هل رئيس الحكومة هو ضحية السلطوية أم خادمها؟

    رشيد الحاحي

 

حتى نكون منصفين لحركية التاريخ  وللحظة الراهنة ولصوت التغيير الذي ترمز إليه حركة 20 فبراير، ولحجم الآمال التي طفت  وعلقت على الفعل والفاعل السياسي خلال السنوات الأخيرة، وهذا هو معلم التقييم ومرجع أفق الانتظار الذي يجب أن نستحضره باستمرار عند كل حديث عن الظرف والوضع السياسي الراهن وعن الدولة والحكومة الحالية وأداء مختلف الأحزاب والإطارات، فكل تقييم أو تحليل للممارسة السياسية  ولأداء الدولة والحكومة، وللكائن والممكن السياسي، يجب أن يستحضر اختلاف السياق وحجم الرهان والرضاء أو الإحباط الذي سيترتب عنه.

فانطلاقا من الرصيد الخطابي والأخلاقي الذي راكمه حزب العدالة والتنمية  خلال سنوات المعارضة، والعدد الهام من الأطر والمواطنين والمواطنات الذين استقطبهم أو أثار تعاطفهم خاصة بعد اليأس من التجارب الحكومية السابقة وتراجع أو بالأحرى انهيار حزب الاتحاد الاشتراكي وقدراته التنظيمية والإستقطابية ومده الجماهيري بعد مشاركته في الحكومات المتعاقبة مند 1998، وباستحضار عذرية البيجيدي السياسية والتدبيرية وكون أطره ومناضليه حديثي العهد بالممارسات والمسؤوليات التدبيرية التي تعج بالفساد والريع، يمكن القول بأنه كان من المفروض أن تضطلع حكومة عبد الإله بنكيران بمهام التغيير والإصلاح الفعلي في المرحلة والسياق الراهن الذي تولت فيها المسؤولية التنفيذية في المغرب، وعلى أساس قدر وخصوصية الظرف وحجم الرهان ينبغي أن تكون المحاسبة ويتم التقييم.

فعندما يتتبع المرء مجريات الحياة السياسية في شمال إفريقيا والمنطقة المغاربية والمغرب بشكل خاص في سياق انتفاضات الشعوب وأحلامها وتوقها إلى الديمقراطية وترسيخ حقوق الإنسان  وإقرار العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والاستبداد، خاصة بعد تبخر الأحلام وذبول جل زهور الربيع الموعود، وتبين حقيقة بعض الحركات والجماعات والقوى التي استغلت ألام الشعوب وانتكاسات الماضي في محاولة لسرقة اللحظة التاريخية والاستحواذ على الحاضر والمستقبل، لا يسع المرء إلا أن يتأسف عن الحظ التعس لهذه الشعوب في هذه المرحلة الهامة وضياعها لفرصة كبيرة وموعد استثنائي  مع الممكن الديمقراطي والتغيير السياسي الفعلي.

وفي المغرب، فبعد مرحلة التدافع  وكل التشنجات والتطاحنات الخطابية والأفعال وردود الأفعال التي ميزت السنتين المنصرمتين، وما صاحبهما من مقولات وقواميس وألفاظ مختلفة، يجدر التساؤل عن حقيقة الوضع والقرار السياسي وما يجري في البلاد اليوم، وهل اتضحت الأمور فعلا، وهل تحلى رئيس الحكومة وفريقه بالشجاعة السياسية وكفاءة الإبداع في التدبير وإيجاد الحلول للمعضلات المطروحة، والاضطلاع بصلاحياته ومهامه كاملة، أم أنه عاجز ففضل التنازل والانبطاح وخدمة  السلطوية وتكريس الأمر الواقع ؟

فالسيد بنكيران ليس ضحية الحكم المطلق، كما قيل  مؤخرا، بل أن رئيس الحكومة  الذي وصل إلى السلطة في سياق انتفاضات الشعوب وتوقها إلى الديمقراطية وإمكانيات الفعل السياسي والدستوري، رغم محدوديته في هذه المرحلة  والفرصة الضائعتين، وكما اتضح من الأداء والممارسة الحكومية وتدبير العديد من القضايا والملفات، لم يكن في مستوى إمكانيات إحداث التغيير الممكن ففضل ببراغماتية حزبية وجماعية ضيقة، سواء خلال نضالات حركة 20 فبراير والنقاش الدستوري الذي فرضته، أو خلال الممارسة السياسية لمهامه الحكومية، تكريس السلطوية على الجرأة في الانتصار للتغيير الفعلي وانتظارات الشعب والقوى الديمقراطية. وإلا لما لا يقدم رئيس الحكومة انطلاقا من شرعيته الانتخابية  وصلاحياته الدستورية التي يتباهى بها، والتي يبدو أنه ضحى بها، على فرض برنامجه وتحقيق وعوده الانتخابية بما في ذالك رفع نسبة النمو والحد الأدنى للأجور ووثيرة التشغيل وتخفيض العجز واحترام حريات التظاهر السلمي ومواجهة الفساد وتخليق الحياة العامة وإقرار إصلاحات فعلية تعكس عبقرية حكومته على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي؟

فبعد أن كان هذا الوضع السياسي ملتبسا وعلاقات السلطة وموازين القوى يكتنفها بعض الغموض، صارت خلال الشهور الأخيرة واضحة للعيان بعد أن صرح رئيس الحكومة مرارا باستعداده للتضحية بشعبية حزبه  من أجل بقائه في السلطة خاصة بعد أن أبان عن عجزه في إيجاد الحلول السياسية والاقتصادية للمشاكل والانتظارات المطروحة، وبعد أن فضل لغة العنف والوصاية والتجاهل اتجاه المواطنين وقضاياهم،  والانبطاح  والخنوع اتجاه الدوائر العليا، كما يتجلى ذلك في:

  • بعد ما كان السيد عبد الإله بنكيران يتباهى خلال الأشهر الأولى بأنه أوقف الاحتجاجات وطرد المحتجين من شوارع المغرب بمجرد وصوله إلى رئاسة الحكومة، أكدت الأيام وأشكال التعاطي الحكومي مع هذه الإحتجاجات والمطالب أن اللغة الوحيدة التي تستطيع الحكومة تحدثها هي لغة القمع أمام العجز عن اعتماد لغة الحوار والتوافق والابتكار في إيجاد الحلول للمشاكل المطروحة، وذلك بالإصرار على قمع الاحتجاجات وعدم الاكتراث لمطالب وحقوق المحتجين دون احترام لدينامية التغيير التي يعرفها المجتمع في سياق نضالاته وانتظارته الديمقراطية والحقوقية والسياسية. وللاستدلال على هذا الوضع الذي ينذر بالاحتقان السياسي والاجتماعي يكفي التمعن في إصرار الحكومة على قمع احتجاجات الأساتذة الموجزين والحاصلين على الشواهد المطالبين بالترقية، ومنع وقمع احتجاجات مكونات الحركة الأمازيغية خاصة حركة "توادا" التي يقودها الشباب والوقفة الاحتجاجية السلمية التي دعت إليها تنسيقية المجتمع المدني بكل من جهتي سوس ماسة درعة واكلميم السمارة ومنظمة إزرفان أمام مقر صندوق الإنماء الدولي بالرباط  من أجل المطالبة بحماية حقوق السكان الأصليين ببلادنا في ملكية أراضيهم وحقهم في الاستفادة من ثرواتهم الطبيعية والمعدنية، وذلك بعدا ما ووجهت مراسلاتهم ووقفاتهم السابقة بالتجاهل واستمرار الاستبداد التشريعي والحكومي.  وأخيرا وليس آخرا منع نادي القضاة من التظاهر والتعبير عن  مطالبهم المهنية بما في ذلك استقلالية السلطة القضائية، ورفضهم للسياسة الحكومية في مجال العدالة.

  • على المستوى السياسي والاجتماعي، فالسيد رئيس الحكومة لم يعد يخف تسلطه وانفراده بالقرار والإجراء، فهو مستمر في الإقصاء العنيد  للنقابات وأحزاب المعارضة ومكونات المجتمع المدني من أي نقاش أو تناول جدي للملفات والقضايا المطروحة، مما يعكس محاولة للاستفراد الحزبي الضيق بالتدبير السياسي للدولة في مرحلة الانتقال والتأسيس، ومما يهدد بتوفير الشروط الموضوعية للالتفاف حول مسارات التغيير وتحقيق الانتقال المنشود  وبعودة السلطوية إلى المشهد السياسي مما سيعيق أي تطور فعلي، كما يتجلى ذلك في الاحتقان الذي تعرفه الملفات الاجتماعية  ومشاريع إصلاح الصناديق والأنظمة الاجتماعية كصندوق التقاعد وصندوق المقاصة والضمان الاجتماعي...

وبعد زوبعة اللوائح، فلا يبدو أن الحكومة تمتلك أدنى مشروع أو مقاربة للحد من اقتصاد وممارسة الريع التي ازدادت، كما أن التصنيف المخجل للمغرب في قائمة وتقرير مؤشرات حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود  الأخير يؤكد تردي الوضع الحقوقي مقارنة بحجم الانتظارات ووعود حزب العدالة والتنمية والممكن السياسي والحقوقي المأمول.

- الإصرار شبه الانتقامي لرئيس الحكومة على خنق القدرة الشرائية للمواطنين والمواطنات، خاصة من الطبقة الوسطى والفقيرة عبر الزيادة غير المسبوقة في أسعار البنزين والكزوال والمواد الغدائية والكهرباء والماء الصالح للشرب، والبقية تأتي...وذلك بلجوئه المفضوح إلى جيوب المواطنين والمواطنات ورواتبهم الشهرية وقدرتهم الشرائية بعد العجز عن   إيجاد حلول بنيوية وفعلية كاعتماد مقاربة جبائية جديدة، واعتماد الضريبة على الثروة، ومواجهة التهرب الضريبي وتهريب الثروة الوطنية،  وابتكار الحلول الاقتصادية الناجعة بدل التصرف بعقلية "مول الشكارة" وإنهاك القدرة الشرائية للمواطنين برفع دعم الدولة عن كل ما تبقى من المواد والمحروقات وبقية  المواد الاستهلاكية، وبأساليب ملتوية وتصريحات بهلوانية.

إذا أنضاف إلى كل هذه الإخفاقات مواضيع التبذير والفساد التي أثيرت مؤخرا، وانطلاقا من هذا الوضع المتردي الذي يندر بالمزيد من الاحتقان الاجتماعي والسياسي، يطرح السؤال الموضوعي والكبير: ألم يكن من الممكن السياسي أن ترتقي حكومة العدالة والتنمية بالحياة السياسية والقرار والممارسة الديمقراطية وأن تجتهد في إيجاد الحلول المناسبة للملفات والقضايا السياسية والثقافية والسوسيو اقتصادية المطروحة، لو امتلكت الكفاءة اللازمة والقدرة على التدبير؟ وهل فعلا رئيس الحكومة وحزب العدالة والتنمية هما ضحية عوامل وشروط أخرى أم هما  ضحية سلطويتهما وانبطاحهما وعجزهما السياسي والاقتصادي؟

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس