عبد الله حمودي وموضوع الأمازيغية والسكان الأصليين

رشيد الحاحي
"الأمازيغ ليسوا بسكان المغرب الأولون، بل كانت قبلهم أقوام انقرضت لا نعرف عنها الكثير". هذا كلام صادر عن الباحث الأنثربولوجي الأستاذ عبد لله حمودي في سياق العرض الذي قدمه مؤخرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك بالدار البيضاء، وفي نفس اللقاء تحدث الباحث بتوجس كبير عن الأمازيغية وخطابها الهوياتي.
 
يبدو هذا القول للوهلة الأولى عاديا مادام الأمر يرتبط بسؤال الزمن الملغز وكرنولوجيته المفتوحة، وصعوبة الحسم في من الأول والأقدم لأنه رغم أنه لكل لاحق سابق فمن الممكن أن يكون للسابق أسبق، هكذا ودواليك حتى نصل إلى الدينصورات التي هي، إن لم يكن في الأمر شك، الساكن الأصلي لجل بقع العالم! لكن هل سيفيد هذا التناول الباحث الأنثربولوجي، والمثقف المنخرط في قضايا مجتمعه وتطوره الديمقراطي والحقوقي، في شيء؟ لا أعتقد ذلك.
 
فالسؤال الذي يطرحه مضمون مداخلة عبد الله حمودي، سواء فيما يتعلق بتوجسه المبالغ فيه وتخويفه غير المبرر من الأمازيغية وخطابها الهوياتي أو من خلال خروجه عن إطار وممكنات المقاربة الأنثربولوجية والثقافية لموضوع اللقاء المتمحور هو نقاش الهوية في المغرب، والخوض في موضوع السكان الأصليين الذي ينتمي إلى مجال التقصي والنقاش التاريخي أو الحفريات والبحث الأركيولوجي، السؤال الذي يطرحه هذا المضمون والقول هو ما هو سنده العلمي وما سبب النزول خاصة أنه صادر عن باحث أنثربولوجي كبير ومنخرط في قضايا النقاش السياسي والثقافي في المغرب، ومساهم بشكل غير مجرد من خلال تموقعه عبر أرائه وعروضه ومواقفه ضمن الأطروحات والحساسيات والتدافعات التي يعرفها الفضاء السياسي والنقاش الدائر حول قضايا الهوية واللغة والديمقراطية والتغيير ؟
 
فإذا كان هذا الإقرار التاريخي الجديد من اكتشافات السيد عبد الله حمودي ومجموعته بجامعة برنستون، فكان عليه أن يقدم الإطار العلمي لهذا العمل وتفاصيل الاكتشاف، معززا ذلك بما يكفي من الأسناد والدلائل المعتمدة في الوصول إليه حتى يكون الباحثون وعموم المتتبعين والمواطنين على بينة من هذا الإقرار التاريخي الجديد. وإذا كان مجرد رأي ولو كان مبنيا على معرفة أولية أو دراسة جزئية أو تجميع واستنتاج أو اطلاع شخصي، فما كان على الأنثربولوجي الكبير أن يحيط رأيه بكل هذه الوثوقية والحسم في إشكال وسؤال علمي ذي حساسية سياسية وثقافية في المجتمع المغربي، خاصة أن الأمر تم في بعض الدقائق وفي مداخلة عابرة وليس في دراسة مكتوبة أو نص منشور يمكن العودة إلى بنائه المنهجي ومضمونه التفصيلي وإطاره الببليوغرافي لإدراك مستندات وحجج هذا الإقرار الجديد.
 
وبما أن هذا النقاش سبق أن راكم العديد من الأفكار والأسناد المعرفية التي يصعب دحضها أو تفنيدها، وقد تناولت بعضها بتفصيل في كتابي "الأمازيغية والمغرب المهدور"، فيكفي التذكير ببعضها.
 
فكما كتب محمد شفيق، "فمن العبث أن يبحث للبربر عن مواطن أصلية غير التي نشئوا فيها منذ ما يقرب من مائة قرن. ومن يتكلف ذلك البحث يستوجب على نفسه أن يطبقه في التماس مواطن أصلية للصينيين مثلا، أو لهنود الهند والسند، أو لقدماء المصريين، أو لليمانيين أنفسهم وللعرب كافة، ليعلم من أين جاؤوا إلى جزيرة العرب ."
 
وهذه إحدى أقدم النصوص التاريخية، وهي لهيرودوت، وتعود إلى القرن 5 ق.م، تقول: "يعيش بليبيا -وتعني في الكتابة التاريخية القديمة بلاد الأمازيغ أي شمال إفريقيا- أربعة أجناس إثنان منهما أصليان وآخران مهاجران، فأما الأصليان فهما الليبيون (أي الأمازيغ البيض البشرة) والأثيوبيون (أي الأمازيغ ذوي الملامح الزنجية)، وأما المهاجران فهما الفينيقيون والإغريق".
 
يرتبط سؤال "السكان الأصليين " غالبا في الأذهان بالأقدمية المطلقة أي بالزمن المطلق، وبحساسية خاصة من خلال أسئلة المشروعية التاريخية والأسبقية الاجتماعية والانتماء الجغرافي أي الانتماء إلى الأرض وما يرتبط به من شرعية الوجود ومنظومة الحقوق، وما يثيره ذلك من قضايا الامتلاك والانتفاع والثروة والسلطة والسيادة وثنائية الأصيل والدخيل ...إلى غيرها من تداعيات هذا النقاش الذي كثيرا ما أفصح عن حساسيته الإيديولوجية والسياسية ولو تحت غطاء علمي أو أكاديمي.
 
فالأمازيغ باعتبارهم شعب أصيل ومتأصل، استطاعوا أن يقاوموا الانقراض، وأن يصمدوا ويحافظوا على وجودهم التاريخي، وعلى لغتهم وثقافتهم، وأن يساهموا بقوة في أهم الأحداث السياسية التي عرفتها شمال إفريقيا على امتداد عشرات القرون، رغم أنهم كانوا عرضة لأعنف أشكال الغزو من طرف إمبراطوريات ودول كبرى مند الرومان والوندال والبيزنطيين وصولا إلى العرب والفرنسيين والإسبانيين، وكانوا في الفترة المعاصرة هدفا لسياسات استيعابية وتذويبية كبيرة بترساناتها الإيديولوجية والمؤسساتية وإمكانيات الدول والأنظمة السياسية المهيمنة. فعجبا كيف استطاع الأمازيغ أن يصمدوا على امتداد تاريخهم بشمال إفريقيا والساحل إلى اليوم، وبلغتهم وثقافتهم، ووجودهم وموجودهم ، كشعب حي لم ينقرض، ونعرف عنه الكثير!
 
فالمؤكد أن أسبقية الانتماء أو الأصلية بمفهومها الزمني والتاريخي، ليست المدخل ولا المستند الوحيد لوجود الشعوب ومشروعية هويتها الاجتماعية ولغاتها وثقافاتها، ولا لتقرير مصيرها أو إحقاق حقوقها وإنصافها. فالوجود الاجتماعي، هنا والآن، بكل مقوماته وتجلياته البشرية والثقافية والاقتصادية، هو أساس المجتمعات وشرعية الدول ومنطلق السياسات، بل وغايتها الفعلية في تدابير الدول الديمقراطية، وفي نضالات الحركات التحررية والاجتماعية والتصحيحية، بل وفي مسار عطاءات الباحثين الكبار والمثقفين الأحرار.
 
السؤال المتبقي هو كيف يمكن تفسير خوض أنثربولوجي كبير وفاعل رأي مثل عبد الله حمودي في سؤال السكان الأصليين وتضخيم الخوف من الخطاب الأمازيغي في هذه المرحلة والوقت بالذات الذي من المفروض والمنتظر أن تحسم فيه العديد من الاختيارات السياسية والتدابير المؤسساتية التي تهم مستقبل المغرب وأمازيغيته ؟
 
حسب علمي وتتبعي المتواضع بحثا ونقدا مند قرابة عشرين سنة لمختلف الحساسيات والكتابات والتصريحات والآراء التي تتداول حول قضايا الهوية والثقافة والديمقراطية والاستبداد والمصالحة... في المغرب، سواء في إطارات دراسية وعلمية وثقافية أو حقوقية وسياسية، لم يسبق أن عبر السيد عبد الله حمودي بصيغة صريحة عن موقف ديموقراطي وايجابي من الأمازيغية باعتبارها واقعا أنثربولوجيا ساطعا، ووجودا اجتماعيا، لغويا وثقافيا وهوياتيا، عانى من مختلف أشكال التحريف والاستيعاب الإيديولوجي والهيمنة الثقافية والسياسية، وشأنا حقوقيا عادلا، رغم أنه خاض كثيرا خلال السنوات الأخيرة في قضايا الديمقراطية والاستبداد السياسي ونقد النظام ودعم حركة التغيير.
 
واستحضارا لمشروعية المطلب الأمازيغي، وكونه يندرج في صلب قضايا الديمقراطية والمصالحة والتغيير الثقافي والسياسي المأمول في المغرب، فمن خصال المثقف الكبير عدم السكوت في لحظات التغيير الهامة في مسار تطور مجتمعه وبلاده، لكن ليس بالحديث في لحظة شاردة من أجل التشكيك وإثارة نقاشات عابرة، بل بالحضور الفعلي والجريء، وبنزاهة الفكر والقول، من أجل المساهمة في مسار الإنصاف والبناء الديمقراطي والحقوقي كاملا وشاملا، دون انتقائية أو توجس. هكذا نريد عبد الله حمودي، وليس عكس ذلك، ليس عكسه تماما!
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس