العنف إلى أين؟

 

 
 
فكري الأزراق
مرة أخرى يعود سؤال العنف والعنف المضاد ليهيمن على ساحة التدافع الفكري والسياسي بعد مقتل طالب جامعي في ساحة معركة العنف (ما دام قُتل في المواجهة في فاس، وليس في الجامعة التي يدرس بها بأمكناس حسب مصادر إعلامية)، لتعيد بذلك الذاكرة الطلابية إلى الوراء، وخاصة إلى المواجهات التي يكون فيها فصيل "البرنامج المرحلي" طرفا، ما دام هو الفصيل الذي تشير إليه أصابع الاتهام في مقتل الحسناوي، وفي اعتداءات أخرى ضد مكونات طلابية لا توافقه الخط الإيديولوجي القائم على أساس المواجهة (مواجهة كل ما يمكن مواجهته من بنود الإصلاح الجامعي في أفق المواجهة الشاملة). 
يعود سؤال العنف، وتعود معه الأسئلة المؤرقة حول ميكانيزمات العنف وماهيته داخل وخارج الجامعة في صفوف الحركات السياسية والاجتماعية، وحجمه ومدى تأثيره...الخ. خاصة وأن العنف بشقيه المادي والرمزي أصبح قاعدة وليس استثناء في البنية الاجتماعية، من أعلى هرم السلطة إلى أصغر جمعية مدنية، فبالإضافة لعنف الدولة الذي يُمارس في كل مناحي الحياة من طرف أجهزة مخصصة لذات الغرض، هناك عنف موازي تمارسه مكونات أخرى وتعتبره ضرورة لا مندوحة عنها للتواجد في ساحة تدافع يختلط فيها الحابل بالنابل، والعنف فيها بنيويا، إن لم يكن ماديا يتجسد رمزيا في خطابات التخوين والتخوين الكضاد، والتصعيد، والتهديد...الخ. إلى درجة يمكن معها القول بأن مقتل طالب جامعي مؤخرا مجرد تحصيل حاصل لمسار طويل بُني على أرضية هشة منذ البداية، بيد أن لغة التهم الجاهزة والتهديدات كانت لغة سائدة بين مختلف الفرقاء، داخل وخارج الجامعة، (الشوفينية، الرجعيين، الملحدين، الظلاميين، الإصلاحيين، البورجوازية الصغيرة المتحالفة مع النظام....الخ) فكل من اختلف مع الآخر سياسيا وإيديولوجيا تكون التهمة جاهزة، وحتى لغة البيانات تكون جاهزة لا ينقصها سوى التاريخ !
بدأت هذه اللعبة القذرة مع بداية التاريخ السياسي المعاصر الذي يمكن أن نؤرخ له منذ 1956. حينها كان حزب الاستقلال المتحالف مع القصر يتهم باقي الفرقاء بالعمالة للأجنبي، وعندما تم تأسيس الحركة الشعبية وانشقاق الاستقلال بظهور الاتحاد الاشتراكي صارت الاتهامات متبادلة بين كل الفرقاء، وهكذا صار العنف الرمزي أمرا بديهيا، بل ضروريا لممارسة السياسة بالنسبة لنخبة لم تؤمن قط بثقافة الاختلاف والتعدد.
نفس الشيء كان في الجامعة، عندما كانت حكرا على القاعديين كان انتقادهم أو مخالفتهم الرأي يعني "خيانة"، وعندما ظهرت فصائل فصائل أخرى اتسعت رقعة العنف الرمزي أيضا بظهور خطابات تخوينية موازية، وعندما ظهرت الحركة الثقافية الأمازيغية مقدمة نفسها كحركة تصحيحية قائمة على أسس التعدد والاختلاف (أول فصيل طلابي يدعوا إلى الاختلاف والتعدد من داخل الجامعة)، كانت مرة أخرى تهم الشوفينية والعمالة للنظام والصليبين والنصارى جاهزة أيضا.
هكذا صار الوضع حتى داخل الجمعيات والنوادي والحركات المدنية، بل حتى في أوساط الأشخاص الذاتيين. كل من خالف الآخر الرأي تكون التهمة جاهزة. كل من أراد أن يُفكر بطريقة حرة غير مؤطرة في مربع ضيق صاغه هذا الطرف أو ذاك يكون خائن ومتآمر مع العدو...الخ، وقد تطور الأمر إلى حسم الخلاف مع الآخر بتهمة العمالة إما للمخزن، أو للعدو الأجنبي كما يسمونه....الخ، ليأخذ بذلك العنف الرمزي أبعادا متعددة، وغالبا ما يتحول إلى عنف مادي يحصد الكثير من الضحايا.
لقد صارت تهمة العمالة "موضة" الألفية في صفوف من لم يتخلصوا بعد من رواسب هذه الصيرورة رغم ادعائهم القطيعة معها، وأصبحنا نلاحظ في صفوف الحركيات الاحتجاجية تهم التخوين والتخوين المضاد أكثر من العمل والمبادرة الحرة، بل وصل الأمر بالبعض إلى حد الدفع في اتجاه تجريد الإنسان من إنسانيته ومن كل حقوقه. الحصول على شغل(في القطاع العام أو الخاص، فالأمر سيان)، يقولون بأن الأجهزة وراءه. من قفز في المجهول بواسطة الكتابة قالوا بأن المخزن وراءه. من سافر خارج الحدود، قالوا بأن النظام والعدو الأجنبي وراءه. من تزوج قالوا بأن النظام تكلف بزيجته...الخ. وإنه في النهاية مسار طويل لحالة مرضية متسمة بعنف رمزي يُمارس بطرق مختلفة ويُحسم في أحايين كثيرة بالسيوف والسواطير.
في خضم هذا النقاش، نسمع مرة أخرى أصواتا تنادي إلى ضرورة وضع حد للعنف في شقه المادي، دون النظر في الشق المعنوي، أي أسباب العنف المادي والتي تتلخص في مجملها في تراكمات العنف الرمزي، وهو ما سيؤدي إلى إعادة إنتاج نفس النتائج الكارثية إن لم يتم وضع حد لتراكم أسباب ومسببات العنف المادي، فهل نستطيع جميعا أن نضع حدا للتراكمات السلبية التي تراكمت منذ الفترة المشار إليها لنبصم على مرحلة تاريخية جديدة ستكون بمثابة نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة؟
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس