المقالات

الجدل حول تقنين لغات الأقلّيات

إبراهيم الكوني

أعتقد أن سبب الجدل حول تقنين لغة الأقلّيات ليس ناتجاً عن سوء نيّة من طرف هذا الفريق أو ذاك ، ولكن السبب يسكن سوء فهمٍ عميق لحقيقة اللغة أولاً ، وثانياً بسبب جهل المعنى الحقيقي لعدم دستورية أي شأنٍ دنيوي ، فكيف بعدم دستورية لغة هي ليست مجرّد خطاب كما يظنّ البعض ، ولكنّها البرهان الأول والأخير على الوجود برمّته ؟! فالبُعْد السياسي للمسألة سيبدو ثانوياً إذا قورن بأبعادٍ أخرى أخلاقيّة وقانونية ووجودية وحتى دينية .

فما لن نشكّك فيه هو الحقّ الإلهي في استخدام اللسان الذي لم نكن لندّعي لأنفسنا خلافة الله في الأرض من دون بقيّة الحيوان لولا هذا الإمتياز . وهو ما يعني أن استخدام اللغة حقٌّ مبدئي لا لأنّه البرهان على الوجود وحسب ، و لا لأنه الدليل على هويّة عرقيّة أو ثقافية مميّزة ، ولكن لأنه كلمة السرّ في الإنتماء إلى الهويّة الإلهية . ولهذا لن نعجب أن تطلق لغة تكتّمت على سرّ لغة التكوين الأولى كالليبيّة القديمة على الأبكم "إيْبَي" الدالّة على العدم ، أو الموت ، لأن الإنسان بلا لسان إنسانٌ في عداد الأموات حتى وإن دبّ بيننا على قدمين . من هنا نكتشف البُعْد الآخر ، الأنبل ، في معجزة اللغة ، وهو : الحرية ! أن نتكلّم لا يعني أن نعي وجودنا وحسب ، ولكن أن ندرك مسبقاً ما ينتظرنا طوال رحلتنا نحو الجلجلة وهو : الموت . ولهذا فإن حرمان إنسانٍ من استخدام لسانه ليس جوراً في حقّه وحسب ، ولكنه جرمٌ يعاقب عليه القانون الإلهي الذي خلقة بهذا اللسان ، قبل أن يكون جُرماً أخلاقياً أو قانونياً أو خطيئة في حقٍّ من حقوق الإنسان . هذا الحرمان هو بمثابة حكم على هذا الإنسان بالإعدام ما دامت محافل الحكمة هي التي أفتت منذ الأزل بعدم وجود فرق بين اللغة والوجود ، ومادمنا لم نختر هويّتنا ، ولكن المشيئة الإلهية هي التي اختارت لنا تعدّد الألسن يوم جعلتنا شعوباً وقبائل لنتعارف كما توصي الآية الكريمة التي إذا تأمّلناها اكتشفنا أن التعدّد في الألسن وفي الهويّات ليس شرّاً موجّهاً ضدّ أحد ، ولكنه ثراء ، لأن أن نتعارف يعني أن نتآلف .

أن نتعارف يعني أن نتعايش . أن نتعارف يعني أن نتسامح . أن نتعارف يعني أن نتحابب . ومجد وصيّة سقراط : "تكلّم لكي أعرفك" إنّما يترجم فحوى هذه الآية ، فلماذا نستنكر أن يشاركنا أغيارٌ همْ لنا إخوة في الإنتماء إلى الوطن تلك السعادة التي يروي لنا بلوتارخ كيف نحتها كهنة مصر القديمة تميمةً على معبد أوزوريس والقائلة : "اللسان سعادة ! اللسان ألوهة !" ؟ ومن حقنا أن نضيف للوصية : "اللسان أيضاً حرية !" . فلماذا يغدو لسان الأغلبيّة مقدّساً ، ولسان الأقلّية نجساً منكراً ؟ هل لمجرّد أنّهم أقلّية ؟ أم أنّ الضرر يكمن بالذات في هويّتهم كاقلّية ، فلا يشفع لها حتى حقيقتها كأقلية أصلية مقابل الهوية الطارئة للأغلبية ؟ لن نغالي إذا خلصنا إلى القول بأن روح الهيمنة هي سبب هذا الإنكار . إنها عقلية حقّ الغالب ضدّ المغلوب . إنها عقليّة الغُزاة المترجمة في وصيّة زعيم قبائل الغالّ عندما استولى على روما ما قبل التاريخ : "الويل للمغلوبين !" . إنها اللغة التي لا تكتفي بانكار الآخر ، ولكنها لا تعترف بوجود الآخر . أي أنها السياسة المستعارة من عصور الهمجيّة ، وكل من يتبنّاها اليوم ما هو إلاّ إنسانٌ يحيا بعقلية الإنسان الهمجي مهما حاول أن يبرّر مسلكه بالذرائع ، أو جاهد ليسوّقه بالحجج ، كأنها العقلية التي أتت للعالم لا بالأنظمة العنصرية وحسب ، ولكنّها زعزعت أركان العالم بالفاشية أيضاً . في حين لا يبقى للأقلّية اللغوية في سبيل البقاء على قيد الحياة سوى قشّة استخدام اللسان كمعقل أخير في معركة الدفاع عن النفس .

فما ترفض روح الهيمنة أن تعترف به هو حقيقة اللغات كحاملة لألوية الثقافات بقطع النظر عن الهويات العرقية لهذه الثقافات . والوعي بهذه الرسالة هو ما يجعل عالم الحضارة يتسابق اليوم لإحياء اللغات الميّتة كالمصرية القديمة والسومرية واللاتينية عملاً بالحكمة القائلة بأن من شاء أن ينال الحكمة فليس له إلاّ أن يتعلّم لغات المهد البشري إلى جانب اللغات الحيّة . فهل من الحكمة أن نُميت لغة حيّة هي كنزٌ إنسانيٌّ نفيس حتى لو كانت لأصغر قبيلة في أفريقيا أو الأمازون أو أستراليا ، في وقتٍ يُكافح فيه العالم في سبيل إحياء ألسنة الأموات ؟ وهل من المنطق أن يُوجِد العالم اليوم "الكتاب الأحمر" للحفاظ على أنواع الحيوانات المهدّدة بالإنقراض ، ويسنّ القوانين التي تحرّم صيدها ، ثمّ يبخل بالحماية على لغات محمولة في ألسنة أقلّيات مهدّدة بالزوال ؟ أليس مفارقة أن يحتفي محفل الأمم بآثار الأمم الزائلة ، ويرصد مؤسسة عالمية هي اليونسكو لتولّي هذه المهمّة الإنسانية ، ثمّ يستهين بأقوامٍ أصيلة ما تحمله في ألسنتها هو بمثابة آثار على قيد الحياة وليس أنقاضاً في طَيّ الفناء ؟ ألم يكفّر هذا المحفل الأممي عن خطيئته في شأن هذه الأقوام عندما أصدر قانون الجمعية العامّة للمحفل في 2007 في شأن حقّ الشعوب الأصليّة في استخدام لغتها ، وحماية تراثها ، واستعادة أراضيها ، وممارسة طقوسها ، وحقّها حتى في تقرير مصيرها بالإستقلال عن مضطهديها ؟ وطبيعي ألاّ يعني حقّ الأقلّية في ممارسة لغتها فرض هذا الحقّ على الأغلبية . كلمة الدستور الوضعي في هذا السياق في أحقّية ممارسة اللغة بحرف القانون (أي الإعتراف بها ككينونة ثقافية بعيداً عن أي حسابات سياسية) سيّما في المؤسسات التعليمية حيث يتواجد حضورٌ كثيف للأقليّة . أمّا الرؤية الداعية لفرض اللغة على بقيّة السكّان فيخضع لإرادة الأغلبية الحرّة ، وليس عملاً ملزِماً بحرف قانونٍ يترجم مشيئة العدالة ، لا مشيئة أيديولوجيا أو عقليّات سياسية غايتها الصفقة النفعية وليس الحقيقة .

فالمنطق يوجب على الأقلية أن تحترس في حمّى الدفاع عن النفس أيضاً ؛ لأن المغالاة في الدفاع عن النفس أحياناً عدوان !

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

التعليقات   

 
0 #1 mhamed 2013-08-05 11:20
mzrci pour cet article logique
اقتباس
 

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع