تيموزغا والمواطنة

 

عبد الله الحلوي 

بعد السقوط العسكري والسياسي والأخلاقي للأحزاب العروبية البعثية، ممثلة في نظام صدام والقذافي والأسد، تحركت أيديولوجيا هذه الأحزاب بشكل خجول ومرتبك، ممثلة في بعض موظفيها الأيديولوجيين ممن لم ينسوا ما أسبغه عليهم أولياء نعمتهم المقبورين من سيولة (لا يضاهيها في الكثرة سوى البترودولار الوهابي)، لتحاول الحفاظ على بعض ما تبقى من ماء الوجه. وتتخذ حركة هذه الأيديولوجية الشريرة في تامازغا أشكالا متعددة منها إظهار التصالح مع الهوية الأمازيغية في إطار ما يسمى ب"التعدد الثقافي"، ومنها الدعوة إلى دولة مبنية على عقلانية "المواطنة" التي تُؤوَّل على أنها دولة بدون هوية، ومنها اللعب على تسويف إنزال مقتضيات تمزيغ الدولة كتفعيل ترسيم الأمازيغية.
لذلك فلا بد من فضح كل أشكال "البعثيةــ الجديدة"، أولا بنقدها، وثانيا بمحاصرة المنتمين إليها من صحافيين ومثقفين  بالمحاججة العلمية حتى لا تسمح تيموزغا مرة أخرى للتهريب الهوياتي كما فعلت لمدة طويلة.
لنأخذ، على سبيل المثال، تلك الأسطوانة المشروخة التي كثيرا ما نسمعها من هؤلاء الذين تضيق صدورهم عند رؤية المد الهوياتي الأمازيغي ــ أسطوانة "دولة المواطنة". مقتضى هذه الأسطورة أن الدولة المدنية الحديثة تنبني على فكرة المواطنة العقلانية: أساس الانتماء للوطن هو أنني أعيش فيه وأساهم في بنائه بالعمل الاجتماعي وبدفع الضرائب وبغير ذلك من ضروب التدخل الإيجابي. لذلك فلا تعترف دولة المواطنة ب"العرق" أو "الدين" أو "اللون" أساسا للإنتماء. وعليه، فكل دعوة لبناء دولة ذات "هوية عرقية" هو نوع من الانحراف عن مقتضيات الدولة المواطنة المدنية المتحضرة إلى شكل من أشكال الدولة العنصرية والعرقية التي ستسقط عاجلا أم آجلا في براثين نظام للأپارتايد أو في أوهام التفوق الجيني.
المشكلة الأساسية في استعمال نظرية "الدولة المواطنة" لنقد الحراك الأمازيغي أنه عادة ما يكون بسوء نية ما دامت غاية مستعمليها هي فقط مهاجمة تيموزغا وليست هي المساهمة في تطوير نظرية المواطنة وفي تطبيق مضامينها على أرض الواقع. ومن نتائج سوء النية هذه أن البعثيين العروبيين عادة ما ينزولون، بسبب حقدهم التاريخي الدفين على هويتهم التاريخية، أي تيموزغا، إلى مستوى من قلة الذكاء غريب. و سأشرح لك بعض مظاهر قلة الذكاء في فهمهم للعلاقة بين دولة المواطنة وأحلام تيموزغا.
أولاــ لا يوجد أي مكون من مكونات الحركة الأمازيغية يعتبر الانتماء إلى تيموزغا انتماء "عرقيا" بكل بساطة لأنه لا معنى للإنتماء للعرق والدم. فالفكر الأمازيغي ينببني على أن هناك مكونات موضوعية تشكل القوام الوجودي للهوية الأمازيغية هي الأرض (تامازغا التاريخية = شمال إفريقيا) واللغة (اللغة الأمازيغية بمختلف تنويعاتها) والإنسان  المكون الأنتروبولوجي الجذر، الذي تطعم كجميع الموكنات الأنتروبولوجية الجذر في العالم، بعناصر إثنية مختلفة: أفارقة جنوب الصحراء والوندال والرومان والعرب والإيبيريون، واحتفظ رغم ذلك بخصائصه الأنتروبولوجية المميزة). مطالب استعادة الحق الهوياتي المسلوب لا تنبني على طروحات "عرقية" ولا تدعي تفوق "العرق الأمازيغي" على غيره، كما كان يفعل البعثيون العروبيون والنازيون في أدبياتهم، بل تدعو إلى تصحيح الفكر بخصوص هوية إنسية شمال إفريقيا بناء على معطيات البحث الأنتروبولوجي واللساني والتاريخي في حضارة شمال إفريقيا.
ثانياــ لقد جاء الفكر الأمازيغي لا لينقض مبادئ المواطنة بل ليحققها على أرض الواقع. فالدولة "الوطنية" التي بناها حزب الإستقلال بالمغرب مثلا، لم تكن دولة مواطنة بل دولة أُريد لها أن تكون "عربية" وجزءا من هذه الجغرافية الوهمية التي تسمى ب"العالم العربي". فقد قتل حزب الإستقلال بواسطة البوليس السياسي المغربي كل من سولت له نفسه أن يناقض أيديولوجيته العروبية البغيضة، وفرض أوليغارشية سياسية تحكمت في كل أشكال الإنتاج الرمزي في المغرب بل وضعت الحدود الفكرية التي لا ينبغي تجاوزها حتى بالنسبة للأحزاب التي تفرعت عنه، مما حول المغرب الأمازيغي (دولة مراكش كما كانت تسمى قبل التزييف الهوياتي) إلى "دولة عربية" عضو في "الجامعة العربية". لقد جاء الفكر الأمازيغي لفضح هذا التهريب الهوياتي وليجعل الإنتماء للأرض (لا للجغرافيات الكاذبة) أساسا للمواطنة. فانتماء أوباما لأرض أمريكا هو المحدد الحاسم لكونه أمريكيا (بل الرئيس الفيدرالي لأمريكا) رغم أنه وافد إلى أرض أمريكا من القارة الإفريقية.
 
ثالثاــ من علامات سوء النية عند من يحاول نقد الحركة الأمازيغية على أساس فكرة "المواطنة" أنه يؤكد على المواطنة ولا يصرح بنتائج تأكيده: فعلى كل من يهرب إلى عموميات من قبيل "كلنا إنسان"، كلنا مسلمون"، "كلنا مواطنون" أن يصرح بنتائج هذا التعويم بالنسبة لقضية تفعيل ترسيم الأمازيغية، وتصحيح التاريخ، ورفع الحظر عن الأسماء الأمازيغية، واسترداد الموارد الغابوية والمائية والمعدنية لأصحابها. فرغم أن الولايات المتحدة دولة مواطنة بامتياز، فلها لغة رسمية معروفة، وتاريخ رسمي يدرس بالمدارس، وقانون للأسماء الشخصية، وخاضت حربا طويلة مع الجنوب لأسباب من بينها إعادة النظر في  شكل استغلال الموارد الطبيعية، حتى توصلت إلى حل سياسي يوازن بين المطالب الوحدوية على مستوى الحكم الفيدرالي ومطالب العدالة على مستوى الحكم المحلي بالولاية. لذلك فإن الإيمان بالمواطنة لا يتناقض مع مطالب استعادة الحق الهوياتي المسلوب بل لا يكمل إلا به.
رابعاــ إن دولة المواطنة الحقة ليست دولة مجردة لا يتحدد الانتماء لها إلا بدفع الضرائب كما يتوهم المهربون الهوياتيون. فدفع الضرائب ليس سوى الشكل الظاهري الخارجي للمواطنة، أما مضمونها الجوهري فهو مجموع القيم التي يعيش بها المواطنون. في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، يفتخر كثير من الأمريكيين  بِ (بل يصارعون سياسيا من أجل) الدفاع عن "قيم الأسرة" التقليدية المتجذرة في العمق الأمريكي، ويفتخرون ببساطة الأمريكي وروحه "النومادية"، وينفقون أموالا هائلة من أجل نشر اللغة الإنجليزية في العالم، ... هذه هي بعض أبعاد الروح التي تحيي المواطنة الأمريكية وتجعلها مواطنة ذات هوية محددة المعالم. فعندما يكون دفعي للضريبة مجرد واجب يمليه علي الخوف من السجن، وعندما تكون مطالبتي بالحقوق الاجتماعية والدستورية مجرد تدافع من أجل الخبز، إذذاك ستكون مواطنتي مجرد انتماء شكلي لا تضامن فيه و لاتلاحم. المواطنة ليست مجرد اشتراك في الوطن بل هي أيضا اشتراك في القيم المؤسسة لهذا الوطن، أي هويته.
خامساــ إن فكرة "المواطنة" ليست أيديولوجية جاهزة ناجزة موضوعة فوق المكتب تنتظر منا تطبيقها، بل هي سديم مختلط من الأفكار ينبغي أن نفحصه بعناية لنميز فيه بين الغث والسمين. فمعلوم أن أصل "الدولة العقلانية" يرجع تاريخيا إلى نظريات العقد الإجتماعي التي ترى أن مؤسسات الدولة مبنية على عقد عرفي يراعي مصالح جميع المواطنين، منه تشتق الدساتير والقوانين. لكن من المعلوم أيضا أنه لم تكن هناك نظرية واحدة للعقد الإجتماعي. فقد كان يؤمن جون لوك بأن العقد الإجتماعي هو صورة لمجتمع أصلي مثالي ينبغي استعادته، بينما يرى هوبز أن الحال الأصلي كان هو حال حرب للجميع ضد الجميع وأن غاية العقد الإجتماعي تجاوز هذا الحال. وكل تأويل من هذين التأويلين مبني على فهم لطبيعة الإنسان وعلاقته بالأغيار. نظرية لوك تفترض بأن الانسان طيب بطبعه ولا يحتاج سوى لتفعيل طيبوبته الأصلية، أما هوبز فيفترض أن الإنسان وحش لأخيه الإنسان لذلك ينبغي ردعه بالقوانين الزاجرة. نظرية لوك تفترض أن "التحفيز" هو أفضل طريقة لضبط سلوك الناس، ونظرية هوبز تفترض أن "الزجر" هو أفضل طريقة للحكم في شر الانسان. إذا أردت أن تحمي الشواطئ من الإتساخ، مثلا،  فستفضل سياسة "خوصصة" الشواطيء إذا كنت لوكيا، ولكنك ستفضل سياسة "فرض الغرامات" على من يساهم في اتساخ الشواطئ، إذا ما كنت تفكر بطريقة هوبز. 

 

خلاصة القول، إذن، أن المواطنة ليست هي الإنتماء إلى "نظرية المواطنة"، بل الإنتماء إلى أرض ملموسة، وتاريخ ملموس، وإنسان ملموس يعيش بقيم مواطنة حقيقية لا علاقة لها بالتهريب الهوياتي للبعثيين القدامى والجدد.
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس