المقالات

من هو الإفريقي؟

محمد زروال

تتردد كلمتي إفريقي وإفريقيا كثيرا في حواراتنا اليومية خاصة  عندما يتعلق الأمر بكرة القدم أو الهجرة السرية، كما أنهما تحضران بكثافة في وسائل الإعلام والبرامج الدراسية، وهي مسألة عادية جدا ما دام أننا نشكل جزءا من هذا المجال الجغرافي الذي ينتمي  إلى ما يسمى بالعالم القديم إلى جانب القارتين الأسيوية والأوربية ،  بل تشير الدراسات التاريخية أن إفريقيا هي مهد الحضارة الإنسانية،  حيث اكتشفت فيها أقدم السلالات البشرية، تبلغ مساحتها حوالي 30 مليون كلمتر مربع،  وتضم 54 دولة. ألفت عدة كتب حول إفريقيا وتاريخها ومن أشهرها كتاب " تاريخ إفريقيا " للحسن بن الوزان المعروف بليون الإفريقي،  ثم كتاب " تاريخ إفريقيا الشمالية"  للمؤرخ شارل أندري جوليان، كما نجد في الخريطة السياسية الإفريقية دولتين تحضر فيهما كلمة إفريقيا وهما دولتي جنوب إفريقيا وإفريقيا الوسطى، وبالعودة إلى التاريخ الوسيط نعثر على  تسمية أفريقية التي كانت تطلق على الأراضي التونسية الحالية تقريبا،  وكثيرا ما يختلط الأمر على البعض  بين أفريقية وإفريقيا.  تقطن بالقارة الإفريقية شعوب وأعراق كثيرة وتتميز بغنى وتنوع حضاراتها وثقافاتها،  .

لا يقتصر حضور كلمة إفريقيا عند المغاربة الذين سمحت لهم الظروف بتلقي قسط معين من التعليم،  بل نجدها حاضرة في تداول الأشخاص غير المتعلمين،  وهنا استحضر لقطة من الفيلم الوثائقي  " محاولة فاشلة لتعريف الحب " للمخرج حكيم بلعباس حيث دار حوار بين زينب ومحمد حين سألته عن حجم الحب الذي يكنه لحبيبته عائشة وأجاب بأنه يحبها بحجم إفريقيا، هذه إشارة إلى أن إفريقيا حاضرة في وجدان الإنسان المغربي في قراه ومدنه،  عند المتعلمين وغير المتعلمين، كما أنها مرتبطة في تمثل الكثيرين بالشساعة،  لكن هناك تمثلات أخرى خاطئة غرست في تفكير المغاربة عن طريق وسائل الإعلام أو الكتابات الاستشراقية....

من بين التمثلات الخاطئة،  تلك المتعلقة بارتباط الإفريقي باللون الأسود،  ففي الأيام القليلة الماضية برزت في صفحات الكثير من الأصدقاء في الموقع الاجتماعي الفايسبوك مجموعة من الصور تتضمن عبارات" ممنوع الكراء للأفارقة " ولو تمعنا فيها جيدا سنجد أنها ذات إيحاء عنصري مزدوج ،  الأول يتمثل في تنصيصها على منع الكراء للأفارقة دون غيرهم من الشعوب وهو أمر غير مقبول لأنه لا يوجد أي حق يحول دون استفادة أي كان من حق السكن لأن هذا الأخير حق من حقوق الإنسان الذي نصت عليه كل المواثيق الدولية ، والثاني يتجلى في كون المقصود بالأفارقة في تلك العبارات هم الأفارقة السود فقط ، وهي عنصرية مضاعفة لأن السكن حق للجميع ولا يرتبط الحصول عليه باللون أو اللغة أو أي شيء أخر. هذه الأفكار ترتبط بالفهم الخاطئ لمعنى الأفارقة الذي لا يشمل الأفارقة السود فقط،  بل يقصد بهم أيضا سكان شمال إفريقيا البيض أمثالهم في جنوب إفريقيا، ولا أعتقد أن مالك المنزل الذي كتب عبارة "الأفارقة" كان  يقصد منع الكراء على  الليبيين والمصريين والجزائريين والتونسيين.

إن الذين ينساقون وراء التسميات العرقية للشمال الإفريقي يسقطون ضمنيا في الطرح الذي يعتقد أن كل الأفارقة سود،  فعندما يقولون "المغرب العربي"  فإنهم  يربطون  الشمال الإفريقي بالمشرق العربي،  وبالتالي بقارة أخرى ومجال أخر وذهنية أخرى،  في حين أن تسمية المغرب الكبير التي تقترحها الحركة الأمازيغية هي الأقرب إلى المنطق الجغرافي والتاريخي.  فلا يعقل أن تربط بلدان الشمال الإفريقي بفضاء بعيد و تفصل عن ارتباطها العميق بالأرض الإفريقية.

يتجلى هذا النزوع نحو الشرق في الاستراتجية السياسية للمغرب مثلا في دخوله قبل سنوات في مفاوضات للانضمام إلى اتحاد مجلس التعاون الخليجي،  ومؤخرا تمت مناقشة إمكانية مشاركة المنتخب المغربي لكرة القدم في كأس هذا الاتحاد الإقليمي،  وهذا يؤكد أن الساسة المغاربة يربطوننا بالشرق أكثر من ربطنا بعمقنا الإفريقي. نفس الشيء تكرسه الوثيقة الدستورية التي تنص على أن الهوية المغربية غنية برافدها الإفريقي كأن المغرب دولة في الغرب الأسيوي و مقوماته الإفريقية عبارة عن رافد رافق هجرة القبائل الإفريقية السوداء إلى المغرب في أزمنة تاريخية سابقة.

لعبت الكتابات الاستشراقية دورها أيضا في هذا التمثل  فإلى حد الآن لازال الإفريقي في نظر الأوربيين هو ذلك العبد الأسود الساذج الذي يستطيع القيام بكل الأعمال الشاقة بفضل بنيتيه الجسدية القوية ، ولم تخرج من ذاكراتهم رحلات تجارهم من السواحل الإفريقية في اتجاه العالم الجديد محملين سفنهم بالآلاف الأفارقة السود للاشتغال في مزارع ومناجم القارة الأمريكية. نفس المعنى تذهب إليه القواميس الفرنسية فمثلا معجم  le robert micro  يشير في شرحه للأفارقة إلى الأفارقة السود.

تتحمل بعض  وسائل الإعلام مسؤوليتها أيضا في هذا التمثل الخاطئ عن الإفريقي ، لأنه تسوق له بوعي أو عن غير وعي،  ففي نشرا ت الأخبار مثلا  يتم الحديث عن المهاجرين الأفارقة،  ولا أحد من المستمعين يضع في ذهنه أن المعنيين بالأمر قد يكونون من الجزائر أو تونس،  بل يذهب تفكيرهم مباشرة إلى المهاجرين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

نحن في حاجة إلى تصحيح الكثير من تمثلاتنا حول الكثير من القضايا والمواضيع التي تهم مستقبل البلد، لأنه سوف يأتي يوم نحاول فيه العودة إلى ذواتنا فيكون الوقت قد فات،  اللهم إني قد بلغت.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع