لماذا يستهدف الإرهاب متاحف الفنون وصور وآثار الحضارات؟

 

 
 
رشيد الحاحي
"تذكرت موقفا سمعته بأذني من المرحوم علال الفاسي عندما اشتكى إليه بعض الملتزمين ب "الحشمة" من صور أجساد الممثلات سنة 1969 مثل بريجيت باردو Brigitte Bardot وصوفيا لورين SOPHIA LOREN التي تعلقها قاعات السينما بالشوارع آنذاك قصد الدعاية للدخول إلى قاعات عرض الأفلام، وطلبوا منه الإفتاء بتحريمها فقال لهم "المسلمون عقلاء يفرقون بين الصورة والحقيقة، وبين الورق المصبوغ وجسم المرأة".
 
بهذه الفقرة الدالة والهامة اختتم دا احماد الدغرني إحدى مقالاته الأخيرة، والتي تناول خلالها إشكالية التعبير الفني ووظيفته السياسية في المجتمع المغربي. هذا المقال الذي أبان من خلاله أحمد الدغرني عن إلمامه وتتبعه وعدم تهاونه كمناضل وسياسي فطن في رصد وإبداء الرأي بشأن العديد من قضايا الثقافة والديمقراطية وحقوق الإنسان بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، هذا رغم سنه ومشواره النضالي الطويل.
 
لقد اكتشفت من خلال هذا المقال التضامني البعد الآخر في ثقافة دا احماد، واقصد إلمامه بالفن والصورة والحساسية السياسية والإيديولوجية التي تثيرها، وعلاقة كل ذلك برهانات تطور المجتمع على المستويات الديمقراطية والحقوقية والثقافية. وهو البعد والوعي الثقافي، أقصد الوعي بدور ومكانة الفن والصورة في تطور المجتمع والحياة الديمقراطية، التي يفتقر إليها جل السياسيين والإداريين بل وحتى المثقفين المغاربة نتيجة الفقر الفني والبصري الذي تعاني منه البنية الثقافية العامة في المجتمع ومنظومة التربية والتكوين المدرسي والجامعي بالمغرب، كما يتجلى ذلك بشكل جلي في الخطاب والتصور السياسي والثقافي للعديد من الإطارات والأفراد، وخاصة مع الأحزاب والتيارات التي تمتح تصوراتها وبرامجها من إيديولوجيات ومرجعيات مضادة تنزعج من كل ما هو جمالي وبصري وتبخسه وتقصيه.
 
فإذا توقفنا عند رد علال الفاسي الذي يلخص فعلا الخيار الإيديولوجي الذي قامت عليه السياسة الثقافية في المغرب مند قرابة قرن من الزمن، وسلوك ونظرة الفاعل السياسي لموضوع الصورة والإبداع الفني، يتضح مايلي:
 
تشكل السينما فعلا، والصورة بجميع أشكال تجليها وحضورها في الحياة الثقافية والتواصلية والفضاء العام، من أهم حوامل وأشكال التعبير الحديثة التي خلخلت ولا تزال البنية الثقافية التقليدية للمجتمع المغربي، ولعل سلوك التوجس والمطلب الاجتماعي بتحريمها كما حصل خلال بداية حضورها في فضاء المجتمع على امتداد قرابة قرن من الزمن، واستمرار الموقف الإيديولوجي والتوجس القيمي والثقافي المغلف بالتبرير الديني خاصة السلفي حتى في الوقت الراهن، يؤكد أن الصورة أحدثت وتحدث صدمة ثقافية في المجتمع، ويمكنها أن تساهم بشكل كبير في تحديثه وتطوره الاجتماعي والقيمي والديمقراطي.
 
جسم المرأة شيء والصورة المصبوغة شيء آخر، والعقلاء يفرقون بين الإثنين. بمعنى آخر الصورة تختلف عن مرجعها وموضوعها ولا تطابقه، لكن ليس بالمعنى السيميولوجي وفي إطار نقاش علمي ودلالي، بل بما تقتضيه المناورة الأخلاقية والسياسية في سياق ثقافي وتدبير تلفيقي في مجتمع انقسامي.
 
أتذكر مثلا المقولة الشهيرة لرولان بارث، الناقد وواضع أساس سميولوجيا الصورة، أعتقد في كتابه بلاغة الصورة أو إحدى دراساته المنشورة حول الفوتوغرافيا: " الصورة لا تختلف أبدا عن مرجعها "! كما أتذكر التحذير الذي أبداه روجيس دوبري في كتابه "حياة وموت الصورة" من أن الخطر الوحيد الذي يهدد حضارة الصورة هو في تحطيمها المادي.
 
بيت القصيد من هذا التحليل الذي استهللناه بشهادة احمد الدغرني واستحضاره لرد علال الفاسي في موضوع الصورة والمعنى والأثر السياسي والأخلاقي، هو محاولة فهم لماذا ينزعج المسلمون وحكامهم على حد سواء، وخاصة إسلاميوهم سواء شيوخهم المتعصبين أو أتباعهم المغبونين، من الصورة وخطابها وتأثيرها؟ ولماذا صارت الآثار الفنية والمتاحف هدفا بارزا وأولوية في خريطة العمل الإرهابي وبرنامج الدول الإسلامية الوهمية؟
 
فالبارحة كان متحف باردو بتونس هدفا لعمل إرهابي أسفر عن مقتل حوالي 23ٍ فردا غالبيتهم من السياح الذين يقصدون المتاحف للتمتع ب"ربرتوارها" الفني والتاريخي الذي يعطي صورة واضحة عن الحياة الفنية والثقافية والحساسية الجمالية وملكات الإبداع البصري في البلد المعني بالزيارة. ومتحف باردو يعتبر من أكبر المتاحف في العالم التي تحتضن وتقدم قطع أثرية من الفسيفساء الرومانية التي تعود للقرن الثاني قبل الميلاد.
 
وقبل بضعة أيام أقدم تنظيم "داعش" على تحطيم تراث فني إنساني كبير ونفيس بمدينة الموصل بالعراق التي احتلها والتي تحتوي على مئات المواقع الأثرية ومن بينها قطع وتماثيل أشورية تعود للقرن التاسع قبل الميلاد!
 
وقبل بضع سنوات تابع العالم البداية الأولى لهذا التحطيم والعداء الحضاري مع إقدام الطالبان على هدم العديد من المنحوتات والآثار الفنية النفيسة التي تعود للحضارة البوذية بعدة مدن منها قندهار وكابل...بأفغانستان، وذلك بقرار سياسي من الملا عمر الذي نفذته وزارة تسمى ب"وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والثقافة"!
 
الجواب الواضح عن هذا السؤال الذي يختزل إشكالا ثقافيا كبيرا، هو كون الصورة تشكل مكبوتا وممنوعا ثقافيا، ومحرما دينيا وموضوعا مدنسا، ولم تجد بعد وضعها الطبيعي في البنية الثقافية والحيات العامة المحكومة بثنائية المقدس والمدنس، ولم تتخلص بعد من ترسبات ثقافة وتخوفات التمثيل والتجسيد والتأليه.
 
فلو تم التأسيس في اللحظات التاريخية الهامة لتحولات فعلية في البرديكم الثقافي، وتم استدماج الصورة كشكل وحامل خطاب وإنتاج تعبيري وفني، وأدمجت في المنظومة التربوية والثقافية بشكل فعلي، بعيدا عن المقاربة التقليدية التي تقوم على التسويغ الأخلاقي والتبرير الديني، وعلى خيار اللبس والإبقاء على مساحات كبرى للتدنيس والتبخيس والتخوف والانزعاج، لما بقية الصورة وكل ما يرتبط بها من أشكال تعبيرية وفنون بصرية وصيغ خطابية موضوعا شائكا ومثار نقاش مغلوط كانت أكبر نتائجه استمرار الجهل بالفن والصورة والخوف منهما، وبالتالي معادتهما وانتظار الفرصة لتحطيمهما.
 
فأن تكون أولى أعمال ممارسات السيادة والحكم باسم الدولة الإسلامية وحركات الإسلام السياسي، ولو تحت طائلة الوهم، هي تحطيم الآثار الفنية وشواهد الحضارات البشرية، وأن تكون المتاحف أهدافا رئيسية للعمل الإرهابي باسم هذه التنظيمات ومشروعها السياسي والثقافي، هذا يعني أن الصورة والفن والإبداع والثرات الحضاري المادي هي من أهم القضايا التي ينبغي الإعتناء بها وبدورها التربوي والثقافي في مشروع التحديث والديمقراطية والتنشئة الاجتماعية في الدول التي تطمح فعلا إلى التطور والرقي الحضاري.
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس