في سواد مسوّدة القانون الجنائي المغربي

تيفسا بريس / وكالات - فرحات عثمان

طالعتنا الصحف بمسودة القانون الجنائي المغربي، فكانت الصدمة، ويا لها من صدمة!

هذا بلدي الثاني المغرب الحبيب إذن، في الآن نفسه الذي يتباهي فيه بإعطائه صورة مشرقة للإسلام، ينقص من الأساس صرح ديننا القيم بداعشية فكرية مخزية لن تكون إلا وبالا على الحنيفية المسلمة! فمسوّدة القانون الجنائي كما طالعناها بالصحف سواد في سواد؛ وهي لا تخدم الإسلام الحق، إذ هي تشينه وتهتك سماحته طامسة أنواره وروحانيته وإناسته. لن أطيل هنا، إذ أكتفي بمثالين مما له المغزى الكبار باختزاله سائر معاني بقية القضايا لما في هذين المثالين من رمزية. تلك التي لا مناص من الأخذ بها إذا أردنا حقا التدليل على احترامنا الإسلام الحق ورفضنا للدعدشة التي هي بصدد غزو أدمغتنا وغسلها بما تزخر به من إسرائيليات!

الإفطار في رمضان والردة من حقوق المسلم الثابتة

الموضوع الأول الحساس هو، من ناحية، موضوع الإفطار في رمضان، إذ أكد قانون العقوبات الحالية المطبقة على الذين يفطرون خلال الشهر الكريم، ومن ناحية أخرى، مواصلة ردع الذين يغيّرون دينهم. فهذا ليس من الإسلام في شيء، بل هو من الإسرائيليات التي تغلغلت في ديننا فشوهته أيما تشويه؛ وهي طبعا اليوم من الفكر الداعشي الذي علينا رفضه ونبذه بكل قوة وإلا أضعنا ديننا.

إن الإسلام السني دين حرية العبد وعلاقته المباشرة مع خالقه، لا دخل لأي أحد بينهما، أيا كان، كما نرى ذلك عند الشيعة الآخذة بما في اليهودية والمسيحية. فالله وحده يثيب من يتبع أوامره وينتهى إلى ما ينهي عنه، وهو أيضا الواحد الوحيد الذي يعقاب من لا يفعل ذلك إن أراد ذلك وابتغاه.

فالمبدأ في ديننا السمح أن الله الغفور الرحيم لا يفعل ذلك لعلو كعب التسامح في الإسلام ورجاء التوبة دوما. فالباب في دين القيمة يبقى أبدا مفتوحا على مصراعيه لمن يغلط في رعاية حقوق الله؛ والله يغفر ويرحم عباده التوابين. لذا، يشجع التوبة والكفارة في سائر الذنوب. وغير التوبة تلك التي تأتي بعد لأي فالنجاح الأروع هو نتيجة لخسران متواصل يستفيد منه مريد طاعة الله الحقة بدون خزعبلات.

هذا ما غاب عن ذهن من حرر هذه المسودة المشينة للإسلام وللتسامح وقد امتاز بهما شعب المغرب، إذ لا إكراه في دين هذا الشعب، خاصة في الأخذ بالحسنى؛ فهي إما عن قناعة وإلا أمرها مفوض إلى الله عز جل ولا لأحد آخر، إلا إن أراد إحياء الأصنام في الإسلام، فتكون أصناما معنوية اليوم. فيا لها من مصيبة! ومما يمثل خير تمثيل هذه الأمور طبعا الإفطار في رمضان علنا، وهو من حقوق المسلم. فمتى كان الإسلام مع المراءات ومتى كان الصائم يصوم ليرى الناس ذلك؟

إن الصيام الحقيقي لهو الصيام عن المعاصي؛ ولا شك أن أفظعها لهو إجبار الناس بالقوة على الصوم. فلا إسلام بدون حرية التصرف! وطبعا، لا إسلام أيضا بدوم حرية العقيدة. فإما هي حسنة ومسؤولة، وإلا هي غير إسلامية. فهل نريد إدخال محاكم التفتيش المسيحية في إسلامنا؟ إن ما يحتوية المشروع من زواجر في هذين الموضوعين لهو من الإسرائيليات لا من تعاليم الإسلام، كما جاء بها النص، وكما يجب فهمها حسب المقاصد السنية لشريعتنا السمحة. فأين أهل الإسلام المقاصدي للطعن في إسلامية هذا القانون الذي يدخل رسميا داعش إلى بلاد المغرب؟ واإسلاماه!

تجريم المثلية من الإسرائيلات لا من الإسلام

إن قيم الدين الإسلامي الني جعلت منه حضارة عالمية، كانت حداثة قبل الحداثة الغربية، لهي في تلك الأوامر الدينية المدنية التي تتناغم مع الطبيعة البشرية، فلا تظلمها رعاية لحقوق الإنسان في نفس الوقت الذي ترعى فيه حقوق ربه المشروعة. وليست رعاية حقوق الله في التسلط على الطبيعة البشرية والفطرة التي جعلها الله فيه. والمثلية من الفطرة. فلا حظ فيها للاختيار عند الذكر أو الإنثى إذ يولدان بما فيهما من نوازع كما يولدان بلون البشرة أو العينين. فلِم هذا التجني على الإسلام بهذه العقوبات التي تزيد في قمع المثليين الأبرياء؟ أما حان للمسلمين التنبه أنهم بهذا لا يطبقون تعاليم دينهم بل ما رسب فيه من إسرائيليات؟

ليس في الإسلام أي منع للمثلية، إذ كل ما فيه في أمر قوم لوط ليس إلا من باب القصص والتذكير بما نجده في الكتاب المقدس؛ وقد كانت المثلية ممنوعة بالبلاد اليهودية والمسيحية إلى أن أتت الديمقراطية، فنبذت تلك الدول عاداتها اليهودية والمسيحية لولوج الحضارة بينما استوردناها نحن للخروج من حضارتنا. فهل أكبر من تجارة بائرة كهذه؟! وأي خسران هذا؟!

إن تجريم المثلية من الإسرائيليات بدون منازع؛ فليتبين أهل الإسلام بالمغرب هل هم يتبعون الحنيفية المسلمة بالمملكة المغربية أو العادات اليهودية المسيحية؟

لقد حان الوقت للعودة إلى دين القيمة، ونبذ هذه القوانين المهينة للإسلام وأهله! فلا مناص للمغرب الحبيب من العودة لأصول دين الإسلام السمح لإحياء كل ما انذثر فيه تحت وطأة الفكر الإسرائيلي الذي تمثله داعش اليوم خير تمثيل، وليست الوهابية إلا اختزال لليهودية بمسحة إسلامية خادعة.

ليهب إذن أهل الإسلام الشرفاء هبة واحدة لإنقاذ إسلامنا مما طمس أنواره، وإحياء علوم دينه من جديد على هذه الأرض المعطاء، أرض التسامح والوفاء لروح التعدد والروحانيات التي عرفناها طويلا فيها مع أصحاب الإسلام الحق، أهل التصوف وصوفية الحقائق. هذا هو إسلام الزمن الحاضر، الإسلام العلمي العالمي، إسلام ما بعد الحداثة في تسامحه وأخذه بالغيريه والإناسة.

* سوسيولوجي تونسي.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس