل تقلع الامازيغية من الجذور.


فلا مشكلة من تداول لغات كثيرة في فضاءات معينة، بل من الضروري الانفتاح عليها واكتسابها، لكن المشكل هو فقدان إحدى هذه اللغات، وتزداد المأساة حدة حينما يتعلق الأمر باللغة الأم، الأصل، الهوية. هكذا، ونرى ما يجري في مدينة افني حينما لم نعد نسمع الامازيغية من أفواه الصغار والشباب بالرغم من أنهم امازيغ، ويتضح ذلك بجلاء في لكنة حديثهم بالدارجة..البعض من هؤلاء افتقد اللغة ولم يعد يتكلم بها نهائيا حتى داخل المنزل والبعض الآخر يتحدث بها داخل البيت بشكل يومي، ولكن لا يستعملها في الخارج ولا يعطيها أي اهتمام. الكثير من شباب أبناء المدينة عائلاتهم امازيغية لا تتحدث سواها في البيوت، هؤلاء حينما يلتقون في الشارع او في المقهى او في الشاطئ….. لا يتحدثون فيما بينهم بالامازيغية بالرغم من عدم وجود اصدقاء آخرين برفقتهم لا يعرفون الامازيغية. مثلا حالة هؤلاء في تزنيت أو ميراللفت أو الناظور أو الحسيمة أو كرسيف أو طاطا أو خنيفرة…..سيتحدثون بالامازيغية في ما بينهم بالمقهي او الشاطئ او الشارع بشكل عادي وطبيعي. ونفس الأمر مثلا أبناء البوادي والدواوير المجاورة لمدينة افني يتحدثون الامازيغية في كل مكان بالرغم من مستواهم التعليمي والثقافي، إذن لماذا أبناء مدينة افني بالذات لا يتحدثون الامازيغية؟ كيف يتخلصون بهذه السرعة والبرودة من لغة أمهاتهم وأجدادهم بمجرد مغادرتهم لمنازلهم؟ هل الأمر له علاقة بعوامل نفسية؟ أم اجتماعية ؟ أم ماذا؟ ولماذا تعطى لافني صورة غير صورتها الحقيقة.


في الحقيقة مسلسل تعريب افني بدأ منذ لحظة خروج اسبانيا سنة 1969، حين حلت بها الإدارة المخزنية وقامت باجتثاث اللغة الاسبانية أولا بأول وعوضتها بالفرنسية والعربية في المدرسة والإدارة العسكرية والمدنية وفي الشرطة وفي كل الفضاءات العمومية…. بالرغم من التزام المغرب بتدريس الاسبانية لعموم أبناء ايت باعمران في اتفاق فاس69. ثم شنت الدولة المغربية حربا ضروسا على اللغة الامازيغية التي كانت مستهدفة في الأصل في جميع أنحاء المغرب. لكن بافني وفي فترات متقاطعة عمل المخزن على عزل المدينة عن محيطها الثقافي المحاصرة اصلا بحكم الطبيعة والجغرافيا، وهي سياسة مخزنية تروم خلق مدن بدون رابط ثقافي قوي ومتين، فهو يريد فقط تجمعات سكنية هجينة وبنايات إسمنتية بدون روح، وهي سياسة نجحت في العديد من المدن خاصة الكبرى منها، ولكنها فشلت في مناطق عديدة كمدن الريف والجنوب الشرقي وبعض مدن سوس..وهذا موضوع يتطلب دراسات وأبحاث معمقة.
إضافة إلى هذا العامل السياسي والإداري المرتبط بطبيعة الدولة المخزنية المغربية وعلاقتها تجاه الامازيغية، توجد عوامل أخرى أهمها انعدام وعي ثقافي لدى الأسر والشباب بضرورة الحفاظ على اللغة الامازيغية وهي حالة المجتمعات التي تطغى عليها الأمية والتخلف وحينما اصطدمت بالحداثة نتج عنها ما يمكن تسميته بالمجتمعات التي تقدس المادة وتبخس من قيمة الثقافة…


هذا لا يعني أن الامازيغية غير حية وغير موجودة في افني، لكن أتحدث هنا عن المستقبل، عن الشباب، هذا ما تبين لي في لقاء مع فريق من التلاميذ المستوى الإعدادي – الثانوي في مدينة افني في إطار برنامج لتعلم اللغة الانجليزية، وحينما أردت اخذ تصريح بالامازيغية اكتشفت أن من بين حوالي 30 تلميذ لم يعد يتكلم الامازيغية بطلاقة سوى تلميذتين فقط بالرغم من أن أغلبيتهم امازيغ…هذا دون أن ننسى إمكانية وجود من يخفي امازيغيته تفاديا للإحراج أمام زملائه وهذه مصيبة أخرى !!!


ربما ستكون منظمة اليونوسكو صادقة حين أدرجت اللغة الامازيغية في تقريرها ضمن اللغات المهددة بالانقراض.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

التعليقات   

 
0 #1 Amrrakchi 2013-07-14 21:34
من واجب كل أمازيغي حسب موقعه أن يعي الظرفية و التحولات الجارية في تمازغا.يجب أن لا نبقى متفرجين حتى تتجاوزنا الأحداث ويفعل بنا القومجيين فعلتهم.إن التنكيل والضحك على ذُقوننا الذي مارسه المخزن العروبي وخدامه علينا وصل حده ولن نكسر إستمراره إلا بِردٍّ قوي فِعلي يتجاوز الكلام والتنديد.على كل أمازيغي واعٍ بمؤامراة الغزاة أن ينشر الوعي في محيطه وأن يكون حاظرا في المظاهرات التي تهم القضية الأمازيغية وأن تنطلق منه مبادرة إختيار المنتوج الأمازيغي عن غيره كان منتوجا ماديا أو إعلاميا أو ثقافيا أو سياسيا. إختيار المنتوجات المكتوب عليها بتفيناغ وتفظيل المحلات التي كتبت لوحاتها الأمامية بتفيناغ لأن كثير من العربان يفهمون لغة المال ولا يفهمون لغة التوافق والمساواة .ليس هناك حل وسط بين موجود وغير موجود, اللَّهم إن كنت موجود لاكن تحت وصاية سيدك. نحن في حاجة إلى مواطن أمازيغي واع مُدرِكٍ و مُؤثِّر وإلى سيَّاسيين كبار مثل الأساتدة الذغيرني وعصيد وراخا و البطيوي و أرحموش وإدبلقاسم وتاباعمرانت والدمناتي وغيرهم وليس إلى مُعلِّمِينَ في التربية الإسلامية أو المختار السوسي أو مُربِّينَ لِالدَّجاج.
اقتباس
 

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس