"سدو أودنيكوم، أو حنا نسدو عينينا "

أثارتني كما أزعجتني كثيرا تلك النصيحة الغريبة التي قدمها رئيس حكومة المغرب لأعضاء فريقه خلال المجلس الحكومي الأول للنسخة بنكيران2. فقد قدم السيد عبد الإله بنكيران خلال المجلس الحكومي الأول لحكومته الجديدة نصيحة فريدة من نوعها للوزراء أعضاء فريقه، ومهما حاولت غظ الطرف عنها في خضم خطاب الشعبوية والمناخ السياسي الرديء الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، أجدني مضطرا للوقوف عند تلك النصيحة التي تحمل مضمونا سياسيا كبيرا لا يجب أن تمر دون استجلاء دلالاتها وأبعادها خاصة في الوضع الشائك الذي تمر به الحياة السياسية وأخلاق الممارسة الديمقراطية في هذه البلاد.

فالنصيحة السياسية التي قدمها السيد رئيس الحكومة لفريقه الوزاري تبدو أنها عصارة مشروع تدبيري فريد من نوعه، كما أنها تعبر عن سابقة في الخطاب السياسي والحكامة الحكومية في العالم. فقد مد السيد رئيس الحكومة فريقه الوزاري خلال أول مجلس حكومي بعد الولادة العسيرة لحكومته الثانية بنصيحته الكبيرة " سدو أودنيكم أو خدمو"، التي لا شك تشكل مفتاح برنامج عمله التنفيذي ومقاربته السياسية الجديدة وعصارة تجربته خلال رئاسة الحكومة الأولى التي حسب السيد بنكيران لم تفشل ولم تتأزم، بل يتعلق الأمر بمجرد عملية روتينية فرضها السلوك المفاجئ للعفريت شباط.

لا نود الدخول في النقاش المبتذل لمبارزة بنكيران وشباط وصراعاتهم الداخلية والخارجية، المعلنة والخفية، لكن ما يطرح على المتتبع السياسي والحقوقي والثقافي أسئلة حرجة وقلقة حول أوضاع البلاد وتطورات الحياة الديمقراطية وتحقيق الانتقال التاريخي المجهض هو إقدام السيد رئيس الحكومة وفي اجتماع للمجلس الحكومي على تقديم نصيحته الغريبة للوزراء وهي"سدوا أودنيكم وخدمو"! فإذا حاولنا تحليل دلالات وخلفيات وأبعاد هذا الملفوظ الحكومي والسياسي سنستخلص بعض النتائج التي يمكن أن تضعنا على بينة من الوضع السياسي العام والأداء الحكومي في المرحلة الراهنة.

"سدو ودنيكم": أي لا تنصتوا. لمن إذن؟ لنا جميعا، للمواطنين والمواطنات الذين يتابعون الأداء الحكومي ونجاحه الكبير في سياسة الرفع من الأسعار وهم متذمرون بشكل كبير وأيديهم على جيوبهم وقلوبهم، وجلهم يتابعون كيف تحولت أحلامهم وانتظاراتهم في الديمقراطية الفعلية ومحاربة الريع والفساد، وفي الرفع من مستوى العيش وفرص الشغل والأجور... إلى أوهام وإحباطات وملاحقة السراب.

لا تنصتوا للناخبين الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية أو لبقية الأحزاب التي تشاركه الائتلاف الحكومي، والمفروض أن هذا التصويت تم على أساس تعاقد انتخابي أساسه البرنامج الذي تقدم به الحزب والوعود التي ذكرناها والتي ما لبت يستمل بها أصوات المواطنين وتنكر لها بعد وصوله إلى السلطة وتدبير الشأن الحكومي.

ولا تنصتوا للصحافيين المزعجين الذين لم يقبلوا بترديد وإعادة صياغة عبارة "كولو العام زين" أمام إخفاقات حكومة بنكيران، والذين يغضون الطرف عن الفتوحات "المشرقة" لحكومته ويبحثوا فقط في انجازاته غير المسبوقة في خنق دستور 2011 والرجوع بالنقاش والحياة السياسية عقودا إلى الوراء والزيادة في الأسعار وتأزيم الوضع الاجتماعي .

لا تنصتوا للمعارضة السياسية الضعيفة التي تحاول أن تؤدي دورها السياسي في اللعبة الملتبسة، ولعلها استطاعت ذالك. ولا تنصتوا للمثقفين والفنانين الذين يتابعون بتخوف وازدراء ملحوظ تطورات الوضع في البلاد، ولجيوش الأطر المعطلة التي تسكن شوارع البلاد مطالبة بحقها المشروع في لقمة العيش الكريم.

"أو خدمو": أي قدمو ا الخدمة، لمن إذن؟ فمن لا ينصت لا يمكن أن يقدم الخدمة العمومية ولا أن يتعرف أخطائه ونواقص أدائه ولا انتظارات المواطنين ولا انتقادات معارضيه. فالخدمة إذن لن تكون سوى في الاتجاه المعاكس، أي خدمة السلطة وجهاز المخزن وذالك لضمان حلم حزب العدالة والتنمية، أي حلم المجموعة التي تتجه به نحو المجهول في غفلة من مناضليه ومناضلاته المغبونين، أي حلمهم في ضمان مقاعدهم وامتيازاتهم الجديدة والمغرية.

في بلاد تحترم نفسها وحكومة تحترم مواطنيها والتزاماتها السياسية والدستورية، من بديهيات الحياة الديمقراطية وأخلاق المسؤولية والتعاقدات السياسية أن يحرص المسؤول والوزير على فتح أذنيه وعينيه وإيقاظ كل حواسه خلال توليه لمهام التدبير وللمسؤولية العمومية. وتفوه رئيس الحكومة بعبارة من قبيل "سدو أودنيكم" هو خطأ كبير فيه احتقار واضح للمواطنين وبقية السلط والفاعلين بما فيهم البرلمان والصحافة والمثقفين وعموم المواطنين، وهي تقتضي على الأقل الاعتذار عن ما تحمله من إساءة.

لكن في غياب هذا الحس، وفي سياق فوضى الشعبوية والرداءة التي يتخبط فيها الخطاب والممارسة السياسية في البلاد، لا يسعنا إلا أن نقول لدولة وحكومة ووزراء ومسؤولين إداريين يغلقون أدانهم عملا بالنصيحة العجيبة لرئيسهم: "سدوا أدنيكم أو حنا نسدو عنينا"، ولننتظر جميعا الهاوية!

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

новинки кинематографа
Машинная вышивка, программа для вышивания, Разработка макета в вышивальной программе, Авторский дизайн