المقالات

المثقف الامازيغي في حضرة السلطان

حسن أيت اعمر( تنغير )

_ مقدمة :

أصدرت دار أبي رقراق للطباعة و النشر , النسخة العربية لرواية الموريسكي لحسن أوريد (الناطق الرسمي السابق باسم القصر , والي سابق , مؤرخ للمملكة لفترة , قبل أن يغيب عن الأضواء الرسمية ). اصدر الكاتب مجموعة من الأعمال مثل : الحديث و الشجن , فيروز المحيط , مرآة الغرب المنكسرة ...                                                                               

      ألف أوريد رواية الموريسكي باللغة الفرنسية , لتكون حديثا للأخر حسب قوله في مقدمة النسخة العربية (ص 10) , وترجمت الرواية إلى اللغة العربية من طرف عبد الكريم الجويطي , و تمت مراجعة الترجمة من طرف المؤلف نفسه .  

_ عن رواية الموريسكي :

استقيت الرواية من السيرة الذاتية لأحمد شهاب الدين أفوقاي , من خلال كتابه ’’ ناصر الدين على القوم الكافرين ’’. شهاب الدين فر من الأندلس  إلى المغرب ,خوفا من محاكم التفتيش , و التحق بديوان السلطان السعدي احمد المنصور الذهبي. كانت له دراية كبيرة بالديانتين اليهودية و المسيحية , كان يمثل مايمكن أن نطلق عليه اليوم : حوار الحضارات ( حوار الأديان آنذاك) .

الرواية في مجملها تحكي عن مأساة الموريسكيين , المطرودين من الأندلس , و استوطنوا بعض الحواضر المغربية : سلا , فاس , تطوان , شفشاون .

تنقسم الرواية إلى الفصول التالية  :

1-بلدة الحجر الأحمر في خاصرة جبال البشارات 1585 – 1595 .

2-مراكش 1598 – 1603( هذا الفصل الذي سنركز عليه في قراءة و تحليل وضعية المثقف الامازيغي في حضرة السلطان ) .

3- أمستردام 1611.

4-مراكش 1613 .

5- سلا الجديدة 1615-1637 .

6- توزر 1642 ( مدينة تونسية ).

قال حسن اوريد في مقدمة النسخة العربية لرواية الموريسكي (ص 9 و10) :'' نعم , تصرفت في حياة أفوقاي , ووظفت المادة التاريخية , مع احترامي لسداها , لأني أكتب رواية . فالجانب الذاتي حاضر قوي في هذا العمل . فعملي هذا ليس حكيا لسيرة أفوقاي , ولا تأريخ للموريسكيين بالمعنى الدقيق للتأريخ .. هو رواية استقيت مادتها من التاريخ , و من مأساة إنسانية , لأعبر عن قضايا راهنة .. فالموريسكي , في نحو من الأنحاء هو <<نحن>> المرحلون من ثقافتنا الأصلية , و من دفعنا إلى ثقافة <<المهجر>>, و توزعنا بين الاثنين .. آهة الموريسكي , في عملي , هو انتفاضة ضد وضع جامد , يتكرر بوجوه جديدة . هو اكتشاف للنص الأصلي لتاريخ المغرب الحديث الذي رسمه أحمد المنصور الذهبي ,في توجهات الدولة المغربية ,في أسالبيها , في طقوسها ,في مراسمها ,في مظاهر عظمتها و أفولها , في رجالاتها من <<المرتدين>> و المرتزقة , و شعراء البلاط , و مؤرخيها, و كتابها. ثم النسخ التي تختلف قوة و ضعفا التي يحملها آخرون في سياقات مختلفة , مع فاعلين أخر .. تكاد أن تكون لعنة , و لكن <<الموريسكي>> لا يستكين لهذا القدر .. في قرية من قرى جنوب تونس , توزر, يسدل شهاب الدين أفوقاي سجادته عقب كل صلاة الفجر , و يرمق الشفق , كأنما ينتظر شيئا ما .

وفي قرية من قرى جنوب تونس , سيدي بوزيد , تحرك التاريخ , لكي يزعزع الوضع القار الذي كان سبب آهة موريسكينا ,(...)''.

بما أن الجانب الذاتي للكاتب حاضر بقوة , فيمكن طرح السؤال التالي : أيهما اقرب إلى ذاتية الكاتب ؟ أفوقاي أو أنتاتي ؟. فأنتاتي هو نموذج المثقف الامازيغي في بلاط السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي . كما  أن للرواية راهنيتها , فهل هناك قواسم مشتركة بينه وبين المثقف الأمازيغي (المتماهي مع السلطة)في وقتنا الحالي ؟

أثناء وصول شهاب الدين إلى بلاط أحمد المنصور الذهبي بمراكش ، عينه السلطان ككاتب في البلاط السعدي مكلفا بترجمة المراسلات الواردة من قشتالة .

" كان علي أن أتعرف على كاتبين شابين سيكونان زميلين لي . كان جاري مثقفا ، كامل الرجولة ، و متكتما يسمى أنتاتي . كان يقضي سحابة يومه قارئا و لم يكن يخالط إلا شابا ، ابن مرتد ،(...) . كان أنتاتي و دوغا زميلي طيلة المدة التي قضيتها في ظل حكم السلطان مولاي أحمد المنصور . و بقدر ما كان الأول لامعا بخصاله الإنسانية  و الفكرية بقدر ما كان الثاني يتميز باندفاعه و تهوره " (ص 76 – 77 ) . إن أول من احتك به الموريسكي شهاب الدين ، هو أنتاتي (نموذج المثقف الامازيغي )، و لعل ما يتميز به أنتاتي من الخصال الإنسانية و الفكرية  ، هو ما جعل شهاب الدين يتأثر به  ، و يسترسل في رصد كل جزئيات يومياته في البلاط السعدي . كما أن كاتب الرواية أورد نقاشا جريئا دار بين الفشتالي (القريب من السلطان السعدي ، شاعر البلاط ،المهووس بالمظهر في الخطاب و الهندام  ،  المتملق ، و المتصف بذلاقة اللسان و الوشاية ...)و أنتاتي( المتصف بالخصال الإنسانية و الفكرية ) ، نجد فيه :" و قد كنت شاهدا ذات يوم  على مشهد يوضح بجلاء الهوة الثقافية التي تفصل أنتاتي عن الشاوي (الفشتالي). بادر الشاوي أنتاتي في باحة القبة الخضراء بما كان أشبه بالاستفزاز :

-        أمازلت أيها الامازيغي ترفض اعتمار الطربوش رغم أنها تعليمات مولانا السلطان ؟

-        اعتمر أجدادي دوما العمامة . الأتراك ليسوا أجدادي ، رد أنتاتي .

-        و متى كان أجدادك مرجعا !؟

-        و متى كان أجدادك كذلك ، إن كنت تعرفهم ؟

-        كنتم لا تسكنون إلا المغارات ، حين ..

-        .. حين أوقفتم دورة حضارتنا . انك لا تعرف التاريخ يا الشاوي ..

-        أنت جاحد ، بفضل سيدي تعلمت العربية و صار بمقدورك التخاطب بلغة متحضرة .

-        روحي بقيت أمازيغية .

-        إنكم خونة .

-        ليست هناك خيانة أكبر من انتزاع الأرض من مالكيها ، و طمس ذاكرتهم بالأكاذيب و الأراجيف .

-        سيدي ينحدر من النسب الشريف ، و شجرة نسبه تثبت ذلك ، شئت أم أبيت !

-        و متى كان لفروج النساء أقفال ؟

-        أي وقاحة هاته !

-        الوقاحة الكبرى هي تشويه الحقيقة ، ثم ألا يتعارض مع الإسلام الإقرار بتمييز على قاعدة عرقية أو دم شريف ؟

-        ستؤدي غاليا ثمن تنطعك .

-        ستؤدي غاليا ثمن حماقتك .

-        أنتم صالحون للإبادة .

-        أعرف الحب الذي تكنونه لنا ، لكننا لن نمتعكم بمشهد اختفائنا . في كل منعرج ستلقوننا. سنتحول إن لزم الأمر ذلك . و يمكننا أن نصير شرفاء بالمناسبة ، لكن لن نختفي أبدا .

-        لو كان الأمر بيدي لقتلتك .

-        لكن الأمر ليس بيدك .

-        يا للمهانة ، لغة عربية جميلة تخرج من فم من لا يوقر العرب .

-        المهانة الكبرى هو أن يعمد عربي ، أو من يدعي أنه عربي ، إلى سب الامازيغيين في عقر دارهم .      

اختفى الشاوي و هو يرغي و يزبد .كنت مذهولا لما سمعته . التفت نحو أنتاتي بعد أن اختفى الشاوي و قلت له :

-         لست أمازيغيا سيدي إبراهيم .

-         يا شهاب الدين ، أنا لست أمازيغيا إلا للذي يريد أن يكون عربيا قحا بالقوة . وحده الله يعرف حقيقة الأصول العرقية . ثم أذلك مهم ؟

لم يكن أنتاتي يخص شاعر البلاط الفشتالي بالود . عدة أشياء تفصلهما . كان الفشتالي ينحدر من قبيلة عربية ،و كان أنتاتي أمازيغيا قحا . و كان الأول يتبنى إسلاما أصوليا، و لهذا كان يبدو متشددا ، أما الثاني فكانت له رؤية فلسفية للدين ، و لذا كان محتفظا بمسافة نقدية تجاهه . لكن كانت هنا أشياء مشتركة بينهما : إتقانهما للغة العربية و إعجابهما بالمتنبي لأسباب مختلفة (...) ."(ص : 78 و 79 ) .    

  بما أن للرواية راهنيتها  ،حسب أوريد ، فالسؤال المطروح هو : من المقصود بالشاوي الذي تزامن وجوده في البلاط تواجد أوريد ( شهاب الدين \ أنتاتي   ) ؟ مع علمنا المسبق  بالشاوي الذي كان من رجالات القصر في حقبة زمنية .

إن المشهد السابق بين أنتاتي و الفشتالي ، كان منطلقا للكاتب في سرد المزيد من حياة أنتاتي ، و أن ينفذ إلى أعماق معنى اسمه أنتاتي ، و رفضه لتحريف كل الأسماء الامازيغية من خلال تشبثه  باسمه غير محرف أنتاتي بدل هنتاتي الذي ينادى به في البلاط."كان أنتاتي يرفض أن ينادى باسمه كما يحدث دائما ، هنتاتي ،(...) مثلما هو الحال في كلمات أخرى مثل زناكة التي صارت صنهاجة ، و شتوكة التي تنطق هشتوكة ، أزرون (الصخور) التي صارت زرهون . لم يكن ذلك جزئية بالنسبة لانتاتي الذي كان يريد أن يبقى على ما هو عليه : أما زيغي .أنتاتة شعبة من الكنفدرالية القبلية لمصمودة التي ظهر بداخلها حركة الموحدين و بنو عمومتهم الحفصيين الذين حكموا تونس "(ص 87 ). إلى ماذا يحيل إطلاق اسم الحركة على الموحدين ، و الإشارة إلى الدولة الحفصية  في تونس ؟ ألم تبلغ دولة الموحدين أقصى ما يمكن في شمال إفريقيا  , أم أن للحركة معنى راهنيا (حركة 20 فبراير) و بالضبط إذا ما اقترنت بتونس ( حرق البوعزيزي لجسده كشرارة لثورات الشعوب التواقة للحرية و العيش الكريم ...) . ولعل ما يعزز ذلك إن معانات الأمس تتكرر اليوم تحت مسميات أخرى ."أنتاتي من قبيلة مدحورة ، لكن و في اندحارها تحولت إلى ارستقراطية في قلب الجبل (...). و حين دخل السعديون بلاد سوس قضوا على بقايا الارستقراطية الامازيغية . و قد احتفظ أنتاتي بمرارات ما وقع من خلال محكيات ذويه .لا يمكن للمرء أن ينسى حملات النهب و السلب و الحقول المحروقة و الأطفال المروعين و الكبار مقطوعي الرؤوس أو مقيدين بالأغلال ، حتى حين يهزم ، و خاصة حين يهزم ."(ص87 ).

إن المستوى التعليمي لانتاتي هو الذي أهله -حسب زعمه في البداية- لتولي مهمة كاتب في حاشية احمد المنصور الذهبي فور توليه الحكم : "تلقى إبراهيم أنتاتي تعليمه ألأول في مسقط رأسه بتالات ن يعقوب ثم جاء لاستكمال تكوينه بجامع سيدي يوسف بن علي في مراكش ، و حين تولى مولاي أحمد المنصور  دفة الحكم اتخذه كاتبا في حاشيته . فيمكن إن يكون مفيدا . فهو يعرف جيدا عالم الجبل ، ثم ليس هناك أنبل من خدمة من ارتضاه الله لخدمة عباده .(...). في هذا السياق التحق أنتاتي ببلاط السلطان السعدي . كان يعتقد أن السلطان صادق ، و بينت له مجريات الأمور اللاحقة بأنه كان مخطئا . فالمنصور ، كما قال لي أنتاتي ، كان يريد أن يمسك به كرهينة . و لماذا ، سألته :

-         لا أعرف ، شهاب الدين ، الجبل ليس محل ثقة بالنسبة للماسكين للسلطة ، ربما ينبغي فصله عن نخبه .

      و أعترف لي بأنه عانى كثيرا من اختزاله إلى لا شيءأو أقل من لا شيء . صورة تزين البلاط ، و تحفة من بقايا مصمودة .انتقام رائع  للشريف السعدي . كان أنتاتي يعرف بان المنصور لا يحب الامازيغ و يتظاهر بأنه لا يدرك ذلك .حينما تكون موازين القوى غير متكافئة من الأفضل أن يلعب الواحد دور الأبله " ... يتبع

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع