وأنت تفعل كل هذا لا تنس الوطن!

 

حسن الحافة*
 
وأنت تغادر فراشك في الصباح، بعد حصة نوم مليئة بالكوابيس. تذكر أن تجمع فراشك البالي، لأن من سيجمعه من خلفك امرأة بالكاد تستجمع قواها لتطهو لك ما ستأكله وقت الظهيرة.
 
وأنت تمزق ورقة من كتاب لتمسح بها مؤخرتك في المرحاض. تذكر أن ما مزقته كلف صاحبه سنوات من الكتابة والتفكير، والأجدر تركه ربما تلقفته أيادٍ تعرف قيمته.
 
وأنت تسرح بخيالك بعيدا، وترغب في مغادرة الوطن. تذكر أن الوطن لا يحتاج للجبناء أمثالك، بل هو في حاجة لمن يحرر أرضه من الذين يقتاتون من ألمه، ويطرد المتعطشين للشرب من دمائه.
 
وأنت تجلس في المقهى تدخن سيجارتك الصباحية، مُقَلِباً صفحات جريدتك المفصلة تقرأ معاناة الناس. تذكر أن وراء تلك المعاناة غول اسمه “المخزن”، جعل أبناء الشعب يتقاتلون. وهو يُتابع ما يجري من خلف ستارة ويضحك على غباوتهم.
 
وأنت ترمي قشرة الموز التي إشتريتها من صاحب “الكَرُوسة”. تذكر أن من سَيكْنِسُهَا هو عامل النظافة المسكين، الذي يقوم بعمله وسكان المدينة لا زالوا يغطون في نومهم العميق.
 
وأنت تركب الحافلة، وتكتشف عند نزولك أن هاتفك سُرق. تذكر أن اليد التي انتشلته خفية عنك، قد ملَّت من وعود الأحزاب ومن اجتياز مباريات التوظيف.
 
وأنت تُشعل التلفاز، وتستمع لنشرة الأخبار المسائية. تذكر أن شعار الديموقراطية والعدالة، يُوجد فقط في نشراتهم، وبمجرد خروجك للشارع ستصطدم بالديموقراطية الحقيقية، وأن العدالة مجرد حلم حلمناه ذات يوم من أيام شهر فبراير.
 
وأنت تحصل على شهادتك الجامعية بعد سنوات من الجد والاجتهاد. تذكر أن لا تنسى أن تمر عند النجار من أجل صنع إطار يحميها، فهم أعطوها لك من أجل أن تعلقها فوق فراشك وليس لتجد بها وظيفة.
 
وأنت تُلمع حذاءك المهترىء، من أجل اجتياز مُبارة. تذكر أن هيئتك تفضح لأي طبقة تنتمي، وأن إسمك العائلي غير مدرج في لائحة المحظوظين في هذا الوطن.
 
وأنت تلاحق “عاهرة” مراودا إياها عن نفسها، محاولا إقناعها بقضاء ليلة معك. تذكر أن خلف تلك “العاهرة ” إنسانة، وخلف تلك الإنسانة قصة، وبين سطور القصة معاناة، أو أب مريض، أو أم تكابد السرطان… أو ربما ذئب وَثِقتْ به فغذر بها.
 
وأنت تخلد للنوم في نفس الفراش البالي الذي لم ترتبه في الصباح. تذكر عندما تضع رأسك على الوسادة، أن الوطن لن يغفر لمن نسي أفضاله عليه، وأن في الخارج كثيرون يفترشون الأرض ويتوسدون قارعة الطريق.
 
وأنت تصرخ في وجه والدتك، لأنها لم توفر لك ثمن قهوة الصباح السوداء. تذكر أن في داخلها رغبة جامحة لضمك إلى صدرها، فهي أكثر إحساسا بوضعيتك من نفسك. وتذكر أنها لن تحقد عليك أبدا مهما فعلت لها. ولا تنسى أن تعتذر لها.
 
وأنت تغالب الدموع في عينيك، خوفا من أن يصفوك بالضعيف. تذكر أن تدعها تنساب على خذيك و تغسل الألم الذي يجتاح قلبك. فهي دليل على أنك لا زلت إنسانا ولم تتحول لحجر.
 
وأنت تقرأ هذا المقال. تذكر أن من كتبه اقترض ثمن القهوة من زميل له. و لا تنس وأنت تنهي قراءته أن تغادر بهدوء كي لا تجلب على نفسك لعنة الوطنية، وتلاحقك لعنة حب الكلمة الحرة.
 
*  مُعتقل بسجن تارودانت.
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس