العمل الأمازيغي بين هم الأسئلة المطروحة ورهان البدائل الممكنة (الجزء الثاني

 
-وكيم الزياني
سبق وتوقفنا في الجزء الأول من هذه المقالة عند مجموعة من الأسئلة تطرح على الفاعل الأمازيغي في ممارساته النضالية والتي هي في الآن أجوبة لعناوين تشكل تحديات كبرى أصبحت تواجه الحركة الأمازيغية بشكل عام، وتحد من فعالية العمل الأمازيفي الهادف والمسؤول في غياب مقاربات ومخارج واضحة لها، وإستمرارا في رصد  هم الأسئلة المطروحة عند العمل الأمازيغي اليوم سنتوقف في الجزء الثاني من هذا الحديث إلى الآتي:
 
*سؤال البناء التنظيمي
 
يعتبر هذا السؤال من أهم الأسئلة الذي أخذ من تفكير الحركة الأمازيغية في المغرب إلى حد التعب، ومع ذلك لم يقدم له الفاعلين الأمازيغيين إجابة واضحة المعالم بشكل فعال دون الوحدات الأخرى ضمن خطابها وممارستها، أخذين بعين الإعتبار مثلا وضع الحركة الأمازيغية في البلدان الأخرى كالجزائر التي شهدت نجاحات أو لنقل قطعت أشواطا مهمة في إرساء قواعد البناء التنظيمي والإيديولوجي منذ عشرات السنين. وذلك عكس المسار الذي اتخذته الحركة الأمازيغية في المغرب التي غالبا ما كان يطغى عليها في تناولها لهذا السؤال الطابع الفوقي إن لم أقل "النخبوي" وأحيانا "الإنتهازي" في تأسيس لعمل أمازيغي مشترك تحدوه الرغبة في العمل والإصرار على إرساء ركائز العمل الجماعي الأمازيغي البناء والمسؤول. 
وغياب إجابة شافية مقنعة وواضحة عن هذا السؤال "السيزيفي" المتعب عند الحركة الأمازيغية تولدت عنه مجموعة من الحالات لا يمكن أن نصفها إلا ب "الشاذة" في الممارسة الأمازيغية، وبعيدة كل البعد عن الخطاب الأمازيغي والفهم المقدم للقضية في شموليتها، مما يستلزم ويتدارك اليوم الجدوى من التنظيم ودوره الرئيسي في التأطير والتوجيه وضبط الفاعلين، والذي في غيابه يتولد ضمنيا التشتت في العمل وغياب الإنسجام في المواقف (لدرجة تضاربها في بعض الأحيان) وبروز حالات الصراع بدل الإختلاف والتسيب في المنطلقات والفهم دون إعتماد ركائز العمل ومبادئه الكبرى، ومن ثم ضياع المجهودات دون الوصول إلى تحقيق أبسط الأهداف الممكنة، وفي هذا يمكن أن نقول، بأنه مهما كان العمل ومهما قدم من تضحيات لا أعتقد أنها ستعطي أكلها ومبتغاها في غياب عمل منظم هادف وفعال وفق إستراتيجية وأليات واضحة المعالم. 
وأعتقد أن المانع الأساسي في عدم الوصول لجواب شافي عن هذا السؤال لا يتعلق أبدا باختلاف التصورات السياسية التي تزخر بها الحركة الأمازيغية بقدر ما يتعلق بالإختلاف على مستوى الفهم والتقييم والأجرأة وغياب ثقافة تدبير الإختلاف الإيجابي البناء لهذه التصورات التي تعتبر قوة الحركة الأمازيغية بتنوعها وليس العكس. وتحقيق هذا الهدف الإستراتيجي أعتقد بأنه لا بد منا العمل للقطع مع العقليات الهدامة القديمة-الجديدة التي أطرت وما زالت للأسف تأطر الممارسة السياسية الأمازيغية، العقلية التي غالبا ما تفكر بمنطق "الأنا الإمبريالي" أو "الأنا الإيديولوجيا الضيقة" التي تستحضر دائما في عملها الأنانية الزعماتية والنضالية وشخصنة المبادرات الأمازيغية من الإقتراح والتحكم والتوجيه، مما يكون مصيرها محكوم غالبا بالفشل، تنيجة غياب ثقافة الوعي الجمعي الجماعي المشترك ينصت ويأخذ بكل الأراء ويأطر بتعاقد تنظيمي مشترك ذات أرضية فكرية واضحة تحدوها التواقف والإنسجام التام.
 
*سؤال تطوير وتوسيع دائرة الخطاب
 
لكي يضحا الخطاب الأمازيغي قاعدة صلبة يصعب تجاوزه من طرف الخطابات السياسية الأخرى، أصبح لزاما عليه أن يخضع لتجديد نفسه بما يتماشى والتطورات والتحولات الحاصلة على مستوى الذاتي والموضوعي، من خلال وضع إستراتيجية جديدة تروم إلى إمتلاك خطابا قادرا على تقديم الأجوبة لكل القضايا والإشكالات الكبرى المطروحة على الساحة السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية... وداخل مبادئ الحداثة والعقلانية ودينامية التصور والخطاب. ومن جانب التحديات المفروضة على الخطاب الأمازيغي في الوقت الحالى، العمل على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الشرائح الاجتماعية، لكي يصير خطابا ذات مد شعبي واسع يتجاوز إختصاره على النخب والفئات الأنتيليجنسية وحاضرا في الأنشطة الثقافية والفكرية النضالية وفقط، معانقا بذلك لجل هموم الشعب الأمازيغي في مختلف معاركه النضالية وتغذيته من مختلف الروافد الديمقراطية الرافضة للإقصاء، ثم إمتلاك العلمية الرصينة في التخاطب أو المخاطبة والحوار إستعانا بكل الحقول المعرفية المجتمعية، ولكل عناصر مبدأ التحرر من الإستلاب بكل صنوفه.
 
*سؤال المشروع المجتمعي الممكن
 
لا يمكن أن نتحدث عن نجاح أي حركة مجتمعية تحررية ما في صناعة التحول والتغيير دون مصداقية مشروعها المجتمعي المنطلق من العمق الحضاري والتاريخي والثقافي والهوياتي والقيمي، ثم الأخذ بكل مشارب الفكر الإنساني لبناء مرجعيتها الفكرية والخطابية، والحركة الأمازيغية لا من الحركات التي اتخذت هذا المنحى في بناء مشروعها الفكري والسياسي الذي ينهل ويستقي أسسه من مختلف المرجعيات الفكرية الكونية الحديثة كالعقلانية والإختلاف والديمقراطية والحداثة وغيرها. ومن أجل تحقيق المشروع المجتمعي الأمازيغي الممكن والمتكامل منطلقا من الذات المجتمعية والهوية الأمازيغية الترابية كمحدد رئيسي لهوية الدولة والسلطة، لزاما على هذه الحركة أن تأخذ بالإشكالات التاريخية، الثقافية، الغلوية، الاجتماعية، الاقتصادية والتنموية التي تحتضنها هذه الهوية، ومن ثم تقديم لها حلولا في إطار مشروعها المجتمعي الذي تناضل من أجله وتسعى جاهدة لتحقيقه. وأمام هذا السياق، أصبح مفروضا على الحركة الأمازيغية أن تعمل وفق جدلية النظري والممارس لكسب رهان بلورة مشروعها المجتمعي باعتبارها حركة مجتمعية يأطرها مبدأ التحرر من كل صنوف الإستلاب والإستئصال، ومدافعة عن الكرامة والمواطنة والحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة كعناوين لكل رؤية شاملة وتصور واضح، ومن داخل هذا المشروع يمكن أن نتحدث عن التالي:
- على مستوى السياسي: العمل من أجل بناء الدولة الديمقراطية الحداثية مدخلها حقيقي إرساء قواعد الإنتقال الديمقراطي كما هو متعارف عليه عالميا.
- على مستوى الثقافي واللغوي: العمل على النهوض بموروثنا الثقافي بعيدا عن الفهم الثقافوي الفولكلوري الضيق الذي يحاول المخزن أن يسوقه من داخل أبواقه الإيديولوجيا عن الثقافة الأمازيغية الأصيلة. ثم العمل من أجل تحقيق اللغة الأمازيغية موقعها المتميز في مجال المنافسة اللغوية في التعليم والإعلام وكل مؤسسات الدولة، وعبر تشجيع الباحثين والمهتمين على الإنتاج الأدبي والفكري وفي مختلف المجالات الأكاديمية كلسانيات والأنتروبولوجيا وغيرها لتكوين قاعدة مهمة للقراء والباحثين المهتمين بالمجالات البحثية في الأمازيغية وهذا العمل يجب أن تأسس له جمعيات ومراكز البحث والدراسات والمعاهد تعنى بالبحث العلمي والتكوين والتأطير والإنتاج العلمي في مختلف المشارب الفكرية. 
- على مستوى التاريخي: العمل من أجل إعادة قراءة تاريخنا الوطني قراءة علمية وموضوعية من القديم والمتوسط والمعاصر وتصحيحه بعيدا عن القراءات الإيديولوجية الضيقة، وهذا العمل كذلك لا يمكن أن يسند الى غير المتخصصين في المجال، ومن ثم إدراجه في المنظومة التربوية بما يتماشى والمصالحة الحقيقية مع الذات والوطن والتاريخ وبدون أن يلحق هذا العمل إهمالا في رفوف الخزانات والمكتبات. 
- على مستوى الفكري: تكمن قوة المشروع المجتمعي الأمازيغي في مدى تثبيت معالم الفكر الأمازيغي وتحيين منظومة قيم ثيموزغا وأنظمتها القانونية والسياسية وهياكلها الإجتماعية والإقتصادية وتأهيلها بما تتماشى مع التحولات الوطنية والإقليمية والعالمية. 
- على مستوى الإجتماعي: العمل على انفتاح الحركة وتوسيع دائرة تحركها ونضالها بتبني قضايا المواطن لتشمل ما هو اجتماعي يومي معيشي وكل ما هو مرتبط بهموم الشعب اليومية، كالفقر والبطالة والتهميش والصحة وتدني مستوى العيش والغلاء وغياب البنيات التحتية ونزع الأراضي وغير ذلك من القضايا الحاطة بالعيش الكريم وكرامة الإنسان وكبح حقوقه الإجتماعية.
- على مستوى الاقتصادي: العمل والنضال من أجل الحق العادل في توزيع الثروة الوطنية بين المواطنين والجهات، من منطلق حقوق المواطنة الكاملة وبعيدا عن ثقافة الراعي والرعية، وسياسة المركز والهامش، المغرب النافع وغير النافع، من خلال تبني مقاربة تنموية شاملة موجهة للإنسان ومن أجله تأخذ بعين الإعتبار الخصوصيات الثقافية واللسنية والتاريخية للمناطق، كما يجب أن تسند إليها الحق الكامل في تسيير نفسها بنفسها في إطار النظام الفيدرالي للدولة.
 
2- العمل الأمازيغي ورهان البدائل الممكنة
 
أكيد، فنقاشنا هذا لا يهدف إلى تقديم أجوبة لكل ما يحاط به العمل الأمازيغي من أسئلة وإشكالات بل هناك ما لم نتطرق إليه في مقامنا هذا، مثل سؤال النخبة الأمازيغية والإلتزام السياسي، سؤال المثقف العضوي الأمازيغي، سؤال الإحتجاجي الأمازيغي وغير ذلك. إيماننا بكون هذه المقالة مساهمة منا في أرضية للتفكير الجماعي، الأمازيغي-الأمازيغي المشترك، من خلال هذه العوارض الكبرى التي أشرنا إليها والتي هي في حذ ذاتها أجوبة تلامس ما هو فكري وسياسي وتنظيمي للعمل الأمازيغي، ونعتقد في غياب تناولها بشكل موضوعي وبكل جرأة تولدت عنها مجموعة من العراقيل والتحديات وقفة كحاجز أمام الوصول إلى إنتاج عملا هادفا وفعالا جادا ومسؤولا في الآن.
ومن أجل تصحيح المسار وتفادي أخطاء الماضي وتثبيت قوة الحركة الأمازيغية وعملها وفرض نفسها كرقم صعب في معادلة "التدافع الفكري والسياسي" ومن داخل الساحة السياسية والثقافية يصعب مقارعتها وتجاوزها من قبل الخطابات الأخرى التي ما من مرة يتأكد فشلها في تقديم الإجابات الناجعة في شتى المجالات، وحتى تصير حركة فاعلة لا مفعول بها وذات صوت وصيت وازن ومسموع، وذات عمل فعال في تحقيق اهدافها، ضرورة منها اليوم أن تأخذ بهذه الشروط والعناصر في إشراف مستقبلها النضالي الوازن والمعقلن والتي سنسدرها في عوارض كبرى من خلال الآتي:
 
- ضرورة إحتكام فاعلي الحركة الأمازيغية للمبدأ التحرري العام في عملهم النضالي سواء فكريا أو سياسيا أو تنظيميا، - تقعيد الوعي الجمعي الديمقراطي المشترك من خلال فتح قنوات الحوار الأمازيغي الأمازيغي بخصوص مستقبل القضية الأمازبغية ومستقبل الحركة الفكري والسياسي والتنظيمي وتتويجه ذلك بتوصيات وتنسيقات وأرضيات عمل مشتركة،
- تحديد طبيعة العلاقة مع الآخر من السلطة والأحزاب وتيارات المجتمع المدني،
- تحديد منطق التحالفات والخيارات الإستراتيجية مع القوى الديمقراطية التي تتقاطع وبعض أهداف الحركة،
- تحديد هويتها كحركة مناضلة وفق استراتيجية تساير التطورات الوطنية والإقليمية والدولية من خلال تسطير أولويات الإشتغال على المدى القريب والبعيد ووفق تحقيق الممكن بدل المستحيل،
- تحديد كيفية التعامل مع بعض القضايا الراهنة ذات الحساسية على مستوى معالجتها وكذا التموقف من المستجدات السياسية الحالية وخلق قطيعة مع كل معالم الإستلاب وتكريس التحكم والإستبداد،
- خلق تنظيم يراعي تسارع التحولات والأحداث وتجاوز الأليات القديمة وحالة الصراع الذاتي والتشتت وتجسيد الإختلاف البناء،
- تقوية الحركة الإحتجاجية الأمازيغية على مستوى الشارع للمجابهة والممناعة عبر خلق تراكم كمي وكيفي ينطلق من الذات الأمازيغية المقهورة والمتضررة سياسيا وثقافيا واجتماعيا وهوياتيا لإسماع الصوت الأمازيغي والمشاركة في تأكيد مبادئها ومواقفها وإحتضان روح الحركة المجتمعية،
- ادراك طبيعة العمل المطلوب من الحركة في سياق تفاعلها مع تنظيمات امازيغن في مختلف البلدان المغاربية الأخرى خاصة الجزائر وليبيا والطوارق وتونس وبلاد الشتات "دياسبورا".
 
على سبيل الختم نقول، رغم الأشواط المشرفة التي قطعتها الحركة الأمازيغية في مسيرتها النضالية والتي عبر عنها تزايد إذكاء الوعي العصري بالقضية في شموليتها، ما زالت تطرح عليها مجموعة من التحديات والمهام في شكل أسئلة مؤرقة وعوارض كبرى ضروري من فاعليها ونشطائها ومثقفيها أن تفتح فيها مجالا للتفكير وبتقديم لها إجابات شافية وضامنة لإستمراريتها في ظل التحولات الراهنة. 

نظام التعليم في المغرب.. بيداغوجيا الاختزال والخطية

 
 
محمد بوبكري 
عندما يتأمل المرء خطاب وزارة التربية الوطنية وكيفية اشتغالها يجد أنها تُرَوِّج لمفاهيم خطِّية ووثوقية تدَّعي الموضوعية واليقين، لكنها تنتمي إلى مرحلة متجاوزَة من مراحل تطور العلوم بعقود طويلة. وهذا ما يفسر تبنِّيها لمنظور خطِّي يتجلى في ترديد مسؤوليها والمذكرات التربوية الصادرة عنها لمصطلحات ذات نزعة تقنية يؤدي اقترانها بمفهوم التربية إلى نسفه، لأنها تتعارض مع طبيعته. وقد نجم عن اعتماد الوزارة لهذا المنظور تبنِّيها لما اصطلح على تسميته في الأدبيات التربوية بـ»البيداغوجية الموضوعية»، فأصبح اتجاهها مطبوعا بتفكير خَطِّي نتج عنه الحديث عن «هندسة التكوين» وما يرتبط بها من مصطلحات أخرى كـ»الجودة» و»الفحص»…
لا يعي أصحاب التفكير الخطِّي أن الخطِّية لا تقبل الاختلاف، ما يعني أنها ترفض التواصل الذي بدونه لا يمكن الحديث عن أي تحوُّل معرفي، ولا عن أي تعلُّم أو نمو… ويعود ذلك إلى أنهم لا يدركون أن الواقع التربوي مختلف ومتعدِّد فكريا ومنهجيا… وأن «البيداغوجة الموضوعية» تعمل على اختزال تعدّده وتنوّعه، إذ تسعى إلى أجرأة الأهداف التعليمية. لكن ذلك يفترض وحدة العلاقات بين هذه الأهداف وانسجامها، وهو ما لا يسمح به تعقُّد الواقع التربوي، لأن الانسجام يُبنى من خلال القيام باختيارات تؤدي إلى إعطاء امتياز لبعض المفاهيم والقيم والتخصصات والمنهجيات… على حساب أخرى، مما تنجم عنه أشكال عديدة من الإقصاء. لذلك، ليست «البيداغوجية الموضوعية» وبِنْتُها «هندسة التكوين» سوى اختزال وتبسيط لما هو معقَّد.
وإذا كانت «البيداغوجية الموضوعية» تدَّعي «عقلنة» البرامج الدراسية لكي تضمن «تكوينا نوعيا أفضل»، فإن استراتيجيتها تقود إلى اختزال مزدوج للأمور: فهي تسعى، من جهة، إلى تحويل الأحلام إلى نسب قابلة للتحقُّق، ما يعني عملها على توقيف الإنسان عن الحلم وتحويله إلى «واقعي»، وتختزل، من جهة ثانية، مختلف وجهات النظر التي يتم التعبير عنها في فضاء المدرسة عبر رفض التعدد، ما يعني تدعيمها لاختيارات معينة على حساب أخرى.
تقوم «البيداغوجية الموضوعية» على إرادة النجاح التي تنطوي بدورها على رغبة، ما يقودها إلى الفشل، لأنه لا يمكن تحقيق كل ما يدخل في إطار نظام الرغبة. فلو كان ذلك ممكنا لحُلَّت كل مشاكل البشرية منذ القدم. وهذا ما يكاد يُجمع عليه مختلف المهتمين بالتحليل النفسي الذين يَرَوْن عدم قدرة الإنسان على الإنجاز الكلي لكل ما يدخل في إطار نظام الرغبة، ما يسمح بالاختلاف الذي يفضي إلى تحسين الإنسان لظروفه وأحواله باستمرار دون بلوغ الاكتمال.
تفرض «البيداغوجية الموضوعية» على واضعي المناهج والبرامج تقديم وصفات جاهزة لتجنب شبح الفشل، لكننا غالبا ما نجد في الواقع اختلافات كثيرة بين أهداف الأساتذة الذين يُدَرّسون المادة الدراسية الواحدة… كما أن هناك اختلافات بين هؤلاء وأهداف الإدارة… ومن ثمة، لا يمكن الجزم بامتلاك التلميذ القدرة على تحقيق أهداف البرنامج الدراسي في المدرسة، ولا عقب تخرُّجه منها.
من المستحيل قبول التخطيط الصارم للتدريس، حيث تأكد أن النظريات التي تتقدم بوصفات جاهزة هي نظريات غير ملائمة. وتعود الصعوبات التي يطرحها التخطيط الصارم إلى وجود هوة فاصلة بين النظرية والممارسة؛ أي بين الخطاب الرسمي للمدرسة وإنجازات المدرس في قاعة الدرس، حيث تحول طبيعة الأشياء دون التطابق الكلي بين النظرية والممارسة. فالصرامة الدوغمائية لا تتلاءم مع الواقع؛ إذ ليس هناك نوع واحد من التلاميذ، كما أن التاريخ غير ساكن، مما يفرض ضرورة التكيف المستمر مع تعددية الواقع وتنوعه وتعقده… وتكمن خطورة التخطيط الصارم للطرائق البيداغوجية في إمكانية حيلولته دون تفاعل التلميذ وإنصافه وعفويته، وفي إفضائه إلى إقصاء الجانب الوجداني للتلميذ، والسقوط في التصنع والخداع والغش… وبذلك، تتعارض خطِّية الطرائق البيداغوجية مع العلاقة التربوية السليمة… لا تتضمن الغايات البيداغوجية في ذاتها الطرائق القادرة على تجسيدها؛ إذ يجب ابتكارها باستمرار مع ضمان انسجامها مع استراتيجيتنا… ومن الخطأ السقوط في منظور ميكانيكي، والاعتقاد بوجود طريقة واحدة ووحيدة تصلح لتحقيق هذا الهدف وتلائم كافة التلاميذ في كل الأوضاع…
لقد أدى التطور العلمي إلى الكشف عن عيوب «البيداغوجية الموضوعية» وتجاوزها، فأصبح التدريس في المجتمعات المنفتحة عملية تأخذ بعين الاعتبار اللانظام واللاستقرار واللاوثوق والتعقد والفرادة وصراع القيم والأوضاع المبهمة للممارسة… وهذا ما جعل حصر التربية في المجال البيداغوجي في «التربية الموضوعية»، باسم العقلنة والشفافية والوضوح، يجعل البيداغوجيا غير ذات دلالة وبدون معنى…
الكتاب المدرسي مشروع للإنجاز. لكن، مهما بلغ وضوحه، فإنه لا يمكن ترجمته بشكل سحري إلى أفعال، ومن ثمة وجوب استعمال المُدرِّس لخياله. وهذه عملية معقدة ومتعددة، حيث يمكن أن ننطلق من التصور التدريسي نفسه، لكن تكوين المدرس وتعدد الواقع المجتمعي واختلاف الواقع المدرسي قد يفرض على المدرس القيام بإخراج درس معين بأسلوب مختلف عن إخراج هذا الدرس نفسه من لدن مدرس آخر…
يتضمن الخطاب البيداغوجي تأملا في الممارسة التربوية، كما يهدف إلى توجيه عملها. وما دامت التربية تتسم بتعقد كبير، فلا يستطيع هذا الخطاب أن يدلَّ بدقه على ما يجب فعله في الفصل الدراسي، بل كل ما في إمكانه هو التعبير بأسلوب متعدِّد عن تجارب شخصية لا غير. وهذا ما جعل البيداغوجيا تبدو تعبيرا أدبيا عن الواقع التربوي، كما تفعل فنون الشعر والرواية والتشكيل والموسيقى التي تشكل كلها تعبيرات عن الحياة. وإذا كانت هذه الفنون تعبيرات عن الواقع تؤكد أن هناك طرقا حقيقية ومتعددة لإخراج mise en scène الحياة اليومية، ما جعل الحياة مسرحية أو مسرحيات، فالبيداغوجيا تقول الشيء نفسه. إنها تثقفنا حول إخراج مهنة التدريس، ما يكشف لنا البيداغوجيا بطريقة ملموسة وأن التربية هي حقا ممارسة لفنون المشهد! (Daignault). يرى «ميشيل سير» Mchel Serrres أنه ليس هناك تعلُّم بدون سفر، والسفر يقتضي الانطلاق، والانطلاق تمزق، حيث ينسلخ الفرد مما هو عليه نحو وضعية ومعرفة مغايرتين… ويقتضي التدريس تكوينا عميقا يمكِّن المدرس من استعمال خياله لخلق شروط ملائمة تجعل المتعلِّم يتحمل مسؤولية تعلُّمه بشكل تلقائي ليتمكن من السفر في الذات والعالم والآخر ومعرفتهم… كما أن التدريس والتعلُّم هما، على نحو ما، كالحب والشعر، حيث ينزلان في الموج ويتدبَّران أمرهما فيه. وبما أنهما كذلك، فمن أعمق ما فيهما أنهما لا يُحدَّدان بدقة موضوع حديثهما على غرار ما تفعل «هندسة التكوين». وإذا ما فعلا، جازفا بفقدان هويتهما وغادرا نوعهما، إذ هناك أشياء غير قابلة للتحديد الدقيق من حيث طبيعتها، لأنها قائمة على التجربة ومرتبطة بالفرد وبحياته. لذلك، فالمدرس والمتعلم هما كالعاشق الذي يعيد باستمرار تحديد مفهوم الحب بتجربته الشخصية. ويعني ذلك أنه يوجد مفهوم للتدريس بعدد المدرسين، ويوجد مفهوم للتعلُّم بعدد المتعلمين، كما يوجد مفهوم لكل من الشعر والحب وإخراجات لهما بعدد الشعراء والعاشقين…
 

الملك المعارض

 

 
علي أنوزلا
مرة أخرى يلبس ملك المغرب محمد السادس جلباب المعارضة، وينتقد حكمه في خطاب رسمي موجه إلى الشعب. حدث هذا أمس الخميس بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لتوليه حكم المغرب. فماذا قال الملك وهو يعارض حكمه؟
 
قال الملك إن فئة واسعة من الشعب المغربي تعاني من "ظروف الحياة القاسية، وتشعر بأنها مهمشة". وهذه الفئة، حسب الخطاب الملكي، موزعة على العديد من المناطق الهامشية والأحياء العشوائية بضواحي المدن و على الالاف من القرى والبوادي على امتداد خارطة المغرب الجغرافية، قدر الخطاب عددها داخل القرى والبوادي فقط بـ 12 مليون نسمة، أي أكثر من ثلث سكان المغرب، تعيش داخل أكثر من  29 ألف قرية، تعاني من الخصاص وتفتقد إلى أبسط وسائل الحياة الأساسية من ماء وكهرباء وطرق ومدارس وخدمات اجتماعية أساسية.
 
الملك اعترف بأن "إقامة المؤسسات، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها"، في إشارة إلى ما يوصف في المغرب بالإصلاحات السياسية التي أقدم عليها على إثر الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد بتأثير من رياح "الربيع العربي".  كما اعتبر  أن "النمو الاقتصادي لن يكون له أي معنى، إذا لم يؤثر في تحسين ظروف عيش المواطنين"، في إشارة إلى ما يصفه الإعلام الرسمي المغربي بسياسة "الأوراش الكبرى" التي تستنفذ الكثير من ميزانية الدولة ولا تصل ثمارها إلى فقراء الشعب. انتقاد الملك طال كل مجالات الحياة من تعليم وصحة ودبلوماسية وأوضاع الجالية المغربية في الخارج، ودعا إلى وضع حد "للدوامة الفارغة لإصلاح الإصلاح"، في إشارة واضحة إلى كل خطابات الإصلاحات الرسمية التي يكون هو المبادر بها والمشرف عليها.
 
ليست هذه هي المرة الأولى التي يستعير فيها الملك خطاب المعارضة غير الرسمية، بما أن سقف خطاب الملك يفوق بكثير مستوى خطاب المعارضة المؤسساتية الممثلة داخل البرلمان.  وقد سبق له في عدة مناسبات سابقة وفي خطب رسمية أن وجه نقدا لاذعا لحكمه، عندما تساءل ذات خطاب: أين ذهبت ثروة المغرب؟ ولماذا لم يستفد منها الفقراء؟  هذا التساؤل الذي طرحه الملك قبل سنة مازال معلقا بدون جواب، وعاد أول أمس ليؤكد بأن لاشيء تغير.
 
ثمة من يفسر استعارة الملك في خطبه الجديدة لخطاب المعارضة الاحتجاجية في الشارع وشعاراتها التي تتحدث عن "صيانة كرامة المواطن"، وهي العبارة وردة في آخر خطاب ملكي، بمحاولة احتواء الأصوات المحتجة خاصة وأن أغلبها غير مؤطرة سياسيا أو نقابيا. فالمغرب الذي عاش حراكا شعبيا فاجأ النظام نفسه، دفع الملك إلى تبنى أسلوب استباقي في الخطاب يتماهى مع شعارات الحركات الاحتجاجية في الشارع. وقد نجحت هذه الخطة حتى الآن في امتصاص غضب جزء من الشارع وأكثر من ذلك في توجيه سهام النقد والغضب إلى الحكومة التي يكاد لا يرد  أي ذكر لمنجزاتها في خطب الملك.
 
الأمر لا يتعلق بنقد ذاتي للملك الذي ظل يحكم لوحده منذ 16 سنة، وإنما بسعي إلى كسب مزيد من الشعبية على حساب الحكومة والأحزاب والنقابات التي تم تدجينها. يحدث هذا في بلد قتلت فيه السياسة التي لا تزدهر إلى في مناخ يربط ما بين المسؤولية والمحاسبة. وعندما نعرف أن الملك، حسب الدستور المغربي، هو المسؤول الأول عن رسم السياسات العمومية الكبرى لبلاده، وهذا المسؤول، يضعه نفس الدستور فوق كل محاسبة، ندرك حجم المفارقة الصارخة عندما يريد ملك يحكم بمفرده أن يتحول إلى معارض وحيد لملكه!
 

المفكر والبهلوان

 

أحمد عصيد
قد يكون من سوء حظنا أن لنا حكومة لم تنجح في تحقيق أمالنا في النهضة والخروج من التخلف، وهو أمر لا يصدمنا لأننا تعودنا عليه منذ عقود، لكن أن يكون لنا رئيس حكومة كالذي يرتبط إسمه باسم بلدنا هذه الأيام يعدّ كارثة وطنية، ولعنة لا ندري كيف أصابتنا نحن الشعب الطيب، والبلد الآمن.
لم يسلم من عربدة رئيس حكومتنا حتى الأجانب، فقد زارنا مؤخرا المفكر المصري سيد محمود القمني، وكنا سعداء بلقائه والحديث إليه، لنكتشف فيما بعد على لسان رئيس حكومتنا أنه مجرد "بهلوان قادم من مصر، ويعتقد من جاء به أنه مفكر" (كذا (!. وهو كلام موجه أساسا للخصوم السياسيين لحزب الرئيس، في تصفية مكشوفة لحسابات صغيرة، لا تشغل المغاربة الذين ما زالوا ينتظرون وعود الرئيس التي أمطرت جرادا وعقارب.
طبعا سيكتشف الناس أن سيد القمني ليس شيئا آخر غير ذاته، المفكر الأصيل الصادق مع نفسه ومع الناس ، كما سيكتشفون مقدار جهل رئيس حكومتنا وصفاقته وقلة ذوقه، هو الذي نحن متأكدون أنه لم يقرأ كتابا واحدا للضيف المصري، لكي يحكم عليه إن كان مفكرا أم لا.
ما قاله المفكر المصري واضح لا غبار عليه، أثبتته الوقائع المتتالية، وأكدته الأحداث المتعاقبة، بما لم يعد يدع مجالا للشك لدى العقلاء من الناس، في سياق أصبح فيه المسلمون يعيشون إحدى أحلك مراحل تاريخهم المليء بالنكسات والكوارث .
قال سيد القمني ما أكدته نخب نيرة من المفكرين على مدى القرن العشرين بكامله: أن الإسلام دين وليس دولة، ولا نظاما في الحكم، وأن إقحام الدين في السياسة أدّى ويؤدي إلى دوام الاستبداد والفساد وشيوع الفتنة والتباغض بين الناس، وأن ما ينعته كتاب تيار الإسلام السياسي بـ"العصر الذهبي" للإسلام كان سلسلة من الحروب والمذابح والفتن التي كان سببها توظيف الدين في المآرب السياسية والرغبة في تحويله إلى دولة وسلطة وغلبة، مما أدى منذ بداية تاريخ الإسلام إلى دواه لا حدّ لها ولا حصر، جعلت تاريخ الدولة الإسلامية حالة طوارئ دائمة ما زالت تلقي بظلالها
 على حياة المسلمين حتى اليوم.
هذا ما قاله سيد محمود القمني، ويستطيع القارئ اللبيب أن يتحقق منه بإلقاء نظرة على أمهات كتب تاريخ الإسلام وتاريخ دولة الخلافة، ليتأكد بنفسه، وليكتشف الأسباب الحقيقية التي جعلت رئيس حكومتنا يصبّ جام غضبه على المفكر المصري، الذي فضح المستور وهو يكشف عيوب "الإخوان" ومهازل منظريهم التي أضحكت العالم.
لم يقل سيد القمني ما قاله منظر حزب رئيس الحكومة السيد الريسوني، وما قاله رئيسه القرضاوي الذي بايعه حزب رئيس حكومتنا "إماما للأمة"، عندما دعيا شباب المسلمين إلى القتال في سوريا، وجعلا بلديهما يحتلان رتبة "مشرفة" في تصدير الإرهابيين، وهو ما لم يعتذرا عنه حتى الآن رغم ما آلت إليه الأمور من أوضاع مأساوية، جراء تهور فقهاء "اتحاد علماء المسلمين" وانعدام التبصر لديهم، وتفضيلهم عائدات البترول على نهضة شعوبهم.
لم يقل القمني ما قاله أحد ضيوف "حركة التوحيد والإصلاح" من الوهابيين السعوديين خلال ما سمي بـ"ربيع القيم" الذي نظم بالرباط، ونشرت الصحافة المغربية تغطية لأشغاله، عندما دعا دون أي احترام للبلد المضيف إلى التراجع عن مكتسبات المرأة المغربية في مدونة الأسرة، واعدا بتخصيص مليوني دولار ونصف لنشر "القيم الإسلامية" بالمغرب (مرحى !)، مستخفا بالخيار الديمقراطي الذي يعدّ من ثوابت الوثيقة الدستورية المغربية.
لم يقل القمني ما قاله صحفي الجزيرة، الذي شتم المغاربة ونعتهم بأقذع الصفات مبينا عن "أخلاق عالية"، والذي نشر موقع حزب المصباح غسيله الوسخ في إعلامه الرسمي باعتزاز وفخر.
لم يقل القمني شيئا مما يروجه ليل نهار دعاة الفتنة من أتباع رئيس حكومتنا في العديد من المساجد، في معاكسة واضحة لتوجهات الدولة المغربية والتزاماتها، قال فقط أن الوهْم الكبير الذي عاش فيه المسلمون طوال أربعة عشر قرنا، وهْم الدولة الدينية، قد انتهى إلى خواتم غير سارة ولا سعيدة، وأن عليهم أن يأخذوا بأسباب التقدم كما أخذت بها الأمم المتفوقة والمزدهرة، والتي عرفت كيف تميز بين الدين بوصفه اعتقادا شخصيا للأفراد ترعاه الدولة وتحميه، وبين أساليب التسلط والغطرسة باسم السماء.
من هو المفكر ومن هو البهلوان؟ أعتقد أنه قد توفرت للقراء بعض عناصر الإجابة، التي يمكنهم استكمالها بمزيد من القراءات لنصوص المفكر،، أما البهلوان فهو لم يكتب شيئا، لأن مهنته إضحاك الجمهور، واللعب بالكلمات.
 
 

العمل الأمازيغي بين هم الأسئلة المطروحة ورهان البدائل الممكنة (الجزء الأول)

 
 
وكيم الزياني
تقديم عام 
إذا كانت الحركة الأمازيغية في المغرب اتخذت في مسارها  العمل من أجل تحقيق الهدف التحرري للشعب الأمازيغي، بخطابها الموضوعي مواجهة كل صنوف الإستلاب، والذي من خلاله راكمت إرثا نضاليا مهما سواء في عملها الفكري السياسي أو التنظيمي الإحتجاجي، أصبح لزاما عليها اليوم أن يكون لها وزنا متميزا داخل مجريات الأحداث السياسية القائمة ومن ثم تفاعلها مع التحولات والوقائع على جميع الأصعدة ومختلف المجالات. بإمتلاك وتبني القراءات العلمية والموضوعية في طرح البدائل والأجوبة الممكنة لأي مرحلة على حدة ضمانا وإشرافا لصيرورتها التاريخية في المستقبل القريب والبعيد كحركة مجتمعية تحررية تسعى إلى إذكاء الوعي الشعبي الأمازيغي بمختلف صنوف تاريخه وهويته وحضارته...الخ.
وفي هذا السياق، قد يبدو النقاش الأمازيغي الذي يبرز عبر لحظات المخاض إن لم أقل الركود التي يطغا على المعمل الأمازيغي في بعض جوانبه المتعددة، رغم العديد من الإيجابيات التي حملها على مستوى تبيان آفاق النضال الأمازيغي وإعادة بناء الذات وتغيير ميكانيزمات العمل وطرح إجابات متعددة تخص كيفية تطوير الممارسة النضالية الأمازيغية من جهة. فمن جهة أخرى لا يجب أن ننكر كذلك بأن بعض المبادرات والنقاش في السؤال اللينيني "ما العمل؟" كان محكوما بنوع من الإنفعال الذاتي وردود الآني وبلحظة الظرفية القائمة أنذاك وفقط، دون تجاوز والقفز على بعض الأفكار التي ظلت تتجاوز لحظة الإنفعال الظرفي في اتجاه تحديد معالم أليات العمل الأمازيغي المشترك أكثر نضجا وفعالية ومن ثم بناء تجربة تنظيمية واعدة ورسم خطوطها وأهدافها العريضة، كمعبر سياسي أمازيغي تجد كل التصورات السياسية الأمازيغية نفسها من داخلها وفي إطار تدبير الإختلاف الإيجابي والإنسجام المواقفي والأهداف المشتركة والتقييم والأجرأة والإقتراح والتوجيه والتنفيذ. 
والواضح أن طرح نقاش البدائل والمخارج والأجوبة هي اللحظة المناسبة لإعادة تشكيل اجابات مختلفة حول بعض الأسئلة المحورية في العمل الأمازيفي قد تكون أفقا للعمل في هذه الظرفية بالذات، خصوصا وأن بعض المقاربات التي تولدت عن لحظة الإنفعال الظرفي اتضحت نواياها وتأكدت حقيقة استراتيجيتها والياتها واكتشفت أقنعتها وأهدافها بالنحو للعب أدوار وظيفية في إطار مقاربة تروم إلى الإرتماء في أحضان المخزن، في مقابل ذلك، بروز وعي شبابي أمازيغي ياقظ تجاه ضرورة تقدير المرحلة والتأسيس لخيار سياسي وبديل نضالي أمازيغي أكثر فعالية ووضوح ونضجا ومسؤولية.
في هذا الإطار بالذلت إذن، تندرج هذه الأفكار المتواضعة التي سنقدمها بهذه المقالة في نقاش أفكار وإشكالات ننتظر منه إعطاء دينامية وتحول جديد للنضال الأمازيغي عند البحث والتدقيق في الإجابات والمقاربات وذلك عبر رصد وطرح مجموعة من الأسئلة المحورية التي يمكن أن يؤسس الإجابة عنها مدخلا ومنطلقا لهذه الدينامية بإستراتيجبة وأليات أكثر انسجاما مع الواقع وبقناعات مشرفة وواضحة بين كل الفاعلين الأمازيغيين.
 
1- العمل الأمازيغي وهم الأسئلة المطروحة
 
*سؤال كيفية تجاوز لحظة المنعطف التاريخي
يعتبر سؤال المنعطف أو الإنعطاف التاريخي من الأسئلة التي تطبع جميع الحركات المجتمعية التحررية في تاريخ صيرورتها العلمية والعملية بكل ما يفرض عليها من تحولات داخل المجتمع وطنيا أو تأثرها في الآن بما هو إقليمي ودولي. والحركة الأمازيغية لا هي من الحركات في التاريخ عرفت وعاشت عدة محطات من يوم بروزها كحركة تحررية تصحيحية لمسار الإستلاب الذي كرسته الدولة ويعيشه المجتمع ساعية إلى نباء الدولة الديمقراطية الحداثية، هذه اللحظات يمكن أن نسميها بلحظات "الإنعطاف التاريخي" لأن من خلاله عرفت الحركة قفزات نوعية في ممارستها سواء من ناحية الخطاب أو من ناحية بروز أرضيات عمل مشتركة بين الفاعلين الأمازيغيين أو من ناحية التنسيق التنظيمي أو الإحتجاج الميداني، ولنا أن نشير إلى لحظة "الربيع الأمازيغي" في الثمانينات في الجزائر  والذي كان له صدى على مستوى المغرب وشمال افريقيا بأكملها، من ناحية بروز الوعي السياسي الأمازيغي أكثر نضجا، وبعده جاء حدث إغتيال المفكر الأمازيغي بوجمعة الهباز ثم تلاه إعتقال المفكر والمؤرخ علي صدقي أزايكو وصولا إلى ميثاق أكادير في 1991 وبعد إعتقال مناضلي "جمعية تيليلي" في 1994 ثم بروز التنسيق الوطني الأمازيفي في 1996 ثم كونفدرالية جمعيات الشمال 1998 وصولا إلى بيان محمد شفيق في 2000 الذي سمي ب"البيان الأمازيغي" بعدما إجتمع حوله امازيغن...إلخ، هي مبادرات كثيرة لا يسع لنا الوقت لذكرها كلها، إلا أننا ما نسجله من خلالها هو، أنه كلما برز التنسيق والعمل الجماعي بين إمازيغن كلمها كانت الحركة الأمازيغية قوة فاعلة أكثر، سواء من ناحية صياغة المطالب والأرضيات العمل أو من ناحية تطوير الخطاب والمواقف السياسية أو من جهة المجابهة والضغط الميداني الإحتجاجي. مما يتضح أنه من مظاهر "الإنعطاف التاريخي" الذي عاشته الحركة الأمازيغية -والذي يحدد أي تجربة نضالية معينة- هي الاقتراح والتوجيه ومن ثم التحول والتغير والمواكبة والأفاق، هذا ما يمكن أن يميز أي تجربة على مستوى السلوك التنظيمي وطبيعة الخطاب والاسس المرجعية والأرضية الفكرية التي تنهل منها، بعيدا عن أي بناء لتجارب "برغماتية وإنتهازية" وسعيا نحو بناء تجربة أمازيغية تتجاوز أعطاب تجارب الماضي التي إتسمت بعقلية أحادية في الإقتراح والتوجيه والأجرأة دون أي نقاش فكري سياسي تنظيمي جماعي مما كان دائما مصيرها هو الفشل التام إن لم أقل الإفشال في كثير من اللحظات.
 
*سؤال النقد والنقد الذاتي البناء
 
يطرح سؤال النقد والنقد الذاتي على الحركة الأمازيغية لما تحتمه عليها لحظة "المخاض" أو "الركود"  التي تمر منها، وهذا السؤال يجب أن يكون في الحقيقة خطا ناظما يأطر الحركة في كل خطابها العلمي وممارستها العملية، فتغييب سؤال النقد والنقد الذاتي من داخل العمل الأمازيغي كقانون توجيهي علمي عملي نتج عنه مجموعة من الظواهر والمظاهر السلبية كرست من حدة السلوك النضالي الأمازيغي الأكثر فعالية. لذلك أصبح من واجبنا اليوم تفعيل هذا السؤال بما يسمح لنا من تصحيح المسار، عن طريق تقييم التجربة السابقة وقراءتها وفحص حصيلتها النضالية بكل إيجابياتها وسلبياتها وإخفقاتها حتى نصل إلى رصد نقاط الضعف ومكامن الخلل والثغرات التي شابت هذا المسار، ومن ثم إعادة ترتيب الأولويات ووضع منهجيات عمل تنسجم والتحديات المفروضة على الحركة الأمازيغية اليوم، وبما يؤسس كذلك لفعل نضالي يتجاوز السمات التنظيمية والفكرية السلبية. وهذا لن يتأتى طبعا إلا عن طريق تفعيل أليات الحوار الداخلي وخلق ضمير جماعي يشكل النطاق العام للممارسة والنضال الأمازيغي الهادف والمشترك.
والمعلوم أنه أي تجربة مهما كانت، يفترض انها تخضع لصيرورة محكومة بقانون النقد والنقد الذاتي بكل ما يحمله من دلالات نظرية وسياسية، وكضابط تنظيمي فعال من شأنه أن يكون العنصر الثابت لإستمرار أي حركة وتنظيم. 
يتبع....
 

نهاية الاتحاد الاشتراكي المغربي.. بداية هروب الفئران

 
علي أنوزلا
 
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن نهاية حزب "الاتحاد الاشتراكي" المغربي، فمع كل انشقاق داخل هذا الحزب كان الحديث يجري عن قرب نهايته. فما الذي يجعل العودة إلى الحديث عن قرب نهاية حزب يحتضر آنية وراهنية؟
 
 
لنبدأ بالوقائع، فقد شهد الحزب مؤخرا انشقاقا داخله تمخض عن ولادة قيصرية لحزب جديد هو "البديل الديمقراطي"، أعلنت عن تأسيسه أسماء ارتبط تاريخها النضالي بالحزب وارتبط الحزب في كثير من محطاته التاريخية بأسمائها. وهذا هو ثالث انشقاق داخل هذا الحزب منذ انشقاقه هو نفسه عن حزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" عام 1975، دون الحديث عن الانشطارات الجانبية التي حدثت داخل الكيانات الحزبية المنشقة، والتي أصبحت تشكل اليوم موزاييك من الكيانات الحزبية ’المكروسكوبية‘ لم تعد تمثل سوى أصحابها، وطالت عدوى هذه الانشقاقات الذراع النقابي للحزب، والذي انشطر هو الآخر إلى مجموعة من الدكاكين النقابية بلا هوية ولا أهداف سوى الدفاع عن مصالح أصحابها. وكان المؤشر القوي الثاني على السقوط المدوي للحزب هو فشل ذراعه النقابية الجديدة في الحصول على صفة النقابة المركزية في آخر انتخابات مهنية شهدها المغرب. وبذلك يكون الحزب قد فقد أحد أهم أسلحة مناوراته.
 
لكن ما هو أسوأ من الانشقاقات التي ألف الحزب التطبيع معها وإعادة ترميم جلده من جديد بعد كل عملية انشقاق، هو بداية هروب الأعيان من بيته. فقد ألف الحزب خروج مناضلين غاضبين من صفوفه احتجاجا على اختيارات قادته المرحليين، والتي كانوا يعتبرون أن فيها انحرافا عن خطه الإيديولوجي كما رسمه وحدده مؤسسوه الأوائل. لكن أن تنتقل عدوى الهروب من بيت الحزب إلى الأعيان الذين تمت الاستعانة بهم في السنوات الأخيرة لملء الفراغ الذي تركته هجرة المناضلين، فهذا أكبر مؤشر على قرب غرق سفينة الحزب. الأمر أشبه ما يكون بهروب الفئران من السفينة التي تغرق. فالمعروف أن الفئران لها حاسة قادرة عن التنبيه إلى خطر الغرق عندما يبدأ الماء يتسرب إلى عمق السفينة. مع ملاحظة فارقة، فالأمر، بالنسبة لأعيان الاتحاد الاشتراكي الذين قفزوا من سفينته في الآونة الأخيرة ومن يحاولون القفز منها حاليا، لا يتعلق بحاسة سادسة لدى هؤلاء الأعيان وإنما بتعليمات صادرة لهم، وما يؤكد هذا الطرح هو قفزهم في نفس الاتجاه مثل قطيع الخرفان نحو حزب "التجمع الوطني للأحرار" الذي يبدو أن السلطة تهيئه لمنازلة حزب "العدالة والتنمية" قائد الحكومة الحالية في الاستحقاقات المقبلة.
 
طبعا لن ينمحي شيء اسمه "الاتحاد الاشتراكي" من الخارطة السياسية والحزبية في المغرب، لكنه سيصبح مجرد رقم عادي مثل الكثير من الأرقام الحزبية التي لا يعلم المغاربة بوجودها إلا بمناسبة الانتخابات. أما "الاتحاد الاشتراكي" كخيار مجتمعي كانت تلتف حوله شرائح عريضة من المجتمع، فقد انتهي منذ فترة طويلة ودخل إلى مرحلة موت إكلينيكي منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن، عندما قبل المشاركة بدون شروط في حكومة يرأسها ولا يقودها. فالحزب الذي بنى مجده على معارضة الحكم والزهد في الحكومة، أصبح اليوم يعارض الحكومة ويتوسل الحكم للعودة إليها!
 
 

TV تيفسابريس