المقالات

الإختناقات .. الأزمات .. الزعامات

أ.د. فتحي سالم أبوزخار

الأزمة والزعيم:

أي اختناقات سياسية، اقتصادية، أو اجتماعية قد تتحول إلى أزمات .. وعندما تتحول المشكلة إلى أزمة .. يتصدى لذلك العديد ممن يأنسون ، وقد يتوهمون،  في أنفسهم القدرة على التصدر للقيادة والتوجيه.

الزعامة الأثنية أو المناطقية:

أي شعب ضمن حدود بلاده الإدارية المصطنعة، كنتيجة لساسيبيكو لمرحلة ما بعد الاستعمار أو كرغبة من العولمة الجديدة، إذا تعرض لاختناقات اجتماعية نتيجة ظروف سياسية اقتصادية سيودي ذلك لأزمات قد تضع البلاد على حافة الهاوية. هذه الأزمات مبعث لعدم الاستقرار بالدولة .. ودولة مثل ليبيا نجح المقبور في تقطيع أوصالها، واستمدت استمراريته من تبادل تغليب مناطق على مناطق، وقبائل على أخرى، وخلق أزمات أثنية ..   فقد ساعد هذا في خلق بيئة مناسبة لظهور المنقذين أو الزعماء.. ويبدأ حراك الإنقاذ من الأزمة بصورة طبيعية وقد تكون بتطلعات جهوية ، أثنية، أو حتى وطنية تهدف لرفع الظلم .. لا نستغرب أن تقولب ضمن أطر حزبية.. ولكن في غياب آليات الديمقراطية واستمرار الأزمة واستطالة خيوطها تتحول الزعامة إلى الأتي:

1-  تبدأ الفكرة مفادها.. أنه بدون الزعيم والمنقذ لن يوجد أي حل للأزمة.

2- ثم بعد ذلك تصبح الزعامة إدمان على حب الظهور كالمنقذ الوحيد للأزمة.

3- بل لا نستغرب أن يقتات زعيم الأزمة من الأزمة نفسها .. وتصبح الزعامة غاية وهدف وتحيد عن مسارها النضالي والأخلاقي.

الدولة التي لا تحاول أن تحتوي أزماتها وتسلك الاختناقات المسببة للأزمات ستسمح بظهور زعامات تذكي من تلك الازمات وقد تتحول إلى عاهات مسرطنة داخل جسم الدولة.

الزعامة المسلحة:

لقد خلقت ظروف حرب التحرير ضد المقبور وكتائبه بعض القيادات المسلحة وهذه من متطلبات المرحلة .. إلا أنه وبعد أن وضعت الحرب أوزارها تفرخت العديد من القيادات الجديدة. ونتيجة لسوء التنظيم وتوزيع الأموال على كتائب "الثوار.. بعد أن أختلط الحابل بالنابل" المسلحة فكثرة الزعامات وتشبت بها العديد منهم. فالمال والسلاح والمقرات الفخمة التابعة لأجهزة وأعوان اللانظام السابق جعل من الزعامة معنى وغرور عند كثر. كما وإن توظيف بعض تلك الزعامات لخدمة شخصيات أو كيانات سياسية أرسى دعائم تمكين تلك الزعامات وبات من الصعب التخلص منها.

الزعامة الدينية:

استهتار المقبور بالمشاعر الدينية لليبين والليبيات، وتهكمه على رسولنا الكريم (صل الله عليه وسلم) وسنته الشريفة، بل وتطاوله على كلام الله خلق له أعداء كثر. فمعظم الشعب الليبي كره المقبور لاستهزائه بالدين إلا أن درجة الكره لبعض المتشددين في الدين وصل للقناعة بمحاربته وإعلان الجهاد ضده .. وبمباركة معظم الشعب الليبي. وهذا وحسب التراث الديني خلق تنظيمات سرية تأتمر بأمر زعيم أو أمير على حد تعبيرهم .. سرية التنظيمات، والكبت الذي أفرزته سيكولوجية الإنسان المقهور في ليبيا،  وبشاعة وتنكيل المقبور بهم خلق عند البعض التطرف لدرجة بات كل من يخالفهم الرأي لا يختلف بالنسبة لهم عن المقبور وأعوانه.

وقبل الاسترسال نطرح سؤال.. ماذا نقصد بالتطرف أو التشدد الديني؟ نود أن نحاول ونجتهد في صياغة تعريف لمصطلح التطرف الديني: هو الذي يستند لنصوص ليست بالضرورة قطعية في ورودها ودلالتها ظنية بحيث يضفي على رأيه الشرعية ويعطي لنفسه الحق في تغيير من يخالفه الرأي بيده ولو كان بقوة السلاح.

عرفنا ما عاناه الجميع من المقبور قبل التحرير ولكن خلال حرب التحرر من ربق دكتاتورية المقبور ظهرت العديد من الجماعات الاسلامية المسلحة المنادية بإسقاط النظام،.. وإن دخل البعض منها في هدنه معه وألتزم بيته.  إلا أنه وبعد التحرير جميع الجماعات أزداد ترابطها بما توفر لديها من قوة السلاح والمال .. وأكدت ثقافة الأمير على خلق زعامات .. وبات يصعب على أمراء تلك الجماعات التفريط في الزعامة .. فالمال والسلاح عضد من شوكتهم وثوب الدين ألبسهم الشريعة فبات من الصعب التنازل على الزعامة الدينية المدعمة بالمال والسلاح، بعدما ارتبطت بكيانات سياسية (أحزاب) تتسابق على الوصول للسلطة ولا تتنافس على خدمة ليبيا.

الزعامة الدينية الأثنية:

الإقصاء والتهميش المناطقي، والأثني، يجعل من بعض المتشددين  الدينيين أو قد نقول الإسلاماوين يخلق زعامة دينية بثوب شرعي إضافة للزعامة الأثنية أو المناطقية..فتداخلت التصادمات الإثنية، والمناطقية .. بالدينية.. وقد تتداخل معطيات الصدام المسلح بحيث يحركه متشدد ديني ولكن بواعز مناطقي فتتعقد المشكلة .. فنبش القبور قد يغطيه خلاف مناطقي أو قبلي قديم. كما قد يدفع اختطاف متشدد ديني إلى تحريك مكون إثني لكونه ينتمي لهم وهم ينظرون لاختطافه على اساس أثني وليس تصفية حسابات مع جماعات دينية متشددة .. وهذا ينسحب على ممارسي السياسة فقد تمنح الأصوات من دافع اثني لإسلاموي سياسي أو لمتشدد ديني.

الخلطبيطة :

ظروف التهميش للإثنيات الليبية وحرب التحرير والصراعات، أو التصادمات، المناطقية، وكتائب مسلحة ومال، وتشدد ديني نتيجة معطيات قديمة جددها الوضع المفكك الحالي للدولة .. الكل له زعامات وكل زعيم يرى بأن ليبيا بوضعها المتردي تشكل له أفضل فرصة لينقض عليها ويضمها لممتلكاته. وبكل أسف ضعف الحكومة وقبولها أن تتدخل الزعامات ، بمختلف تشكيلاتها الأثنية، والدينية، والقلبية، في المشهد السياسي الليبي أو تكون ضمن عناصر المعادلة السياسية فقد زاد من الأزمة بحيث دخلت ليبيا في نفق مظلم.

ليبيا تقبل القسمة!!!

كلنا نردد، وأنا أحد المرددين، كوطنيين وبعاطفة جياشة بعد أن عمدت ثورة 17 فبراير بدماء شهداء الوطن من الشمال والجنوب .. من الشرق والغرب بأن ليبيا لا تقبل القسمة إلا على نفسها .. ولكن ما هي الدوافع التي قد تدفع بعض الوطنيين للتأكيد على أن ليبيا تقبل القسمة .. لو فكرنا بهدوء قد نجد أن قبول فكرة أن ليبيا تقبل القسمة يرجع لكثرة ما يتهدد ليبيا من ظروف يؤهلها للتقسيم .. وهذا يرجع للأسباب التالية:

1- تجاهل معظم الساسة، في المؤتمر والحكومة والمؤسسات المدنية، لديموغرافيا الليبية.. فلا ينظر لمكونات الشعب الليبي كأمازيغ، وعرب ، وتبو.. بل كعرب فقط. ربما وصول أمازيغي على رأس المؤتمر الوطني قد يخفف من حدة الاحتقان.

2- زد على ذلك ينظر إلى التقسيمات القبيلة والمناطقية ضمن المكون العربي.

3- لم يكترث للأصوات المنادية للفدرالية .. بل اتهموا بالخيانة والاجندات الخاريجية، ولم يفتح معهم حوار جاد.

4- اختلاط أوراق "الحزبية" الكيانات السياسية مع القبلية والمناطقية.

5- كثرة التدخلات الخارجية المباشرة مع القبائل والمدن وتعددها وتضارب مصالحها.

6- تسلل بعض الجماعات الدينية المتطرفة تحت عباءة القبيلة والمكوناتية والزج بها في صدامات قد تصبح مسلحة.

7- الكثير من المقيمين خارج ليبيا لعقود وصاروا أعضاء في المؤتمر والحكومة أقحموا أنفسهم في المرحلة الانتقالية وبدون فهم لواقع الشارع الليبي.

8- توظيف المليشيات المسلحة في الصراع السياسي.

9- الانصياع إلى التهديدات المسلحة كما حصل في الوادي الأحمر وغيره.

10- غياب العدالة الدستورية من الإعلان الدستوري بعد ثورة 17 فبراير.

11- قبول تهجير بعض المدن دون الاهتمام والوقوف عند عواقب هذا التشريد للأطفال والنساء والشيوخ.. بل والشباب الذين يغذيهم  كل يوم  خارج مدينته بالحقد، والكراهية، والانتقام.

ولكم عبرة يا أولي الألباب !!!!

 ليس بوقت بعيد وبمكان مجاور قريب..  لو تمعنا النظر في دول السودان لعرفنا أن تعنت الحكومة العروبية، المصبوغة بشوفانية دينية، والمركزية أوصل إلى تقسيم السودان إلى جزئين. فتشبت الدولة السودانية في الماضي بتهميش فئات مكوناتية مهمة خلق زعامات عديدة معارضة للحكومة المركزية وانتهت بالتقسيم وقد يتم تجزئة المقسم أيضاً . فالشعب السوداني تعايش مع بعضه شمال وجنوب بل وتشابكت مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. ولكن الإرادة السياسية لم تسمع لأصوات الجنوبيين المطالبين بالمساواة  وتعالت بنظرتها الفوقية أحياننا باسم الدين وأحيانناً بشوفانية عرقية ترى أن الأشراف أعلى مرتبة من العبيد. لو تعاملت الحكومة المركزية بعقلانية وجعلت من الجنوبيين شركاء في الوطن لبقي السودان لا يقبل القسمة إلا على نفسه ولكن الإنصياع لصوت النرجسية كان نتيجته تقسيم السودان. إذن فالحكومة المركزية تتحمل كامل المسؤولية بخصوص تقسيم السودان.

نفس الدوافع تنسحب على الجارة دولة مالي .. فبعد أن يأس أمازيغ الصحراء "الطوارق" القاطنين بشمال مالي من الحكومة الزنجية وعاشوا التهميش وغياب التنمية أعلنوا الحرب ، وأنضم لهم العديد من الجماعات الدينية المتشددة، على الحكومة المركزية وكانت النتيجة التقسيم.

خاتمة:

في المجمل وجود الاختناقات الأثنية، الجهوية، المناطقية، والدينية، وتهجير بعض المدن سيخلق أزمات يعتليها زعماء بدافع الخدمة .. ما يلبثوا أن يتحولوا لمتشبتين بالسلطة بعد تأمين المال والسلاح .. فهل ستحصل المعجزة وتنزع السلطة الانتقالية فتيل الانقسام الذي بدأ في التوهج؟؟؟؟!!!! وتؤسس وتؤصل لزعامة على أساس ديمقراطي يحتكم للكفاءة وصندوق الاقتراع .. بالانتظار وكذلك العالم..

 ملاحظة :  كتبت المقالة قبل انتخاب د. نوري بوسهمين رئيساً للمؤتمر الوطني العام

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع