هل دفاع الفاسي عن الانجليزية مجرد دفاع "موضوعي" بريء؟

 
عبدالله الحلوي
أريد أبين من خلال هذا المقال أن دفاع الفاسي الفهري عن الانجليزية لغةً ثانيةً في المغرب، في الحوار الذي أجرته معه هيسبريس مؤخرا، ليس دفاعا بريئا و"موضوعيا" يستجيب لمصالح المواطنين، كما يدعي الفاسي نفسه، بل دفاع "محبوك" في سياقٍ خطابي أيديولوجي يعكس نفس المسلمات الأيديولوجية التي تربَّت عليها النخبة المشرقانية لِحاضرة فاس.  الوهم الأساسي الذي يحاول الفاسي الفهري أن يمرره من خلال حواره الأخير هو أنه يدافع عن الاستبدال التدريجي للفرنسية بالانجليزية من أجل استيفاء مقتضيات "العدالة اللغوية" بمغرب اليوم. سأبين أن الفاسي الفهري حرف المعنى الأصلي ل"العدالة اللغوية" كما هو متداول في الأدبيات السوسيولسانية المعاصرة وأن تحريفه موجّه برغبته في إخفاء الوضعية غير المنصفة التي تعيشها الأمازيغية. فدفاعه الظاهري عن الانجليزية (والعربية أيضا) ليس سوى حيلة ملتوية لتهميش قضية القضايا وهي قضية استرجاع مقومات الهوية المغربية التي تشكل الأمازيغية عمقها التاريخي والحضاري. 
 
أولا ـــ تحريف معنى "العدالة اللغوية" 
يصرح السيد الفاسي الفهري في معرض جوابه عن سؤال متعلق بسبب تشبث الدولة بالفرنسية بأنه غير مهتم بأمور السياسة وبأن همه الأساسي هو "مصالح المواطنين" و"العدالة اللغوية" التي كتب فيها "عدّة مرات". وهذا هو نص جواب الفاسي:
 
"أنا لا أدخل في التفاصيل السياسية، أو السياسوية على الأصح. أنا انشغالي بشيئين: (أ) مصالح المواطنين، ونوع المواطن الذي نريد أن نكونه بالنسبة للمستقبل، و(ب) نحن كما ذكرت لك منشغلون أيضا بسؤال كبير يشغلني وكتبت فيه عدة مرات وهو مشكل العدالة اللغوية، هل نحن عادلين حينما نختار لأبناء الشعب مثلا الفرنسية وحدها، وتكون نخبة نفوذ من نوع آخر تكون أبناءها باللغة الإنجليزية في معاهد فرنسية أو أنجلوساكسونية، إما كليا أو جزئيا، علما بأن أوربا نفسها مدارسها والمدارس العليا الفرنسية فيها أصبحت تكون باللغة الإنجليزية."
 
ادعاء الفاسي بأنه انشغل بموضوع "العدالة اللغوية" وكتب حوله كثيرا، بدون إحالة على المتخصصين الذين أبدعوا هذا المفهوم وأنتجوا فيه أبحاثا رصينة، يوهم القارئ بأن الفاسي هو من صاغ هذا المفهوم  أو أنه ساهم في صياغته أو أنه، على الأقل، يفهمه بشكل جيد. ويترسخ هذا الفهم الموهوم خصوصا عند القارئ الذي لا مِراس له في علوم اللسان و الذي يفترض، بسبب ما انتشر عند العامة من الاعتقاد (الخاطئ تماما) في حجية الفاسي وتمكنه من العلوم اللسانية (وهو وهم قد نعود له في سياق آخر)، أن كلامه حجة لا يُرَدُّ عليها.
 
فما قصة مفهوم "العدالة اللسانية" وما وجه تحريف الفاسي له؟
 
المرجع الأساسي لمفهوم "العدالة اللسانية" هو كتاب من 390 صفحة صدر عام 2009 عنوانه "العدالة الاجتماعية من خلال التربية المتعددة اللغات"، وهو كتاب متضمن لدراسات عديدة لمتخصصين لسانيين وسوسيولسانيين مرموقين مثل يوهانتي ويونجانڭ تامانڭ وغيرهما. والمرجع الأساسي الثاني لمفهوم "العدالة اللسانية" هو كتاب آخر عنوانه "العدالة اللغوية لأوروپا والعالم" من إصدار مطبوعات أكسفورد سنة 2011 ومن تأليف فيليپ ڤان پاريجس. الفاسي، إذن، ليس مبدعا لمفهوم "العدالة اللسانية" بل مجرد ناقل ينبغي أن يحترم قواعد التوثيق وأن يخبر قُرّاءه بمصدر المفهوم حتى يدفع عنه شبهة السرقة الأدبية.
 
وبالعودة إلى هذه المصادر (وغيرها) نكتشف أن الفاسي لم يستعمل مفهوم "العدالة الإجتماعية" لما جُعل له في الأصل. فجملة كلامه أن طالب العلم الذي تكون بالفرنسية يُحرم  من التوسع في العلم ومن تبليغ هذا العلم في المجلات المتخصصة والمؤتمرات الدولية كما يستفيد من ذلك من كان تكوينه انجلوساكسونيا. ووجه الخبط في كلام الفاسي أن سياق سياق "العدالة اللغوية" التي يتحدث عنه الخبراء ليس هو ما يحدث في المجلات والمؤتمرات الدولية بل ما يحدث في قلب المجتمع المتعدد لغويا من تفاوتات في فرص التحصيل العلمي بسبب استعمال المنظومة التربوية للغة غير لغة عامة الناس في سياق اجتماعي متعدد اللغات. وللتدليل على المقصود ب "العدالة اللغوية" عند أهل الاختصاص، أورد النص التالي الذي يعرف فيه يوهانتي بكل وضوح معنى  "العدالة اللغوية" الذي حرفه السيد الفاسي الفهري لأسباب سأذكرها:
 
“In a true multilingual system, all languages can have their legitimate place: mother tongues, languages of regional, national and wider communication. English and all other world languages can play their role; they can be healer languages and not ‘killer languages’. In a politically uncontaminated society that would not permit evil entrepreneurs of identity to rob others of their linguistic capital and cultural rootedness, mother tongues and other languages can complement each other with beauty, the beauty of the ‘petals of the Indian lotus’, as Pattanayak (1988) so elegantly puts it, beauty with diversity” 
 
"العدالة اللغوية" إذن هي أن نمنع "اللصوص من مقاولي الهوية" كما يسميهم يوهانتي من حرمان الناس من استخدام لغاتهم الأم ومن سرقة مُقدّراتهم الثقافية واللغوية لصالح ثقافة وافدة ولغة مهيمنة. يبني صاحب كتاب العدالة اللغوية لأوروپا والعالم" أطروحته على نفس الزخم الحقوقي ليعالج مسألة هيمنة اللغة الإنجليزية على اللغات الأم وليحلل مظاهر عدم الإنصاف اللغوي التي تنتج عن هذه الهيمنة.
 
 فإذا كان هذا هو المعنى المُحَقَّق ل'العدالة اللغوية" عند أهل الإختصاص، فلماذا أخرجه الفاسي من دلالته الأصلية إلى معنى "الإنصاف في فرص التحصيل والتبليغ لغير المتكلمين باللغة الانجليزية"؟ لا تحتاج الإجابة لذكاء خارق: يحرف الفاسي المعنى الأصلي للعدالة الاجتماعية لأن معناه الأصلي يكشف عن حالة "الظلم الاجتماعي" الذي تعرضت لها اللغة الأمازيغية بسبب الأديولوجية العُروبية الشريرة المعادية للأمازيغية التي كان الفاسي الفهري يدافع عنها في الظاهر والباطن، قبل دسترة الأمازيغية،  وصار، بعد ذلك، يدافع عنها بشكل محتشم. فجميع المعايير العلمية لغياب "العدالة اللغوية" تتحقق في وضعية الأمازيغية. فهي لغة أم لأغلبية عددية مُنع إحصاؤها عمدا في إحصاء الحليمي (الذي هو فاسي أيضا!). وهي لغة رسمية "أيضا" مُنع استعمالها قسريا في البرلمان من طرف برلمانيين من حزب بنكيران (ذي الأصول الفاسية أيضا!) وحزب الاستقلال (المهيمن عليه فاسيا أيضا!). وهي لغة حُرم متكلموها من دراستها والتدريس بها. وهي لغة ألقي في السجون بكثير ممن دافع عنها. وهي لغة حرم من لا يتقن غيرها من التساوي مع من يتقن غيرها في فرص التحصيل ... فإذا كان هدف الفاسي الفهري، كما يدعي، هو "مصالح المواطنين" فلماذا لم يدافع عن "المصالح اللغوية" للأمازيغ .. هذه الأمة التي يدّعي أنه منها وهي منه؟  لماذا لم يسبق له أن استعمل مفهوم "العدالة اللغوية" للدفاع عن ترسيم الأمازيغية قبل ترسيمها وعن تفعيل قانون ترسيمها بعد ترسيمها؟ 
 
ومن الشواهد على عدم رغبة الفاسي في الاعتراف بما يقره صريح نص الدستور المغربية من كون الأمازيغية "أيضا" لغة رسمية أن الرجل يفترض افتراضا أن اللغة الوطنية والرسمية الوحيدة التي تستحق النقاش هي العربية. من ذلك مثلا أنه كلما تحدث عن سيناريوهات لغوية للمستقبل كلما ذكر العربية ولغات أجنبية أخرى دون أن يشير إلى اللغة الرسمية الأخرى التي هي الأمازيغية. فتأمل في هذا الشاهد من حواره:
 
 "وهذه السيناريوهات، في رأيي، لا ينبغي أن تكون ثنائية، وإنما ثلاثية، وأنا كتبت بتفصيل في هذا الموضوع، بحيث لا يمكن أن ننتقل فجأة من ثنائية عربية - فرنسية إلى ثنائية عربية-إنجليزية بين عشية وضحاها. فهناك صيغ ثلاثية، كما فعلت أوربا أو الهند، بحيث نعتمد على الأقل في التعليم ألتأهيلي والعالي على اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية"
 
فالممكن في سيناريوهات الفاسي هي العربية بالإضافة إلى لغات أجنبية أخرى كالإنجليزية والفرنسية. أما الأمازيغية فلا يشير إليها إلا كنوع من "الضرورة الشعرية" صادق عليها الدستور لا طائل من الحديث عن مكان لها في سيناريوهات المستقبل؛ لذلك لا يضع لها الفاسي أي مكان في المستقبل الذي يريده لوَطَنِه. هنا أيضا يخرج الرجل مرة أخرى عن مقتضيات "العدالة اللغوية" التي يدعي أنه مهتم بها.
 
ثانيا ــــ تحريف الكلام في الدارجة المغربية
 
المثال الثاني الذي يدل على أن الفاسي الفهري أقل علما بكثير من الصورة التي رسمها الإعلام له أنه اعتبر أن علاقة الدارجة المغربية باللغة العربية (التي يسميها ب"الفصحى") هي علاقة تنويعة معيارية عليا في الثقافة العالمة بتنويعة دُنيا تستعمل في سياق الثقافة الشعبية, وهو نفس فهم العوام للعلاقة بين هاتين اللغتين! ومن هنا إشارته إلى أنه هذا الوضع سائد في كل البلدان سوى في إسلاندا:
 
"قضية العامية والفصيحة هي مسألة مطروحة بالنسبة لجميع لغات العالم، ونجد أن لغة واحدة شذت عن القاعدة، وهي اللغة الإسلندية، ولا أريد أن أدخل في التفاصيل، ولكن كل اللغات الحضارية في العالم لها صيغة فصيحة وتسمى بالصيغة المعيارية Lي ستاندارد، وهي اللغة التي يدرس بها في المدرسة وتصدر في القوانين وتكون في المحاكم إلى غير ذلك، وفي الإعلام والصحف، وتكتب بها الكتب، الخ." 
 
أوجه الخبط في كلام الفاسي عديدة. منها أن الدارجة المغربية ليست تنويعة لغوية للعربية بل لغة قائمة الذات نتجت عن تفاعل بنية الأمازيغية الصوتية والمرفولوجية والتركيبية مع تنويعتين لغويتين للعربية وهما العربية الهلالية والعربية الأندلسية. ومن أوجه الخبط في كلامه أيضا أنه أغفل أن للدارجة المغربية مستويات استعمالية متعددة منها العالي كالإستعمال الأدبي (الملحون مثلا) والداني كلغة التخاطب في المجال الأسري. ومنها أيضا إغفاله أن الدول التي تحدث عنها واستشهد بحالتها اللغوية عادة ما تختار تنويعة من التنويعات المتحدث بها أصلا لتدسترها لغة رسمية (كابريطانيا التي تستعمل التنويعة اللندنية؛ وفرنسا التي تستعمل التنويعة الباريسية) مما يختلف عن حالة المغرب الذي لا يستعمل أية لغة من لغاته المحلية بما فيها الأمازيغية. ومن أوجه الخبط في كلام الفاسي أيضا أن الدول الديمقراطية التي تعمل بمبدإ "العدالة اللغوية" أوجدت حلولا مبتكرة لوضعية التعدد اللغوي كأمريكا التي استعملت "پروتوكول التعليم المدعّم" في الأماكن ذات الأغلبية المتكلمة بالإسبانية، وكبلجيكا التي دسترت وفعلت مبدأ التعدد اللغوي، مما لا يزال المغرب بعيدا عنه. أما حالة إسلندا التي أشار إليها فلا تختلف عن هذه البلدان التي نهضت بمقتضيات "العدالة اللغوية" إلا في أمر واحد وهو أن أهل هذا البلد وحكوماته ميّالون إلى المحافظة اللغوية فلا يقبلون في تعاملاتهم الرسمية إلا ما حافظ على ما تمَعيرَ وتقعّد من لغتهم. فلا يخرجون عن عموم القاعدة وهي استعمال الأفراد لنفس لغتهم اليومية في منظومتهم الدراسية.
 
خلاصة ونتيجة
خلاصة تحليلنا إذن أن غرض الفاسي الفهري الحقيقي ليس هو الدفاع عن الإنجليزية بديلا عن الفرنسية، بل غايته أن يرسم سيناريوها لغويا لمستقبل المغرب تكون لغته الرسمية والوطنية هي العربية التي تستخدم في كل مراحل التدريس ومكوناته بالإضافة إلى الإنجليزية التي فرضت نفسها لغة دولية. مشكلة هذا النموذج الذي يريده الفاسي للمغرب أنه يقصي الأمازيغية بشكل تام ويتناقض مع مقتضيات "العدالة اللغوية" التي يدعي أنه يدافع عنها، كما يتناقض مع مقتضيات الدستور الذي يعتبر أن اللغة الأمازيغية هي "أيضا" لغة رسمية ويدعو إلى سن قانون تنظيمي يدعّم طابعها الرسمي وينفِّذه. لذلك فإن السيد الفاسي لم يذهب بعيدا عن أيديولوجية نخبة فاس العنصرية والرافضة لتيموزغا ـــ طوفان الحياة الذي سيغمر مدينة فاس بالحب والأصالة الأمازيغية قريبا إن شاء الله. 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس