السنة الأمازيغية : بين العمق الدلالي و التاريخي و التناول الفلكلوري

تيفسا بريس

تقرير حول المائدة المستديرة : "السنة الأمازيغية : بين العمق الدلالي و التاريخي و التناول الفلكلوري"

في غياب فعلي لإرادة حقيقية في ترسيخ الحقوق الثقافية والتاريخية و الهوياتية، انبرت جمعية تيماتارين الثقافية والاجتماعية في تحين الذاكرة الهوياتية التاريخية للذات الأمازيغية عبر تشييد فعل التخليد و الإحتفال برأس السنة الأمازيغية، فعل نوعي ملتزم و مسؤول، يهدف بالأساس إلى تعميق الوعي التاريخي و تدشين آفاق نقدية للتصالح مع التاريخ و النبش في مناطقه اللامفكر فيها و المُغيبة من لدن سلطة رسمية تحرص أشد الحرص على تشذيب الوعي الهوياتي و إنتاج خطاب تاريخي رسمي مؤدلج على مقاس المصالح الضيقة.

في سياق هذه المؤشرات السياسية ترجمت تيماتارين قراءتها للمعطى السائد و الراهن عبر تطعيم فعل التخليد بإضافة نوعية من خلال تنظيم مائدة مستديرة حول السنة الأمازيغية بين العمق الدلالي و التاريخي والتناول الفلكلوري، يؤطرها الأستاذ الباحث في ماستر اللغة و الثقافة الأمازيغيتين خالد أوبــلا الحاصل على الإجازة في الأمازيغية والألمانية و عضو مؤسس جمعية تيليلي أودرار و منتدى طلبة أيت باها أودرار.

 

استهلت أشغال المائدة بكلمة ترحيب للحضور الوازن، ثم تناول الأستاذ خالد أوبلا الكلمة حيث حاول رصد أهم التمفصلات المنهجية التاريخية في هذه المحطة التاريخية و ربطها بالسياق الراهن، فقد أكد الأستاذ أن حقيقة التقويم الامازيغي لا ترتبط بإيض ئينّاير لوحده - وإن كان يشكل جزءها الناصع- وإنما بمنظومة المجتمعات الامازيغية  المبنية على المنظور المتجدد للحياة من خلال توارث فصول السنة و التغيرات الطبيعية المرافقة للدورة الزراعية. لذلك فالمجتمعات الأمازيغية لها ارتباط وثيق بالمعطى الطبيعي الذي يرتكز عليه الوجود الفلسفي لحياتها المساير لتقلبات النظام الشمسي  وللدورات الطبيعية المرتبطة أساسا بالأنشطة الفلاحية المختلفة الضاربة في عمق التاريخ. ومع انتشار المناخ الثقافي التجديدي للحركة الامازيغية الذي أكسب لهذا التقويم بعدا آخر من خلال اتصاله بأمجاد الأمة الامازيغية في لحظات تاريخية شكل الأمازيغ عصى رحى أحداثها بل ساهموا في تشييد معالمها سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا، فقد أصبح لهذه المناسبة اهتمام شعبي  متزايد وحمل تساؤلات كبرى إلى  الدول الوطنية لدول شمال إفريقيا التي تعاملت مع التاريخ بانتقائية في إبراز أحداث و تغييب أخرى تماشيا مع السلطة السياسية والدينية ولعوامل جيوسياسية ، فكانت الأمازيغية الضحية و لا تزال، لغة وثقافة وحضارة وتاريخا.

وقد استنتج الأستاذ أن أغلب الأعمال الأكاديمية و المقالات التي تعاطت مع هذا الحدث الموغل في القدم تتسم بـ :

-         الخلط بين البعد الاحتفالي و البعد التقويمي للسنة الامازيغية، فالبعد الأول يقترن باستحضار الأنواع المختلفة من المأكولات التي يتم تقديمها في هذا العيد المغاربي الرمزي بناء على مميزات وخصوصيات كل منطقة، في حين يعتمد البعد الثاني على الإشارة إلى السنة الامازيغية  وما يوافقها في السنة الميلادية، في سهو تام عن النظام التقويمي الأمازيغي – الفلاحي.

-         التركيز على الحدث السياسي-الحربي بدل العمق التاريخي للسنة الامازيغية، مما جعل صيرورة التاريخ الأمازيغي تبتدئ من 950 سنة قبل الميلاد، في حين أنها أقدم بكثير.

-         قليلة هي المواضيع التي ربطت تخليد السنة الأمازيغية بالمشروع الفكري و الثقافي التجديدي للحركة الأمازيغية.

-         موسمية تناول هذا الحدث التاريخي والرمزي، فنكاد لا نسمع عن هذه السنة إلا عند اقتراب حلولها، تم تُنسى إلى نفس الموعد في السنة الموالية.

في إطار هذه الملاحظات حاول الأستاذ طرح إشكالات معرفية ومنهجية لرصد الإمتدادات الأنثروبولوجية و التاريخية و الثقافية للحدث التاريخي :

-         ما حقيقة البعدين الاحتفالي و التقويمي للسنة الأمازيغية ؟

-         ما علاقة هذا الحدث بالمشروع الفكري و الثقافي للحركة الأمازيغية؟

-         ما حقيقة الحدث في بعده السياسي و الحربي بين الأمازيغ و الفراعنة ؟

ثم حاول الأستاذ خالد الوقوف على التقويم الأمازيغي لرصد الأبعاد الرؤيوية للحياة و الوجود لدى الشعب الأمازيغي عبر تفكيك طقوس الإحتفال و الدلالات .. وأبرز أن دول شمال إفريقيا تستعمل ثلاث تقويمات ترتبط  (أ) بالنظام القمري أي "التقويم الهجري"، (ب) بالنظام الشمسي الذي يشتمل على "التقويم اليولياني و الكريكوري" ثم  (ج)  بالنظام الشمسي – الفلاحي أي "التقويم الامازيغي الفلاحي".  وخلافا للتقويمين الأوليين الرسميين في الدول المغاربية واللذان يرتكزان على البعد الديني بامتياز، فإن التقويم الأمازيغي له بعد وضعي ومدني ومتجذر في الذاكرة التاريخية و المجتمعية لشعوب ذات الدول. ومما يفسر تبني المجتمعات الامازيغية لهذه التقويمات الثلاث حضور شهور هذه الأخيرة، تحت مسميات أمازيغية (التقويم الهجري) وأخرى حافظت على تسمياتها بتحريفات في النطق (التقويم الميلادي). فالبعد الأرضي للشهور الفلاحية  يستنج من خلال المقارنة التي ترافق الاهالي عن نوعية الشهور : iz d ayyur n wakal nd win ignna ?

أو من خلال العبارة التالية: ikcem wayyur n ignna

تعبيرا عن بداية شهر قمري. ومن بين الحقائق  التاريخية الثابتة التي تبين عراقة التقويم الأمازيغي، نشير إلى النقوش الصخرية التي تحقب لعصور ضاربة في القدم ولعل موقع ياڭور بأربعاء تيغدوين، المحتوي على لوحة الشمس،  شاهد عيان على عراقة هذا التقويم وبارتباطه بالنظام الشمسي.

من الطبيعي أن تعرف المجتمعات الشمال إفريقية، تعددية من حيث أسماء الشهور، فالشهور الهجرية مثلا، إلى جانب تسمياتها العربية، لها تسميات أمازيغية أخرى و تختلف، بنسب متفاوتة،  حسب المناطق الامازيغية ويتم الاستعانة بها في جميع القضايا و الاحتفالات الدينية. أما الشهور الميلادية، فحافظت على المصدر الايثمولوجي لتسمياتها مع تحريف بسيط على المستوى الفونولوجي و يتم توظيفها في التقويم الامازيغي –الفلاحي الذي ينقسم إلى أربعة فصول (تاڭرست "الشتاء"، تالدرار / تافسوت "الربيع"، أموان/ تامنزوت "الخريف" وأنبدو "الصيف") التي تتكون بدورها من مدد ومراحل مضبوطة ولها أسماء معروفة وتمارس فيها أنشطة فلاحية وزراعية وطقوس احتفالية (1-  لياليlyali : أي الأربعون يوما التي تتزامن مع البرودة الشديدة و الأجواء الممطرة، وتشمل العشرين يوما الاخيرة من شهر ديسمبر و العشرين الأولى من شهر يناير. ويعتبر يوم 13 يناير التي يوافق ليلة رأس السنة الامازيغية، الأكثر طولا و برودة. 2- ليالي حيانlyali ḥayan: وتبتدئ من 24 فبراير إلى 4 مارس، وهي فترة ذات برودة شديدة. 3- نسانnisan: مرحلة تبتدئ من 27 أبريل إلى 03 ماي. 5-  لعنصرتlεanṣeṛt : تكون يوم 24 يونيو  وهو زمن الانقلاب الشمسي الصيفي ويتوافق مع أطول يوم في السنة، ويشكل الحلقة التي يبتدئ فيها النهار بالنقصان. 6-  سمايمsmaym: أي الأربعون يوما التي تعرف درجة حرارة مرتفعة، وتبتدئ من 12 يوليوز إلى 20 غشت.  7- تايرزا أو تاكرزا: وهي الفترة التي ينطلق فيها موسم الحرث ابتداء من 17 أكتوبر)

فالشهور القمرية تسمى   yirn n ignnaفي حين تسمى الشهور الأمازيغية - الفلاحية ب  yirn n wakal. وللأسف فهذه الشهور لم تعد اليوم في متناول الجيل الحالي، وبدأت في  الاندثار نتيجة أسباب الهجرة الكثيفة نحو الحواضر، و التخلي عن الأنشطة الزراعية التي تشكل فيما مضى العمود الأساسي للاستقرار لمعظم السكان، بالإضافة إلى عوامل سياسية و أيديولوجية تحاول القطع مع كل ما يربط هذا الشعب بوجدانه الثقافي والتاريخي  العميق و بأنْسَنته الموغلة في القِدم.

وعليه ، ففاتح السنة الامازيغية يكون يوم 14 يناير في التقويم الميلادي الڭريڭوري (نسبة إلى تعديل الباباGrégoire XIII في سنة 1582 للتقويم اليولياني المنسوب إلىJules César).  وهناك من يحتفل به في 13 من نفس الشهر، و السبب يعود إلى كون مدة الاحتفال بهذه المناسبة كانت، في بدايتها ، تدوم عدة أيام، فأصبحت تتقلص إلى أن وصلت إلى يوم واحد في حين اختفت في مجموعة من المناطق.

وعرج الأستاذ على مدخل حيوي في قراءته ويتجلى في البعد الاحتفالي للسنة الأمازيغية فقد أكد أن البعد الاحتفالي للسنة الامازيغية الجديدة يعرف تنوعا على مستوى الأطباق و الأكلات وتعددا على مستوى التسميات ولكن هذه الأطباق و التسميات تتقاطع في رمزية الاحتفال من جهة و في تخليد السنة من ناحية ثانية. ولا يتخذ اللسان كمعيار للاحتفاء بها، مما يجسد وحدة العمق الثقافي لمختلف المناطق المغاربية.  يرى إميل لاوست (E. Laoust) أن طقوس الاحتفال بينّاير قد تقلصت نتيجة توافقها مع مجموعة من الاحتفالات الدينية الإسلامية، وعلى وجه التخصيص، مع عاشوراء.  و يرى أن الاحتفال بالسنة الامازيغية يمكن إجماله في تقديم طبق وفير من الأكل وربطه باستشراف السنة الجديدة.ومن هذه الأطباق نورد الاسماء التالية :

تاڭـلا، الكسكس ، بركوكس ، سات لخضرات، سبع خضاير، أوركيمن: هذه الأخيرة أوردها المختار السوسي في الجزء الأول من المعسول ص. 54 كالتالي: "من أنواع الأطعمة الإلغية، نوع يسمى (أوركيمن)، يصنع من حبوب الذرة والقمح والفول والعدس واللفت اليابس مع الأكرعة التي تجمع لذلك من قبل. يطبخ الجميع في قدر طبخا جيدا طوال النهار. ويتحين صنع هذا الطعام في ليلة أول السنة (...) والإلغيات يطبخنه تيمنا ودرءا للعين والجن. ولذلك يعمد بعضهن إلى إراقة بعض مرق هذا المطبوخ على بعض زوايا الدار؛ وإزاء أسراب المياه من الساحات داخل المنزل وما هي بالعادة الوحيدة التي تصنع ليلة أول السنة. فأتذكر أن الناس يحرصون على أن لا يبيت أي واحد خارج منزله مسافرا؛ ويرى بعضهم أن من لم يبت في داره تلك الليلة لا يزال مفارقا لداره طول السنة"

 

ومن الأسماء التي تطلق على هذا الاحتفال نجد ما يلي:

ئيض نوسڭـاس(ليلة رأس السنة)، تابورت نوسڭـاس (باب السنة)، ءينّاير، ئيض ئينّاير(ليلة يناير)، أسڭـاس أماينو (السنة الجديدة)، أسڭـاس أوجديد (السنة الجديدة، ئيض ن حڭوزة (ليلة حكوزة)،بيانّو، ئيض نُوفُرْعُون، وغيراها...

 

وهكذا ربط الأستاذ مداخلته ارتباط عضوي بالمشروع الفكري والثقافي للحركة الأمازيغية وكذا ربطه بالملك شيشونغ، حيث اعترف بصعوبة بمكان الاستمرار في الاحتفال بالسنة الامازيغية على النمط التقليدي و تركه للذاكرة الشعبية التي فقدت الكثير من كنوزها وعنفوانها، لذا  يشكل تدخل الحركة الامازيغية في تخليد السنة الأمازيغية أهمية بالغة في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي اللامادي وإشعاعه إعلاميا ورسميا. فالمشروع الفكري و الثقافي للمجتمع المدني الأمازيغي بني على ركيزة الوعي بالذات في بعدها الشمولي. فالتجديد الثقافي هو في حد ذاته رد الاعتبار لممتلكاتنا الرمزية وذلك بتوظيفها بنَفَس حضاري وثقافي يتماشى مع قيمتها التاريخية و متطلبات الحياة الراهنة.

ولا مراء في أن نجد  الحركة الامازيغية، هي التي بادرت بأن تضفي صفة الرسمية على الاحتفال و التخليد بالسنة الامازيغية وذلك منذ بداية الستينيات من القرن الماضي، باتخاذها حدث اعتلاء الملك الامازيغي شيشونغ هرم السلطة بمصر في سنة 950 قبل الميلاد. واختيار هذا الحدث له أبعاد سياسية و تاريخية هامة تتجلى في كون هذا الحدث يكاد يكون بمثابة الواقعة التاريخية  الوحيدة التي لها امتداد عريق في التاريخ بحيث أسس فيها الامازيغ سلطة سياسية خارج الأراضي الامازيغية من جهة ومن جهة أخرى مكانة الحضارة المصرية الفرعونية في حوض المتوسط. وهو كذلك إشارة إلى الانفتاح على التاريخ القديم لشعوب شمال إفريقيا  وعدم اقتصاره في قرون معدودات.

شيشونغ هو الحفيد الثالث للأسرة الامازيغيةالليبية بويوواوا التي انتقلت للعيش في اللدلتا المصرية في سنة 1227 ق.م في فترة حكم الملك الفرعوني مينيبتاح Miniptah. وكان والد شيشونغ كاهنا بأشهر معبد في مصر. تتضارب الروايات التاريخية بشأن اعتلائه عرش مصر بين اتجاهين، الاتجاه الأول يرى أن هذا الفرعون الأمازيغي وصل إلى الحكم عن طريق السلم و الكفاءة الذاتية والترقي في المناصب السياسية (قائدا عسكريا ثم مستشارا للملك الفرعوني  رمسيس الثالث)، في حين يرى الاتجاه الثاني  أن شيشونغ وصل إلى الحكم بفضل تدهور الحكم الفرعوني بعد فترة حكم رمسيس الثالث. لكن الثابت تاريخيا أن شيشونغ اعتلى عرش مصر في 950 ق.م. ودام حكمه 21 سنة، وحكمت أسرته المكونة من 9 ملوك مصر من فترة 950 إلى 817 قبل الميلاد.

لقد دأب المغاربيون  ومنذ زمن بعيد على الاحتفال بالسنة الامازيغية- الفلاحية إكراما للأرض وما تجود به من خيرات  التي تضمن لهم الكرامة وحق البقاء. فاعتماد هذا اليوم عيدا وطنيا سيشكل لا محالة ربط المغاربة بذاكرتهم الأصيلة، فكما هو معروف: شعب بلا ذاكرة فهو شعب ميت. فخلال العقود الأخيرة لم يعد الاحتفال بهذه المناسبة مقترنا بالبعد العائلي و الاسري وإنما تجاوزه إلى البعد الشعبي والمجتمعي وأصبح مطلبا ديمقراطيا لكل وطني غيور على الإنسية المغاربية.

واختتم الأستاذ مداخلته بقوله : ( لقد غيبت  الامازيغية في الدوائر الرسمية لدول شمال إفريقيا وآن لها الأوان أن تحظى بمكانتها الطبيعية، كثقافة رسمية تترجم معالم تميز شعبنا عن بقية الشعوب، وتصنع حب الانتماء إلى الأرض عوض إطارات جيوسياسية وهمية. وليس ببعيد أن تعتمد اليونيسكو هذا العيد كموروث ثقافي لامادي عالمي، طبعا، إذا توفرت الإرادة السياسية ).

و في الأخـير تفاعلاً مع أرضية النقاش فتح الباب أمام النقاش الذي قدم إضافات معرفية لمحاور مداخلة الأستاذ و راهن على واقع الحال وبتجنيد كل الوسائل ليتبوأ رأس السنة الأمازيغية الحظوة و المثوى الذي يستحقه.

عن المقررة : رشيدة وارصاص

لجنة الاعلام و التواصل

محمد إيدسان

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


TV تيفسابريس