المقالات

الإسلامويون وقتل الخصوم والمعارضون

 

رضوان بخرو

"زمن الشجاعة الجسدية ولى وجاء زمن الشجاعة الفكرية" هذا ما قاله صدقي ازايكو ذات يوم، لكن جماعات الإسلام السياسي ترى عكس ذلك ،سواء تلك  التي انخرطت في التجربة السياسة  في بعض الدول وبعد أن ركبت على ما سمي ظلما وعدوانا بالربيع للوصول إلى السلطة، أو الجماعات المتشددة والمتطرفة التي تتوهم بشيء يسمى "الخلافة" ،

فبعد أن فشل الإخوان في تدبير وتسيير مؤسسات دولة بحجم مصر،وبعد أن كان الإخوان بالأمس القريب يرقصون فرحا غداة الإطاحة بنظام "حسني مبارك" عند نزول الشعب المصري إلى الشارع للمطالبة برحيل مبارك سميت هذه العملية ب "ثورة"، لكن بعد تجربة قصيرة للإخوان في رئاسة الدولة المصرية التي اثبتوا فيها فشلهم على جميع المستويات سواء السياسي والاقتصادي والأمني....وبما أن الشعب المصري كان متعطشا لحرية أكبر و دماء الثورة ما زالت لم تهدأ بعد في عروق المصريين،فقد ارتفعت أصوات الشعب تنديدا بسرقة ثورته من طرف أناس لم يكونوا أبدا أمناء على مصالحه ،فكان لزاماً على الجيش المصري التدخل بعد خروج السواد الأعظم من المصريين إلى الشوارع حفاظا على امن الدولة ودرءا للفتنة والاقتتال الطائفي ،نفس الشعب الذي نزل للشارع  لعزل مبارك هو نفسه الذي نزل لعزل مرسي لكن هذه المرة ليست ب "ثورة" بل سيسميها الإخوان وأنصارهم ب"الانقلاب العسكري" بين عشية وضحاها تغيرت  تسمية الحراك الشعبي و أصبح بتسميتين متناقضتين ومتعارضتين !!! .

   بل الطامة الكبرى عندما يخرج أحد القياديين الإخوان ويقول بأن "عزل مرسي أكثر من هدم الكعبة "مقام الرسول الأكرم، أو أن "جبريل حضر إلى ميدان العدوية" لإضفاء ما يشبه نوعا من القداسة على الإخوان لكن في حقيقة الأمر هذا يعطي الإنطباع على مدى استبلاد و استحمار الشعوب من طرف من نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين، فعوض أن يعترف قياديو الإخوان بفشلهم في التسيير لعدم تعودهم على ممارسة الحكم، ظلوا متمسكون بشرعية لا وجود لها إلا في ميدان رابعة العدوية، واستوديوهات قناة الجزيرة القطرية البعيدة عن المهنية والموضوعية في تغطية الأحداث، والتي ما هي إلا بوقا لمشيخة قطر.

     جماعات الإسلام السياسي لا تعرف معنى الإختلاف أو التعدد إلا في تعدد الزوجات، وهذا ما يجعلها ترفض من يعارض أفكارها ومشاريعها وتعمل على استعمال كل أنواع العنف الرمزي والمادي ضد خصومها  وهذا ربما كما يقال أنه عندما تفشل هذه الجماعات في قوة خطاب تلجأ إلى خطاب القوة ، أن تستعمل التيارات الإسلاموية كل الأساطير فهذا شيء عادي، وأن تستعمل سلاحها الفتاك والخطير وهو تكفير معارضيها واتهامهم بالزندقة والإلحاد أيضا عادي لأننا تعودنا على ذلك، لكن أن يصل الأمر إلى الإرهاب المادي وتصفية الخصوم من  مفكرين، وأدباء،وسياسيين فهذه جريمة في حق الإنسانية وتتعارض مع مضامين القرآن الكريم، وبقية الكتب السماوية ،كما تتعارض أيضا مع مبادئ وقيم حقوق الإنسان المتعارف عليها كونيا،ولأن الحياة حق  للجميع تكفله كل الشرائع السماوية وكافة القوانين الوضعية.

   تصفية معارضي من يتخذون  الدين وسيلة  لمآرب وغايات سياسية محضة لمعارضيهم ومنتقديهم سياسيا وفكريا ليس جديدا علينا،سواء لدى الإسلامويين أو لدى الكنيسة خلال العصر الحديث،فلنا في التاريخ عدة أحداث دموية أليمة أدت إلى تصفية منتقدي الدولة الدينية جسديا ، فقبل حادثة الإغتيال المدوية التي هزت تونس قبل  أيام والتي راح ضحيتها المناضل والمفكر التونسي " محمد الابراهيمي" برصاصات قاتلة أطلقها عليه متشددين دينيين قرب منزله،وأخرى بليبيا سقط ضحيتها أيضا واحدا من أبرز منتقدي المشروع الإسلاموي بليبيا السيد " عبد السلام المسماري " وقبلها بشهور اغتيال المعارض التونسي البارز "شكري بلعيد" من قبل أيادي الغطرسة والتعصب الديني والطائفي،خصوصا بعد وصول حزب النهضة ذو التوجه الإسلاموي إلى السلطة ما يؤكد بالملموس والمحسوس وحتى المدسوس حماية وتشجيع هؤلاء المجرمين أعداء الرأي الآخر والتعدد و الاختلاف ،وإطلاق مرسي سراح مرتكبي جريمة اغتيال شهيد الكلمة المفكر والعالم المصري  "فرج فودة" ما هو إلى دعم لارتكاب مزيد من المجازر والجرائم ضد من يختلف مع الأصوليين، وحسب الدكتور فرج فودة فإن الرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف (1)  ،وقد قتل فرج فودة عام 1992 بعد أن أفتى أحد شيوخ الفتنة بقتله لأنه علماني وأثناء خروجه من مكتبته ، وفي مصر كذلك" أقام اسلاميون دعوى الردة على محمد عبده من أجل أغنية ،وأصدروا حكما بردة ناصر حامد أبو زيد، وغرس اسلاميون آخرون خنجراً في رقبة نجيب محفوظ من أجل أولاد حارتنا" (2) ،وفي السودان قتل  جعفر النميري الفيلسوف "محمد محمود طه" سنة 1985والمحامي والناشط في مجالات حقوق الإنسان "غازي سليمان" (3) ،كما قتل الارهابيين الموالين لحزب الله اللبناني "مهدي عامل"و حسين مروة" وهؤلاء كلهم ضحايا  لذوي فكر متعصب ومتحجر يدعي أصحاب هذا الفكر امتلاك الحقيقة المطلقة ، أيضا ضد كل دعوة إلى تحرير الدين من هؤلاء المتاجرين ،وفصله عن السلطة التي تبقى مجالا للإختلاف وتبادل المصالح لأن السياسة ليست ثابتة، وبالتالي لم لا نحذو حذو الأوروبيين اللذين حرروا الدين من أيدي الكنيسة التي كانت تقمع الحريات وتمنع العلوم وتقمع الناس باسم الدين،لكن بشجاعة التنويريين استطاعوا الوصول إلى قيام الدولة المدنية الديمقراطية التي تعترف وتحترم مواطنيها على مبدأ المواطنة وعلى قدم المساواة  بغض النظر عن اختلاف مشاربهم السياسية والعقائدية وليس من المنظور الديني أو الطائفي.

  وفي تسعينيات القرن الماضي اغتالت آلة الأصوليين بالجزائر الفنان والمناضل الأمازيغي "معتوب لوناس"  بعد إصابته بخمس رصاصات كذلك بسبب انتقاداته اللاذعة للتنظيمات الإسلاموية ومشاريعها الإقصائية ودفاعه المستميت عن التعدد اللغوي والعلمانية واللامركزية ببلاده، كما أكثر من 60 مثقفا من بينهم "محمّد بو خبزة وبختي بن عودة وسعد بختاوي وعبد الرّحمان شرقو، ويوسف فتح اللّه وزيان فرحات ويوسف سبتي، وعبد القادر علولة وزيان فرحات وغيرهم" (4)ووصل الأمر بالسلفيين المغاربة بتهديد المثقفين والمفكرين حيث يتم تكفير كل من خالفهم الرأي،وفي إحدى الرسائل التهديدية التي بعثها المتأسلمين المغاربة للمثقف والناشط الحقوقي احمد عصيد  في أواخر القرن المنصرم ما يلي:"لنسلخنك كما تسلخ الشاة،ولنقتلن الأهل والأولاد..." (5) وبالنسبة للدولة الوهابية بالسعودية فجرائم الفكر فهي مقننة تقودها عائلات آل سعود ويتم جلد وذبح الإنسان كما تذبح المواشي في عيد الأضحى،  حتى أصبح من المحرمات أن يعبر السعوديين عن أفكارهم وتوجهاتهم،أما الشيعة فتعاملهم الدولة على أنهم عبيد وكفار،وهذه المشاهد التراجيدية تتكرر كثيراً بإيران بحيث "لم يكتف الاسلاميون في اضطهادهم للمثقفين بالرقابة،بل عززوها بالتكفير والقتل،فقد ظل الخميني طوال حياته يفتخر بالفتوى التي أصدرها بقتل المفكر الايراني احمد كسراوي"(6).

    تبقى هذه الإغتيالات مهزلة منقوشة على جبين المتأسلمين، لكن يبقى السؤال الذي يؤرقنا ،متى سيتم القطع مع هذه الجرائم التي راح ضحيتها أشخاص لا ذنب لهم سوى أنهم عبروا عن آرائهم بكل حرية ؟والحرية غالبا ما يكون ثمنها غاليا،لكننا اليوم أمام تحدي محاربة المتعصبين جماعات كانوا أو أفراد،والسبيل إلى ذلك هو تبني خيار العلمانية للخروج من هذا النفق المظلم ولأن لا ديمقراطية بدون علمانية،و العلمانية هي مفتاح المواطنة الكاملة بين الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم ويتساوى فيها المواطنين مهما اختلفت عقائدهم، ولأنها كذلك حماية للدين من المتاجرين والمتعصبين اللذين لم ينتجوا لنا غير الهزائم وجعلوا منا أمة يضرب بها المثل في التخلف والانحطاط في كل المجالات.

المراجع:

(1)  الارهاب ص 15، فرج فودة مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب

(2)  اسلاميون ومثقفون مشروع اضطهاد ،الاخضر عفيف

(3)برنامج "صناعة الموت" على قناة العربية

(4)رجاء بن سلامة، إيلاف 31/أكتوبر/2004

(5)الأمازيغية في خطاب الاسلام السياسي، احمد عصيد

(6)  اسلاميون ومثقفون مشروع اضطهاد ،الاخضر عفيف

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع