المقالات

حول معيرة اللغة الأمازيغية

حسن ايت اعمر

لا جدال في أن معيرة اللغة الأمازيغية يشغل بال كل المهتمين بالحقل الامازيغي ، و أن كل الجهود المبذولة في هذا الإطار ، أفراد و مجموعات ، محمودة . إلا أن من بين الإشكاليات المطروحة هي :

-          أولا : هل المعيرة تصبو إلى توحيد اللسان الامازيغي نطقاو كتابة ؟

-          ثانيا : هل الغاية من المعيرة هي الوصول إلى لغة امازيغية عالمة ؟

لعل ما دفعني إلى مناقشة هذا الموضوع ، هو ذلك النقاش الجانبي الذي أثير بيني و بين أستاذ مجاز في الدراسات الامازيغية (ذو تكوين أكاديمي في هذا المجال)،  حول هذا الموضوع , و الذي قال بصريح العبارة : أن المعيرة ستوحد الامازيغية نطقا و كتابة ، و أضاف : انه بمجرد معيرة الامازيغية ، ستندثر كل اللهجات رويدا رويدا ،و يجب على التعليم و الإعلام أن يقوما بهذه الوظيفة على أحسن وجه و في اقرب الآجال. و فهمت من كلامه : انه مستقبلا ، ستتواصل كل المناطق الامازيغية بلغة واحدة موحدة ، في البيت و الشارع و المدرسة و في كل الفضاءات ، أتمنى مسبقا أن يكون فهمي هذا خاطئا .

إن الطرح الذي ينبني على هذا التصور ، ليعد امتدادا لسياسات قديمة بدأت مع الادارسة لتوحيد اللسان المغربي (و أركز عل التوحيد النطقي )في لغة واحدة (اللغة العربية ) ، هذه السياسات التي جنت الويلات على كل اللغات و الثقافات المختلفة (و ضمنها اللغة و الثقافة الامازيغيتين) عن اللغة الواحدة "الموحدة". ألم يكن الهامش و المهمشون(سكان المغرب العميق و مغرب الجبال و الصحاري) الضامن الأول و الأخير للحفاظ على اللهجات الامازيغية ، منذ القدم ( قبل الميلاد) وفي وجه أقوى الإمبراطوريات آنذاك، هذه اللهجات الخلاقة التي تتكيف مع كل المتغيرات و تواجه بعفوية بالغة كل أشكال الاستلاب . سيقول قائل أنني من دعاة الحفاظ على اللهجات مشتتة و مبلقنة ، و أن ابن الريف لن يتواصل مع ابن سوس و أن هذان لن يتواصلان مع ابن الأطلس أو ابن الجنوب الشرقي ...  . أشار المرحوم محمد عابد الجابري في"أضواء على مشكل التعليم في المغرب"، فيما معناه أن القضاء على كل اللهجات البربرية ليعد مدخلا أساسيا لإصلاح منظومة  التربية و التعليم بالمغرب ،(القضاء على اللهجات الامازيغية من الخارج) هذا التصور الذي هدم الواقع و كل العلوم الإنسانية الحديثة (السوسيولوجيا ، الانتروبولوجيا ...)بنيانه و مصداقيته . لكن الخطير هو الطرح الذي ينطلق من بناء اللغة الامازيغية المعيارية على أنقاض اللهجات الامازيغية (القضاء على اللهجات الامازيغية من الداخل )و يباشر القضاء العاجل ،بواسطة المدرسة و الإعلام و كل الوسائط ، على أصوله (اللهجات الامازيغية المختلفة) ، الشيء الذي سيجعل هذه اللغة المعيارية لقيطة و بدون منابع للتجديد و النمو ، بينما اللهجات الامازيغية ستجيد قريحتها بالمزيد من الإبداع و تسخر من الشكل الكاريكاتوري و الهجين  للغة الممعيرة  المحصل عليها .

نعلم علم اليقين أن كل اللهجات الامازيغية في غابر الأزمنة منبثقة من لغة أمازيغية واحدة ، لكن أمام مجموعة من العوامل البشرية و التاريخية و الجغرافية والسياسية ... وصلنا إلى المشهد المعاصر ، سنراهن على توحيد اللسان الامازيغي ، و الرجوع إلى الأصل اللغة الأم المشتركة،على المدى الطويل (قرونا و قرونا) . من هنا يمكن أن اخلص إلى أن كل محاولة  تستهدف التوحيد النطقي للهجات الامازيغية في الوقت الراهن لضرب من ضروب العبث و اللاعقلانية .

ان المطلوب اليوم هو الانكباب على معيرة اللغة الامازيغية العالمة (لغة التدريس ، إنتاج الآداب، لغة العلوم و التكنولوجيا ...) ، لغة النخب التي ستغني الحقل الامازيغي بكل الانتاجات ، لغة الباحث ، اللغة الممكن تعلمها من طرف الغير الناطق بها . أما إذا بقينا في الدائرة الضيقة المتمثلة في تقويم الاعوجاج اللهجي للاما زيغ و الامازيغية فلن يفيد اللغة الامازيغة في شيء ، كما أن هذه المقاربة ستفوت على الحضارة الإنسانية فرصة  الاستفادة من الإرث الامازيغي من آداب المقاومة و شعر الممانعة ، و هندسة معمارية ...  .و الأفظع من ذلك التعتيم  و العزلة المفروضان على قيم العدل و المساواة و التسامح و التعايش المميزة للشعب الامازيغي ، و يصنف عن جهل و فظاظة في خانة تتضارب مع القيم الإنسانية الأنفة الذكر ، بحكم عوامل دينية و سياسية ...

في الختام إن الرهان على لغة امازيغية معيارية عالمة هو الذي سيبعث في اللغة الامازيغية و تقافثها ذلك الإعجاز الذي يميزها منذ الحقب الغابرة ، والذي مكنها من الصمود رغم ما اشرنا إليه سالفا .

 

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

التعليقات   

 
0 #1 ⴰⵖⴰⵣⴰⴼ ⵎⵓⵃⵎⵎⴰⴷ 2013-07-24 09:12
ⴰⵣⵓⵍ.ⵉⵍⵙ ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ ⵓⵍⴳⵉⵎ ⴰⴷ ⴷⵉⵖ ⵉⵍⴰⵍ ⵣⴻⴳ ⵡⴰⵎⵎⴰⵙ ⵏ ⵓⵢ-ⴷⴷⴰ ⵙ ⵙⴰⵡⴰⵍⵏ ⵎⴻⴷⴷⴻⵏ ⴳ ⵜⴳⴻⵎⵎⵉ ⴳ ⵜⵙⵓⴽⵜ.ⵉⴳⴰ ⴰⵢ-ⵏⵏⴰ ⵉⵏⴷⴰⵏ ⴰⵀⴰ ⵉⴳ ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ ⵙ ⵜⵉⵜ ⵏⴻⵖ ⵙ ⵓⵛⵔⴰⴷ.ⵖ ⵓⵙⵡⵉⵔ ⵏ ⵓⵎⴰⵡⴰⵍ ⴰⵢ-ⵏⵏⴰ ⵉⵍⵍⴰⵏ ⵏ ⵜⵡⴰⵍⵉⵡⵉⵏ ⵜⵉⵎⴰⵣⵉⵖⵉⵏ ⵜⵉⵕⴻⵚⵍⵉⵢⵉⵏ ⴰⴷ ⵇⵇⵉⵎⵉⵏⵜ ⵉⴷ ⴰⵢ-ⵏⵏⴰ ⵉⴽⵛⴻⵎⵏ ⵣⴻⴳ ⵉⵍⵙⴰⵡⵏ ⵢⴰⴹⵏ ⴰⴷ ⵉⵜⵜⴻⵢⴰⴽⴽⴻⵙ.ⵙ ⵓⵎⴻⴷⵢⴰ ⴰⴷ ⵏⵉⵏⵉ ⵉ ⵉⵛⵉⵔⵔⵉ ⵉⴳⴰ ⵜ ⵡⴰⵣⵣⴰⵏ ⴷ ⵓⵃⴻⵏⵊⵉⵔ ⴷ ⵓⴱⵓⵛⵉⵍ ...ⵉⴷ ⵖ ⵓⵙⵡⵉⵔⵏ ⵉⵎⴰⵙⵙⴻⵏ ⵏ ⵉⵍⵙ ⴰⵎⵎ ⵡⵉ-ⵏ ⵓⵙⴻⵇⵙⵉ ⴷ ⵜⵔⴰⵔⵉⵜ ⵏⴻⵖ ⵡⵉ-ⵏ ⵜⴼⴰⴷⴰ ⴰⴷ ⵇⵇⵉⵎⵉⵏ ⴰⴽⴽⵯ,ⵙ ⵓⵎⴻⴷⵢⴰ ⴰⴷ ⵏⵉⵏⵉ ⵎⴻⵛ,ⵉⵖ ⵉⴳ,ⵉⵃ,ⵉⵏⵃ,ⵎⴻⵔ.. .ⵉⴷ ⵖ ⵓⵙⵡⵉⵔ ⵏ ⵜⵎⵉⵊⴰ ⵓⵔ ⵉⵍⵍⵉ ⵎⴰⵢⴷ ⵉⵙⴼⵓⵍⵜⵓⵏ ⵉⵎⴰⵣⵉⵖⵏ ⴰⵏⵛⵜ ⴰⵎⵓⵜⵜⴻⵢ ⵏ ⵢⴰⵍ ⵙ ⵢⴰⵔ ⴷ ⵢⴰⴷⵊ ⴷⴰⵔ ⵉⵜⵙⴻⵏ ⵉⵎⴰⵣⵉⵖⵏ ⵏ ⵓⴳⴰⴼⴰ ⵏ ⵜⵎⴰⵣⵉⵔⵜ ⵏⵏⴻⵖ.ⴰⵢ-ⴰ ⵢⵓⴼ ⵉⵙ ⵉⵜⵜⴻⵢⴰⴽⴽⴻⵙ ⴰⵛⴽⵓ ⴰⵔ ⵉⵜⵜⴻⵄⴽⴽⴰⵍ ⴰⵎⵓⴳⵣⵓ ⴳⴻⵔ ⵉⵎⴰⵣⵉⵖⵏ ⴷⴷⴻⵖ ⴷ ⵡⵉ-ⵢⵢⴰⴹ ⴳ ⵡⴰⵎⵎⴰⵙ ⵏⴻⵖ ⴳ ⵉⴼⴼⵓⵙ ⵏ ⵜⵎⴰⵣⵉⵔⵜ ⵏⵏⴻⵖ.ⵉⴷ ⵖ ⵓⵙⵡⵉⵔ ⵏ ⵜⵡⴰⵍⵉⵡⵉⵏ ⵏ ⵓⵙⵓⵏ ⵏⵏⴰ ⵓⵔ ⵍⵍⵉⵏ ⴳ ⵉⵍⵙ ⵏⵏⴻⵖ ⴰⵇⴱⵓⵕ ⴰⴷ ⵜⴻⵏ ⵏⴻⵖⵏⵓ ⵣⵉ ⵊⴰⵊ ⵏ ⵉⵍⵙ ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ ⵙ ⵓⵙⵏⵉⴽⴽⴻⵍ ⵖⵉⴼ ⵓⵢ-ⵏⵏⴰ ⴽⴽⴰⵏ ⵉⵎⴻⵣⵡⵓⵔⴰ ⴷⴰ ⵜ ⵙⴽⴰⵔⵏ ⵎⴰⵔ ⴰⴷ ⴰⴼⵉⵏ ⴰⵙⵙⴰⵖⵏ ⵉⵎⴰⵢⵏⵓⵜⵏ ⵏ ⵉⵙⴽⴽⵉⵏ ⵙ ⵓⵎⴻⴷⵢⴰ ⴽⴽⴰⵏ ⵙⵙⴰⵖⵏ ⴰⵏⵙⴰ ⵉⵍⵍⴰⵏ ⴳⴻⵔ ⵉⵙⴰⴼⴼⴻⵏ ⵙ ⵓⴳⴻⵔⵙⵉⴼ ⵀⴻⵢⵢⴰ ⴰⴽⴽⵯ ⵜⵉⵡⴰⵍⵉⵡⵉⵏ ⵜⵉⴼⵕⴰⵏⵚⵉⵚⵉⵏ ⵉⵜⵜⵓⵏⵜⴰⵢⵏ ⵙ "Inter"ⵏⴻⵣⴹⴰⵕ ⴰⴷ ⵜⴻⵏ ⵏⴻⵖⵏⵓ..ⵉⵎⵛⵉ ⵙ
اقتباس
 

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع