المقالات

الحضارة الأمازيغية والحلقات المفقودة

رشيد الحاحي

عندما يتأمل الباحث في تاريخ الإنسان الأمازيغي الذي يمتد إلى أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنا، يصطدم لا محالة بالتناقض الصارخ القائم مابين عظمة الأحداث والانجازات التي ميزت حقبا مختلفة من حياة المماليك والدول والحضارة والثقافة الأمازيغية، وما بين آثار هذا المجد وعلامات تبلوره في إطار ثقافي وهوياتي وحضاري قائم الذات، ومتمكن من الاستمرار والبروز على امتداد الزمن وفي المكان.

فباستثناء التعابير الفنية الشعبية، واللغة والتراث الشفاهي، التي استطاعت أن تصمد وتحافظ على استمراريتها عبر بنية المتخيل والذاكرة والمقاومة الأنثربولوجية، فإن آثار الحضارة الأمازيغية وعبقريتها الثقافية والفكرية لم تجد منفذها سواء العيني أو المدون إلى الأزمنة والفترات الموالية من تاريخهم، خاصة في ظل حالات المد والجزر، والبروز والخفوت، والمقاومة والخضوع التي ميزت علاقاتهم بالآخر مند الحملات والاستعمارات الأولى التي توافدت على بلاد شمال افريقيا، أرض انتسابهم ومجال وجودهم التاريخي والحيوي.

كما أن العديد من الحلقات تظل مفقودة في رصد مراحل وعلامات هامة من تاريخ الأمازيغ، وفي رصد إنتاجاتهم في مختلف مجالات الحضارة والثقافة والحياة الاجتماعية. فباستثناء النزر القليل مما وصلنا من تاريخهم القديم، خاصة فيما يتعلق بآثار مجدهم الحضاري وإرثهم المادي والرمزي الذي تؤكده بعض الوثائق التاريخية المتوفرة، فإن العديد إن لم نقل جل منجزاتهم المادية بما في ذلك بنيانهم ومدنهم وآثارهم المعمارية والفنية، وإنتاجاتهم الثقافية والرمزية خاصة في مجال الأدب والفكر والفنون والتي أنتجوها في أوج تاريخهم السياسي والحضاري، كانت عرضة إما للتلف والتخريب أو للطمس والتحريف، بالشكل الذي يشكك في عبقرية الأمازيغ وعمق كيانهم الحضاري.

من الواضح بأن الوجود الحضاري الأمازيغي لم يتبلور أساسا في إطار قومي خاص به، حيث أن الأمازيغ لم يعتمدوا بشكل حاسم على لغتهم الأمازيغية وحرف كتابتها العريق، وعلى الوعي بمقومات هويتهم وتميز كيانهم الثقافي، مما حال دون تحقق حالة الانفصال والاتصال في صيرورة وجودهم التاريخي. وهذا لا يعني عدم تحقق هذا الوجود الحضاري، حيث أن العديد من الأحداث والشواهد والآثار المتبقية تؤكد أن الأمازيغ ساهموا بشكل حاسم في بناء وازدهار أهم الحضارات الإنسانية التي عرفها حوض البحر الأبيض المتوسط، لكن هذا المنجز لم يتم في إطار قومي خاص بهم، حيث كان الأمازيغ على امتداد تاريخهم في وضع تفاعل وتبادل مع مختلف الثقافات والحضارات التي احتكوا بها أو تصدوا لمطامعها التوسعية، وذلك بأشكال تحيل أحيانا على استعداد "ساذج" للتلاقح وللتماثل إلى درجة "التحول"، مما جعل العديد من إنجازاتهم وإنتاجاتهم تذوب في دوائر فعل الأقوام الأخرى، وتنتسب إلى إطارها اللغوي والثقافي والحضاري.

فمن أسباب انحصار الإنتاج والأثر الأمازيغي عبر العصور هو كون الأمازيغ لم يكتبوا بلغتهم، ولم يراكموا على المستوى المادي والرمزي داخل إطار وعي قومي مستقل عن جوارهم الثقافي والحضاري. فالعديد من المفكرين والكتاب الأمازيغ أنتجوا باللغة اللاتينية والإغريقية، وداخل منظومتها الثقافية، كما أن العديد من إنجازاتهم المادية، خاصة تشييد المدن والأعمال الفنية، ارتبطت أكثر بالحضارة الرومانية والفرعونية وخصائصها المدنية والجمالية، مما غطى على عبقرية الإنسان الأمازيغي ومساهمته البارزة في تاريخ شمال إفريقيا منذ آلاف السنين.

فمنذ فجر التاريخ المكتوب دخل الأمازيغ في شد وجذب مع جيرانهم الفراعنة في الشرق، ونجحوا في دخول بلاد مصر وأسسوا بها أسرا تناوبت على حكم البلاد قرونا طويلة، غير أن هذه السيادة العسكرية والسياسية لم تترجم حضاريا، حيث اندمجوا في السلالات الفرعونية وذابوا في إطارها القومي والحضاري بأبعاده الأسطورية والروحية والمادية. ولم يسجل التاريخ أن حاول الأمازيغ إخضاع الأخر وتذويب الثقافات والحضارات الأخرى داخل نظامهم وإطارهم الحضاري والقومي، بقدرما  وضعوا على الدوام عبقريتهم في خدمة الثقافات والحضارات الأخرى  حتى في الحالات التي سادوا  فيها سياسيا.    

 كما تميز تاريخ الأمازيغ بشمال إفريقيا بأشكال المقاومة والأحداث التي نتجت عن مختلف الحملات الاستعمارية التي كانوا عرضة لها على امتداد تاريخهم الحضاري، خاصة تصديهم الباسل للغزو الروماني والبيزنطي والقرطاجي والأموي... والذي قاده كل من ماسينيسا ويوغرطا وتكفرينا وتيهيا، والمقاومة الدينية والثقافية التي قادها بالأخص القديس أغسطين، والثورة الاجتماعية التي شارك فيها الفلاحون الفقراء ضد الارستقراطية الرومانية والمزارعين المحتكرين للأراضي ومخازن الحبوب. وإضافة إلى هذه المواجهات والانجازات والمقاومات الميدانية التي عكست إرادة الأمازيغ ودفاعهم عن وجودهم السياسي والحضاري، ثمة إنجازات ثقافية بارزة عكست البعد الأخر لكينونتهم وعبقريتهم، لكن دون أن يتحقق ذلك داخل إطار استقلال حضاري بين، وانفصال واضح عن المنظومات الأخرى التي تواصلوا معها واستدمجوها حتى اندمجوا فيها وتماثلوا معها.

وفي هذا الصدد يعتبر نموذج الملك المثقف يوبا الثاني حالة بارزة في هذا السياق. فالأهمية الكبرى لعمليات التشييد الحضاري والإنتاج الثقافي والارتقاء بالعلوم والآداب والفنون، وبناء المدن  ومعاهد الفنون الجميلة خلال أوائل الألفية الأولى، وخاصة في عاصمته السياسية، تظل من العلامات البارزة لعبقرية الكيان الأمازيغي ومجده التاريخي. بيد أن هذا المنجز لا يخفي كونه تم داخل حدود الإطار السياسي والثقافي الروماني، حيث كان يوبا الثاني ممثلا للقيصر وأوكيست الذي عينه حاكما على موريطانيا الغربية لحوالي  خمسين سنة، كما أنه كان متشبعا بالثقافة اليونانية وآدابها وفنونها مند صغره، حيث إنه قضى طفولته بعد موت أبيه يوبا الأول في بلاط وكنف الإمبراطور الروماني، مما حسم في حدود الوعي بالوجود والكيان الأمازيغي في مملكته التي عرفت ازدهارا مشهودا واستقرارا سياسيا ورقيا ثقافيا كبيرا. وهذا ما يفسر كون مشيدات يوبا الثاني من المدن والمعمار وإنجازات الفنانين والكتاب في مملكته الموريطانية تبقى وطيدة الصلة بالمدينة الرومانية وخصائص مجالها الحضاري، خاصة أثينا التي درس وترعرع بها فشيد مدينة، كما تؤكد مصادر تاريخية، تضاهيها في المدنية والحضارة والحياة الفنية التي ولع بها الملك أكثر من ولعه بالسلطة.

فكثيرا ما تمت الإشادة بمساهمات الأمازيغ في إغناء الثقافة المسيحية والعربية والإسلامية أو الفرنسية، حيث أن العديد من المثقفين والفقهاء والمبدعين الذين ساهموا بشكل جلي في إبراز نبوغ اللغة والأجناس الإبداعية، والاهتمامات التيولوجية والفقهية اللاتينية والاسلامية، هم ذوو أصول أمازيغية، اقتضت ضرورة الحياة الثقافية والدينية، ومقتضيات السلطة والهيمنة السياسية، أن يتطوروا داخل بنيات ثقافة ووعي هوياتي وإطار حضاري آخر، مختلف عن الإطار التاريخي لانتسابهم اللسني والهوياتي الذي يبقى، نتيجة لذلك، موضوع الدونية والانحصار مما جعله لا يرتقي إلى تلبية شغفهم وانتظاراتهم الثقافية والاجتماعية.

 إن هذا التحديد لا ينفي أهمية الإطار الثقافي المحلي في إضفاء طابع خاص على إنتاجات الأمازيغ باللغات الأخرى، وداخل الإطار الثقافي والحضاري المغاير، حيث أن تفردهم وعبقريتهم امتدت إلى كل المجالات التي أبدعوا فيها، واستطاعوا أن يكيفوا مكتسباتهم وممارساتهم سواء الثقافية أو الدينية، مع أنماط وجودهم الاجتماعي. بيد أن هذا التميز والإستدماج الثقافي يبقى مؤطرا داخل البنية الحضارية المغايرة، ولا يمكن أن ينسب إليهم كليا. فجل الآثار والأعمال التي أنجزها الأمازيغ تبقى من منجزات وتراث اللغات والثقافات والحضارات الأخرى، تلك التي أبدعوا وأنتجوا داخل بنية تفكيرها وأساطيرها وإطارها الروحي والرمزي والمادي.

فمن أين يستمد الأمازيغي إذن هويته الحضارية وصفة اختلافه أو تصنيفه؟ هل من أصول لسنية  أو من امتدادات استعداد الأمازيغ  وإقدامهم المستمر على " الميتامورفوزات" التي تصل حد الذوبان في هوية الأخر، أم أن هذه الصفة تقوم على وعي بالانتماء إلى كيان مختلف، ومنفتح ومتفاعل باستمرار مع  الكيانات والثقافات الأخرى في حدود الإقرار المتبادل بالوجود والمغايرة، والحق  في التطور والنبوغ  والاستمرار؟

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع