حيْفُ الصورة

عبدالله زارو

بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لرحيل الفريد لونّاس معتوب

هو الذي ندّد بكل مظاهر الحيف في مجتمعه ، كان ضحية حيف كبير ندرك اليوم أهميته في عصر الصورة بامتياز ، إنه حيفُ الصورة..
ندد بالحيف على نحو ممنهج حتى أن الإسلاميين الهذائيين أهدروا دمه،في محاكمة بالأدغال بحضوره، لأنهم صادروا على أنه كان يقصد القرآن في ألبومه الموسوم "تاكتابتْ لحيفْ"، أو كتاب الحيف..

فقد كان ضحية حيف مطلق ، حيف من قِبل ذوي القربى، و من قِبل الأوصياء على صياغة تعريف أُحادي لهوية الجزائر و الشمال الإفريقي..
و تبيّن اليوم ، يوم "عصر الصورة" بامتياز أنه كان ضحية حيف الصورة السمعية البصرية التي غيّبته عنه الدولة الجزائرية بإصرار و ترصّد..
فالرجل كان ممنوعا من الظهور في كل القنوات الجزائرية قيد حياته ، وهاهو بعد رحيله يتعرّض للمنع نفسه في هكذا قنوات كما لو أنه يُخيف حيا و ميّتا، وكما لو أنه بعد انبعاثاته المتعددة ، يخشى أعداءه الكثر انبعاثه مجددا من لحده..
لونّاس يُرعب الإيديولوجية الفاشية للدولة الجزائرية إلى الحد الذي تتهيّب قنواتها التلفزية الرسمية حتى من ذكر اسمه ، ناهيك عن بثّ صور عن مساره الحياتي و الغنائي..
لقد كان "لونّاس" ، بشهادة كبار مطربي الفن الشعبي الجزائري ذي الإستيحاءات الغرناطية و الأندلسية المعروفة بدقتها وصعوبتها، عازفا كبيرا و مُجدِّدا في هذا اللون الغنائي العصي على الإتقان والذي أخرجه من شرنقة العشقيات و الأمداح النبوية إلى الفضاء الفسيح للإحتجاج الإجتماعي..ولم يشفع له ذلك في الظهور و لو لمرة في التلفزة الجزائرية، بل لم تُكلّف نفسها بكل قنواتها لتصوير ، ولو أغنية واحدة، لتبقى شاهدة على جزائريته و نبوغه الفني في الريبيرتوار الغنائي التلفزي، أو على الأقل مروره في ظلال "سليمان عزام" و "الشيخ الحسناوي" و "العنقيس" و "حسيسن"و "عمر الزاهي"..
هذا في الوقت الذي تُسخِّر فيه التلفزة الجزائرية كل إمكانياتها التقنية الهائلة في التسجيل و التصوير لتخليد أغان من صنف الشعبي الذي يكاد يرقى إلى مرتبة القداسة في الجزائر ، منذ الشيخ العنقا، تُسخِّر فيه كل إمكانياتها لمطربين من الدرجة العاشرة وما تحت.. مطربون أصروا على دفن الطبوع الغرناطية الراقية في أغراض تافهة و مكرورة تتغنى بالحبيب و المدام ولوعة الفراق و الولع بالنبي العدنان و الطمع في حياة الجنان..
"هاشمي كروابي" ، وهو من هو في المشهد الغنائي الجزائري، ثاني أعمدة الطرب الشعبي في الجزائر بعد الكبير "العنقا" ، قالها بصراحة متجردة، بعد أن أحيي حفلا مع "لوناس معتوب" في قاعة "ابن خلدون" الشهيرة بالعاصمة، وهي شهادة يُعتدُّ بها صادرة عن فنان يغني بالعربية الجزائرية ، قال : لو قرر "معتوب" الغناء بالعربية بجانب القبايلية فسنحزم حقائبنا لاشك ، و سنترك له المجال يفعل فيه ما يريد..
و قد رأى فيه ثلة من الفنانين بالدارجة الجزائرية و القبايلية حالة غنائية فريدة خصوصا من حيث ميزته الصوتية و القدرة العجيبة على ارتجال كل طبوع الشعبي المعروف بتعقده..و يكفي أن أحدهم قال بهذا الخصوص: صوتُ معتوب عبارة عن "ملتقى روافد" كل الأصوات المميّزة التي توالت على الأداء في الريبيتوار الغنائي الشعبي الثرّ منذ العنقا و الشيخ الناطور و دحمان الحرّاشي إلى شرشام و قبّي و كمال مسعودي..
و من مصادر موثوقة ، تأكد للصحافة المختصة في هذا الباب أن جهات عليا حاولت استمالة الرجل بملايين الدينارات الجزائرية كي يؤدي أمهات أغاني الطرب الشعبي بالعربية الجزائرية، وهو ما رفضه الفقيد قيد حياته طالما ثمة إقصاء للقبايلية في وسائل الإعلام الرسمية وللأمازيغية في مؤسسات الدولة التي مات في سبيل استقلالها أكثر من 750000 قبايلي وشاوي...
و ها نحن اليوم، و بسبب إصرار الفقيد على انصاف التعدد الثقافي و اللغوي في الجزائر، نعاني من عوز في الموروث السمعي/ البصري الذي تركه الفقيد..
فقد شبعنا حتى الثمالة من موروثه الصوتي من خلال الأشرطة و الأقراص المُدمجة ، لكننا نفتقد بالمطلق موروثا مصورا عن إنجازاته الغنائية..
أكثر من ذلك، فحتى مشاهد تشييعه إلى مثواه الأخير غابت عنها القنوات التلفزية الرسمية ذات الإحترافية التقنية، و تركت المجال لهواة التصوير بالمحمول و أجهزة التصوير الخاصة والكاميرات الهاوية التي كانت بعيدة عن إرضاء انتظاراتنا في هذا المجال خصوصا و أن الأمر يتعلق بفنان إستثنائي في تاريخ الجزائر ..
فنان وقف صامدا في وجه ما كان يسميه "الغيلان" بوجهيه الرهيبين و البشعين في وقت كان أشجعهم يلوذ باللصمت أو يحزم حقائبه طلبا للجوء آمن في الغرب..و الغيلان بوجهيه، بالنسبة للفقيد، لم يكُنْ يحتمل إلاّ معنى واحدا: سلطة العساكر والفاشية الخضراء للإسلاميين المتنطّعين فضلا عن لا زمتيْهما الذميمة : بربرالخدمة..
فإذا استثنينا الحوارات التلفزية الرائقة جدا بجودة صورها و صوتها التي أجراها الفقيد مع قنوات تلفزية غربية قبيل اغتياله ، فإننا لا نتوفر اليوم على مشاهد تصويرية جيدة تؤرخ لأغانيه و سهراته في مختلف مدن الجزائر و بقاعات الأولمبياد والزينيت و الموتياليتي و بكندا و أمريكا ، لا لشيء إلاَّ لأن التلفزات ذات الإحترافية في هذا الباب ، وفي صدارتها التلفزة الجزائرية، كانت تقاطع حفلات معتوب الغنائية نكاية بمواقفه الواضحة من الفاشية الرسمية وو جهها الآخر ودودتهما الزائدة..
ولم يكن الرجل من الصنف القابل للشراء وهو القائل : يعرفونني جيدا ، فقد كنتُ ضحية للعسكر الذي حاول قتلي بخمس رصاصات من رشاش الكلاشنيكوف في أكتوبر 1988 حتى قبل أن يظهر الإسلاميون على السطح الذي علفتهم الدولة بدعم من "الإخوان المسلمين" في مصر،ومن نسلهم خرج المدعو "بلحاج" و "مدني"، كما عانيتُ الأمرّين من اختطافي لمدة خمسة عشر يوما من قِبل الجماعة الإسلامية المسلّحة التي حكمت في محكمتها الإسلامية بضرب عنقي لولا الضعط الجماهيري العارم الذي فرض على الإرهابيين إطلاق سراحي..
لقد كان معتوب فنانا و مقاوما للفاشية بكل أنواعها، وفوق ذلك كان يتمتع بكاريزما نادرة تشهد عليها حواراته التلفزية التي كان يُمرّر من خلالها مواقفه الواضحة في لغة موجزة ومركّزة وو اثقة، بل و نبوئيّة ، و كم هي طافحة أيضا بالصور و ممهورة ببهارات السخرية الذكية المثقلة برصد المفارقات و مكامن البؤس البشري دون مراعاة ولا محاباة ولا مجاملات و لا مخاتلات، إذْ لا هوادة في لغة "معتوب"..
شخصيا ، أنا على يقين بأنه لو لم يكن "معتوب" ضحية هذا الظلم الكبير، ظلم الصورة ذات الجودة، التي تُقدِّم منجزه الفني و الغنائي، لكان إشعاعه العالمي أقوى و أكبر مما هو عليه اليوم بعد ما يقرب من عقدين على رحيله..فخصومه الرسميون تفطّنوا لهذا الإمتياز فحرموه منه عن قصد، بينما أصدقائه لم يتنبّهوا لأفضاله على ذكراه و أزليّته ليتداركوا النقص الكبير في هذا المجال من خلال التوثيق الجيد بالصوت و الصور لمنجزه النوعي الذي لايتكرردائما في التاريخ..
لكن ، وكما قال في ألبومه الشهير"سخريات القدر" الذي سجّله ، وهو طريح مستشفة "بوجون " بباريس بعد إصابته برصاص العسكر الجزائري، وهو لا زال يتكئ على عكّازين : "مازال صُّوتيوْ أرِ إتبا عزاقْ خاسْ رزان إغلنيوْ".. مازال صوتي مدويا، مزلزلا حتى بعد أن كسرتم بالرصاص، ياجبناء، عظم فخذي..
فكلُّ هذا التعاطف الجماهيري العالمي الكبير مع قضية الرجل يعود إلى قوة صوته وسداد كلامه ومسار حياته المتطابق مع قناعاته المعلنة وجسارة مواقفه التي شهدها بها القاصي و الداني..و كانت الصورة سترفع موروث الفنان الفريد إلى مرتبة المثل الأعلى العالمي العابر للأزمنة و الأمكنة لو لم يتنبّه عدوه الجبان و المتربّص إلى قوة هذا السلاح الجبار ، فحرمه منه منذ اليوم الأول..
و يوما بعد يوم، حتى بعد رحيل "معتوب" لا زال الخصم يمنع ظهور "معتوب" من خلال مشاهد مصوّرة له هنا وهناك في وسائلة السمعية البصرية مخافة كشفها عن الكذبة الكبرى التي روّجها حوله ونسج خيوطها بخبث في أوساط قطاع و اسع من مواطني بلده.
أما نحن، فسنظل نستمتع و نستفيد، بل ونستلهم من موروثه الصوتي الرائق و مما تيسر من المشاهد التصويرية التي جادت بها الصدف الرحيمة في غفلة من عيون العسس المتربّصين والموسوسين.

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس