تهمة الإفطار العلني، وصمة عار في “دولة حق وقانون”

 

 

عبد الله زارو
لا يمر رمضان دون أن تخبرنا السلطة الوصية بتوقيفها واعتقالها لآحاد أو جماعة مواطنين جاهروا بالإفطار فيه ضدا على القانون الجاري به العمل. واليوم، علمنا من قصاصة عن “وكالة المغرب العربي” للأنباء أن “فرقة الأخلاق” التابعة للشرطة في مراكش ألقت القبض على جماعة من المفطرين في ساحة “جامع الفناء” نهارا جهارا، كما لو أنها حققت فتحا عظيما ونصرا مبينا سيُكتب للمغرب بماء من ذهب في سجل التاريخ..
 
والحال أنها اقترفت كبيرة من الكبائر المدنية ستُسجّل بمداد العار في تاريخ إمارة المؤمنين، وسيتداولها أحفادنا على سبيل التنكيث كما نتداول، اليوم ، الفتاوى التراجيكوميدية لعلماء الصفر المغاربة في أواخر القرن 19، والتي حرّمتْ كل شيء مادام مصدره “النصارى الكفار”، حرمت الصابون لوجود شحم الخنزير ضمن مكوناته، وركوب السيارة لأنها العفريت النفريت ، بل و الدجال المذكور في القرآن و الذي سيظهر في آخر الزمان ، و حرمت أن يكون التيليكس ، أو ما سموه “البرق” ، مصدرا لمعلومات شرعية كحلول هلال شهر رمضان مثلا..
 
وأوج الكوميديا والمسخرة هو أن نظراءهم في الشام، في الفترة التاريخية نفسها، حرَّموا حتى أكل الطماطم، واسمها الأصلي الإيطالي “باندورا” لأنها مستوردة من بلاد النصارى الملاعين، ولم يجدوا تسمية لها إلا “مؤخرة الشيطان”، كما جاء في أحد كتب “جورج طرابيشي”، أما فتاوى الكهنوت المغربي من هذا الصنف، فتجد عينات منها تجعلك تموت من شدة الضحك في كتيّب لـ “محمد سبيلا” بعنوان “المغرب في مواجهة التحديث” مباشرة بعد هزيمته النكراء في معركة “إيسلي”..
 
غير أن ما أريد أن ألفت إليه الانتباه في القصاصة الأمنية الرسمية، كلما تعلق الأمر باعتقال مواطنين مجاهرين بالإفطار في رمضان، هو أن القصاصة إياها لا تكتفي بهذه التهمة – السبّة ضدهم – بل تتعمد إضافة تهمة أكثر جدية إليها من قبيل حيازة المخدرات، أو القول بأن “الأضناء” تبُث من خلال البحث أنهم ذوو سوابق، أو أنهم ضُبطوا متلبسين بالفساد في منزل والإفطار في نهار رمضان بالتزامن، كما هو حال رفيق ورفيقة قاعديين، قبل 3 سنوات في فاس، إثر شكاية مزعومة “مخدومة” تقدّم بها الجيران إلى وكيل الملك.. كما يمكن أن تضيف الرواية الرسمية للضنين المفطر، كونه من الهامشيين  المدمنين على “الدوليا” و”جانكا” والحشيش والسرقة واعتراض سبيل المارة بل وحتى القوادة والشذوذ الجنسي (يعني كل الموبقات الافتراضية)..
 
فعلى ما يدل ذلك؟
 
يدل على أن الأمنيين يدركون أن الحس السليم عند المواطن العاقل والواعي لا يرى في المجاهرة بالإفطار ما يستدعي توقيفا ولا اعتقالا ولا محاكمة، مادام الأمر يتعلق بشعيرة تعبدية تخص المسلم في علاقته بنفسه أولا وبربه ثانيا.. وإذا جاز اعتقال المفرِّط في واحدة (الصوم) جاز، من باب أولى، اعتقال المفرِّط في أخريات “الصلاة مثلا، خصوصا وأنها عماد الدين في الإسلام).. لذلك تحرص السلطة على إضافة “مونتيف” أكثر جدية للتهمة المتهافتة والفرية العظيمة المتمثلة في المجاهرة بإفطار في شهر صيام يخص المؤمنين به لا غيرهم، وقد يكون هذا الغير بالملايين المقموعة بالفصل 222 المشؤوم..
 
في المقام الثاني، تسعى الرواية الأمنية الرسمية، بخصوص هذه النازلة تحديدا، إلى ترويج معطى مؤداه أن المجاهرة بالإفطار في رمضان لايكون إلا من صنيع منحرفين ومروجي مخدرات وأصحاب سوابق.. أي حالات على هامش المجتمع، كما أنها تروج أحيانا لرواية المختل العقلي عندما تعوزها حجة المخدرات المدسوسة للمجاهر في جيبه أو سيارته في غفلة منه..
 
والغرض من كل هذا التغليط المكرور والممجوج في الرواية الأمنية الرسمية هو جعل الرأي العام الداخلي والخارجي (الحقوقي منه بالأخص) يتوهم بأن الإفطار العلني في إمارة المؤمنين المستقرة، والتي يتحول فيها المواطنون في هذا الشهر الإكراهي والتوتاليتاري إلى أعواد ثقاب متناظرة، جعله يتوهم بأن الإفطار العلني لا يمكنه البتة أن يكون نتيجة لقرار فردي أو جماعي واع، أو نتاجا لاحتجاج عاقل ومتمدن على تعسفية الفصل 222 من القانون الجنائي الذي يفرض على الجميع أن يتظاهر بِما قد لا يمارسه في مجاله الخاص..
 
زد على ذلك أنه ليس من الشريعة الإسلامية في شيء ، بل هو مجرد قانون مزاجي و سلطوي و تسلطي هدفه إسباغ مسحة إسلامية مزيفة على مجتمع بكامله في هذا الشهر بغرض المزايدة الدينية ، و إيهام الجموع بالتزام الدولة بتطبيق الإسلام و مراعاة حدوده..و أن هذه التمثيلية كلها كانت من صنيع الحسن 2 ، والتي شرعنها في قانونه الجنائي بالستينيات ليُزايد بها على اليسار العلماني وقتها ، والذي أذاقه الأمرين..
 
“ماقدّو فيل زادوه فيلة” ، هو ذا تماما ما ينطبق على هذه الحالات المتواترة من اعتقالات المجاهرين بالإفطار في المغرب ، فبِما أن تهمة المجاهرة بالإفطار يمجها الذوق السليم ، وفيها الكثير من التعسف على حرية الأفراد و التحكم في أدق خصوصياتهم ، فلابد من مضاعفتها بإحدى التهم ذات الصلة بالسلوك المدني السيء و المُدان ، من قبيل المخدرات و السرقة و “الفساد” و اعتراض السبيل ، أو بالفرية الصالحة دوما للدس في محاضر متهافتة ، تجعل الناس يعتقدون في تلازم المجاهرة بالفطر مع حالة الجنون ، نقصد فرية الاضطرابات العقلية..
 
المواطنون الخمسة الذين اعتقلوا اليوم سيقدمون للمحاكمة بتهمة الإفطار العلني الثلاثاء القادم ، و النازلة ، بلاجدال ، تدخل في صميم الحريات الفردية ، في الإسلام و في المنظومة الحقوقية الكونية سواء بسواء ، لذلك فالقوى الحقوقية و فعاليات المجتمع المدني و هيئات الدفاع مطالبة بالدخول على الخط لمناصرة الضحايا ، تماما كما كان عليه الأمر قبل أيام في نازلة إنزكان . فإلغاء الفصل 222 السيء الذكر جزء لا يتجزأ من المعركة النبيلة التي تروم تكريس الحريات الفردية في هذا البلد ، و التي بدونها لا كرامة ، فالكرامة تكون فردية قبل أن تكون جماعية.
 
على السلطة أن تفهم أنه ليس من واجبها أن تدفعنا دفعا نحو الجنة ، بل مهمتها هي أن تخلق لنا شروط عيش كريمة و سعيدة تجعلنا نحس فعلا أننا في جنة هنا و الآن.
 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس