العهد الجديد وسؤال الإخفاق التدبيري والمؤسساتي

 

 
 
 
 خميس بتكمنت
لا جدال في كون نقد التجارب السياسية وتقييم الخطوط العريضة للمنهجيات الرسمية للدولة، تقتضي النظر للأمر من زاوية جرد المتغيرات اللحظية المعاشة على أرض الواقع، لا الانكباب على محاولة جعل الشعارات المدادية أمرا محتققا، وإن المعاينة والجرد ثم الحكم على مرحلة ما سمي ب ” العهد الجديد ” مثلا يقتضيان تقييم التجربة بحيادية تامة، وفق الشروط التي تقتضيها العملية الديمقراطية كونيا. بالرغم من الشعارات الكبيرة المرفوعة في مرحلة حكم محمد السادس، إلا أن الواقع وخصوصيات المشهد السياسي السائد، تحتم علينا الوقوف وقفة تأمل لإستنباط مكامن خللها وفشلها .
مرحلة الشعارات الغير المحققة
اتسم مطلع الالفية هاته بسيادة رفع مؤسسات الدولة، وأولها المؤسسة الملكية، لمجموعة من الشعارات الكبرى التي حاول مهندسو التخطيط الاستراتيجي للسياسات، جعلها مفصلية، وأهمها شعارا الانفراج السياسي والانتقال الديمقراطي غب تجربة التناوب التي ضربت آخر مسمار في نعش المعارضة الممانعة التي قادها الاتحاد الإشتراكي. إلا أن تسارع الزمن أثبت عدم جدية قمة هرم المؤسسة السياسية في القطع مع الإرث السلطوي والقمعي الحسنيين، والذي أثبته جدياً إخفاق تجربة طي صفحة الماضي كمسنتد محوري أقيمت عليه هيأة الإنصاف والمصالحة المتعثرة، رغم الكم الهائل من الميكانزمات الأداتية والمادية التي سخرت لها، والتي أبانت عن حنين العهد الجديد للمواظبة على نهج الخطوط الكبرى لمنهجيات الحسن الثاني..
فالمؤسسة الملكية مثلاً إدعت الرغبة في القطع مع إرث المرحلة الحسنية، هي نفسها التي تبدي المواصلة على نهج أسلافها في الخطب الرسمية. ثم إن الانفراج السياسي والخطو لدمقرطة المؤسسات، تعثرت مع الإستناد على فلول رؤوس الفساد السابقين، وكانت أبرز تمظهراتها إسناد الوزارة الاولى لعباس الفاسي المتهم قبلا في قضية النجاة، و تبويئ مراكز عليا لمجموعة من المتهمين في قضايا الفساد المالي.
وأمام إخفاق هرم الدولة في بلورة برنامج لخريطة الدمقرطة، وإنغراز لوبيات الفساد في تكتلات محصنة، حالت دون شملهم بمبدأ عدم الافلات من العقاب التي تقتضيها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفق تصور الحكامة الشامل، إرتأت مؤسسة الدولة -المخزن- إلى اغماض الجفن عن تفرعات العبث السائد في المشهد السياسي المُتحكم فيه من طرف جهات لا تطالها رقابة السلطة التشريعية، ولا تثنيها سلطة تنفيذية تم تجريدها من اختصاصاتها، وجعلها سلطة مفعول بها يرسم لاعبوها في دهليز مجانب للمؤسسات المتخصصة في استصدار القرارات السياسية التي أفرزت مشهدا سياسيا عبثيا يستبدل هرم النظام و مستشاريه أبطاله الحكوميين ليكونوا أرانب سباق يقودون المشهد السياسي الى وجهته التي تم تحديدها بعيدا عمن كلف بتحديده دستوريا.
غياب إرادة رسمية للتغيير حتمت على شركاء الهرم النسقي للنظام استبدال محور النقاش التدبيري للسياسات الى محور آخر سمي بالاوراش الكبرى يقودها نفس من يتحملون مسؤولية تدني المشهد السياسي ونفس من صنفهم الشعب فيما بعد ابان حراك 20 فبرابر في خانة المفسدين الذين وجب اسقاطهم ، الأمر الذي أعطى انطباعاً أوليا في 2008 بفشل هذه الاوراش ما دامت لم تعط قيمة محورية لشرطي النراهة و الكفاءة.
إرتكرت الدولة في سياسة الاوراش على مَن فشلوا تدبيريا في قيادة قاطرة الدمقرطة والواردة أسماؤهم في لوائح الناهبين المستغلين لأدوار المصاهرة و الاستوزار والقرب من هرم النظام، لمراكمة الثروات، والترامي على املاك الدولة والغير بعد تفويتات فشل الجهاز القضائي أن بكون فيها قوة ردع و زجر لعدم استقلاليته.
والأدهى هو التعويل على استثمارات جيومجالية دون إحكامها لمسطرة الرقابة المستمرة، والتركيز في البرامج الاقتصادية على عدم إعطاء الأهمية القصوى للقيمة المضافة في مشاريع لا تكتمل وإن اكتملت لا تخلق فارقا في ارقام الناتج الوطني بتسبيق التطلع إلى تلميع صورة المغرب لدى المجتمع الدولي بإشراك دول و منظمات وهيآت في صفقات خارج القانون و يشوبها الفساد.
لا عقلنة السياسات التدبيرية وتحاشي جرد اسماء المسؤولين عن الاخفاق، أعطى صورة نمطية مفادها عزم النظام السياسي على الوفاء بوعد عدم التغيير و مجابهة التغيير، من خلال إعادة إنتاج نفس التجربة الحسنية.
فالحسن الثاني قام بتأسيس أحزاب إدارية مؤثثة للمشهد السياسي متحكم فيها، وفتح جبهات على الحركة الاحتجاجية من خلال التوفيق في تطويع بعض الرموز وإدكاء التطاحن بين تياراتها للحفاظ على احادية التحكم التسييري للمخزن، وهو ما يحدث الآن بطريقة أخرى بعد فتح جبهات على ما تبقى من الحركة الاحتجاجية التي تخندقت في مناصرة انتماءاتها الايديولوجية، بدل اعطاء الاهمية لتطلعات الشعب واولويات حاجياته ومجابهة المخزن عبر فلوله الأمنية وشريحة ممن تم تطويعهم من المتأسلمين والمتياسرين للحركة الحقوقية والامازيغية، وهي رسالة مفادها الرغبة في الحفاظ على نمطية المخزن التقليدي الذي يغير كل شركاء المشهد لكي لا تتغير أحاديته وإحتكاره للسلطة المطلقة.
على سبيل الختم فإن مرحلة العهد الجديد لا جديد فيها إلا تعليق بوادر الانتقال لدولة المؤسسات عبر قطع الطريق على الشرط الديمقراطي في استصدار الوثيقة الدستورية والقرار السياسي، والانكباب على خلق بدائل ترقيعية، وإشهار الاعتقال السياسي، وطبخ ملفات قضائية في وجه مناهضي الاوليغارشية المخزنية بتسخير بروبكندا الاعلام الرسمي المكلف بتشييع وهم التغيير، وتسخير منابر لمناصري التدبير الرسمي والتضييق على مناوئيه.
فالانفلات التدبيري يوحي بغياب نظرة الالمام المخزنية في التخطيط الاستراتيجي، وتبيان أن الحل المخزني الأنجع هو الدي يمهد ل”البام” مثلا، وما ارتفاع وتيرة الاعتقال السياسي و التضييق على حرية التعبير إلا دليل على رغبة الدولة في محاربة اي مد فكري من شأنه نقل الفرد من ثقافة الرعية الى الفرد المواطن.

 

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس