المقالات

المثقف الامازيغي بين الاغتراب و العدمية

براهيم عيناني - آسيف ن دادس

من الملاحظ مؤخرا ان المثقف الامازيغي اصبح يهتم بالقضايا العربية - الإسلامية أكثر مما يهتم بقضيته الامازيغية الخاصة به الى حد انه اصبح أكثر " عروبة" من الأحزاب العروبية- الاسلاموية . يعرف كل الأشياء عن تناقضات الاستعمال السياسي للدين وتناقضات قيم هذا الاخير في الحياة اليومية، فأراد ان يصحح الأخطاء التاريخية للاهوت العربي في تمزغا ؛ يعرف كل شي عن فساد الادارات والمؤسسات الرسمية للدولة واوهام النظام البيروقراطي الحالي بما له من علاقة باقتصاد الريع واختلاسات المال العام من طرف اللوبي المهيمن .....

يعرف كل صغيرة وكبيرة عن كل الاحزاب الرسمية ويكتب عن كل الأشياء الغير الامازيغية الى حد ان قاموسه بعيد بان يكون مستنزفا في هذا المجال . لكن، عندما يطرح السؤال حول لمن ومن اجل من تكتب الاقلام ،فان المثقف الامازيغي ، و كما في الحلم، قد يصبح لا يعرف أي شيء عن نفسه في الصباح ! فمن خلال الاهتمام فقط بالأخطاء الفكرية - الأيديولوجية و السياسية للذات العروبية- الاسلاموية فانه يبتعد و ينتزح عن ذاته فيعيش حالة نفسانية او اختلالا ذهنيا تجعله مغتربا عن ذاته على الدوام. صحيح ان هناك ارتباط وثيق بين ، المعارف والمصالح كما ذهب اليه العالم الالماني هبرماس حيث الهدف النهاءي هو الوصول الى التفاهم بين الذوات بدون قهر او تحايل لكن العقل النقدي عند المثقف الامازيغي غير مرتبط بالمصلحة التحررية كفعل ثوري يتوخى استبدال بناء اجتماعي فاسد ومنهار او يهدد من اجل نفي الثوابث المزعومة وانما يعيد انتاج تشويهات وتحريفات اللوغوس العروبي بشكل يجعل التواصل بين الدوات الامازيغية مشوه بشكل عقلاني منظم ولانه يحتوي على مساءل تهم المهيمنين على السلطة حيث يتم الاهتمام بما يقوله الزعيم العروبي وقوانينه الوضعية كديانة جديدة وكخطاب رسمي يفرض على المثقف الامازيغي الابتعاد عن همومه ومشاكله الخاصة .... هنا تصبح معارف العقل الامازيغي اسلوبا قديما يستهدف السلطة والهيمنة ! وبما ان " المعرفة نظام للسلطة" ( كما يقول فوكو) ، فان استمزاغ الخطاب من طرف الامازيغ انفسهم قانون لاقصاء الذات الامازيغية من الحوار والتواصل لان اهتماماتهم وانتقاداتهم منصبة أكثر وبشكل مبالغ فيه على الذات العروبية وتناقضاتها ويصبح الجسد الامازيغي مغطوس ومدفون داخل فضاء سياسي بعيد عن أصحابه ..... يتساءل فوكو" هل يجب الاستسلام للظن ان السلطة تثير الحمق وفي المقابل فان الاستسلام للسلطة هو احد الشروط التي من اجلها يمكن ان نصبح علماء" ..... ... ان نسيان الوجود الامازيغي والتفرغ الى انتقاد كل ما هو خرافي أسطوري داخل الفكر العروبي الاسلاموي بما فيها الأوهام الجديدة للبيروقراطية الجديدة كدين جديد لا يجسد فقط اغتراب الامازيغ عن ذواتهم وهم يسقطون فيما سماه ماركيوزا ب " الانسان دو البعد الواحد" - ( حيث ا عتماد العقل الاذاتي الامازيغي في انتقاد اللاهوت العروبي سينتهي لا محالة الى ما هو لاعقلاني بحصار وقمع او نسيان الذات الامازيغية نفسها ) ولاكن يجسد ايضا سقوطهم داخل العدمية بكل أشكالها : فالعدمية عند المثقف الامازيغي لن تكون بالضرورة مرتبطة بأزمة القيم او بما سماه نيتشه ب"موت الإله "حيث ستكون القيم العربية- الإسلامية متناقضة وفاقدة لشرعيتهاالخارجية المتعالية، وإنما ستكون مرتبطة بابتعاده واغترابه عن مستوى القبيلة والعشيرة(لا يختلف كثيرا عن مستوى "الامنانس" بمفهوم دولوز وهو يتحدث عن "المجرد الغير المطلق" عند الفيلسوف سبينوزا) كأصل طبيعي ، ارضي و حيوي لقيمه الامازيغية المميزة.ان العدمية السلبية للمثقف الامازيغي كانقطاع عن كل ما هو أمازيغي ، نشيط، ثوري ، هدام وخلاق ، عدمية سيتم فيها استبدال الإيمان - بقيم ما سماه هبرماس ب"المجال العمومي"( كمجال سابق على القانون في الظهور) كان ناجحا في تنظيم العلاقات الاجتماعية بين الامازيغ على مستوى القبيلة - بالاعتقاد في قيم جديدة مرتبطة بالتنظيم العقلاني البيروقراطي للأخلاق العربية هي أيضاً - مثل الأيديولوجيات القديمة - مرتبطة بسلطات خارجية أخرى مثل القوانين الوضعية والدساتير اوالديموقراطيات العربية كاديولوجيات جديدة توهم الامازيغ بالتحرر والانعتاق من الاستبداد والقمع الى حد ان المثقف الامازيغي سيحتاج يوما ما الى رسالة جديدة وعقيدة جديدة لشرح وتفسير هذه الديانة الجديدة والتي اسمها: التنظيم العقلاني البيروقراطي العروبي.

 
امام شعب اللاحضور واللا حقيقة وأمام أناس يصبحون خارج انفسهم بنظام وانتظام؛ غاءبون عن انفسهم بسبب الرغبة والعشق في السلطة ...بعيدا عن المنال الطبيعي لصوت أمازيغي سيمأسس ويكون الدات ......;فان الامازيغ وهم مشتتون في المؤسسات والدهاليز المخزنية وفي البنايات البيروقراطية الى حد يستحيل معرفة من ينتمي الى من؛ لا احد ينتمي الى الاخر غير مرءيين غير مسموعين غاءبون عن الساحة السياسية ؛ لا تكفيهم الذاكرة ... فهل تكفي الكتابة عندما تكون هناك مسافة اجتماعية قائمة محل المحظور المباشر؟......هناك يأس يشكل الدات كعلاقة باليأس وهذا إلياس يأخذ شكل عدم الوعي بامتلاك الدات ... هناك نوع آخر من اليأس وهو عدم وعي الامازيغ بانهم ياءسون:ان إلياس المستعصي علاجه هو اليأس الذي لا يكون واعيا بانه ياًءس ؛ معاناة اليأس ، الاستلقاء على مصراعي الموت بدون ان يموتوا ؛ قد يتمنون الموت لكنهم لا يستطيعون . فقدان الأمل في القدرة على الموت....... الامازيغ مغتربون عن إمكاناتهم وماهياتهم ،امام التسلط الإداري والنظم البيروقراطية وكل أساليب القمع الإداري امام صنمية النضال الامازيغي .... واستعمال الامازيغ لعقلهم الاداتي في التفرغ الى انتقاد وإعادة تفسير اللاهوت العربي وتناقضاته تصبح علاقتهم بقضيتهم تتشكل حسب قوانين السوق والسلع .... فبكون النخبة الامازغية محرومة من إشباع نزواتهم الأساسية فكيف ما فعلوا كمثقفين فانهم سيتهمون بالانتهازية و استهداف المصالح الشخصية
....
 
لم يعد المشكل مرتبط باتهام الامازيغ بانهم ملحدون او أنهم " نبلاء متوحشون " بدون عقيدة بل المشكل اصبح مرتبطا باغتراب الكاءن الامازيغي عن ذاته كتجربة لا يعيش فيها ذاته كمركز لعالمه الارضي وكخالق لافعاله ومشاعره ؛ انه ، ومن خلال استثماره لكل طاقاته المعرفية في انتقاد اللاهوت العربي ، مرهون وممتلك من طرف ذات او الية برانية غير ذاته مما يولد شعورا بفقدان الحرية والاحباط في انفصاله عن ثقافته، محيطه وجسده .....لم يعد المشكل مرتبط بالاعتقاد او عدمه بل المشكل مرتبط بوجود تقافة عنيفة تعلم العنف للأجيال ، مزقت الحياة واستبدلت فكرة الإله بأنظمة أخرى بيروقراطية استبدادية سياسية .... ليس المشكل في وجود او عدم وجود مقدس يوحد الأجناس وإلا عراق ، بل المشكل في وجود توحيد فقد سلطته المركزية وفتح المجال للانقسامات والتشتت وسوء التفاهم.. فحتى الدساتير المبنية على عامل الدين لم تعد لها شرعية بل انها بشكل تناقضي ستكشف عن الجانب السياسي للمقدس.... لم تعد المشكلة مرتبطة برفع التهمة عن الدين حين كان اعداءه يربطونه بالعنف والإرهاب بل المشكلة مرتبطة بوجود العنف اين ومتى يوجد هذا الدين وهذه ظاهرة كونية لا يمكن لاحد ان ينكرها ....لم تعد الوظيفة الأساسية للدين هي إخراج الامازيغ من العبودية والخضوع الأعمى لما كان يسمى ب"بركة" "اكرامن" كخطاطة ثقافية كانت تنظم علاقات القوى والخضوع، وإنما أصبحت ( الوظيفة) الجديدة للدين هي إعادة إنتاج نفس العبودية لكن في ظل هيمنة قيم إنسانية جديدة تدعي " النسب الشريف" لإنسان يدعي التفوق في كل شيء خاصة حين أحل نفسه محل الإله ؛ان استبدال "بركة اكرامن" ب" بركة الشرفاء" مسألة أسلوب تاريخي اجتماعي سياسي مرتبط بتوالي الديانات حسب الهيمنة والسلطة. فإذا استطاعت المسيحية وحسب تعبير إرنست بيكر"...ان تأخذ العبيد والمعوقين والبلداء و....و تجعلهم أبطال آمنة ....فقط بأخدهم خطوة واحدة بعيدا عن العالم والى بعد آخر....يسمى الجنة"، فان الديانة الإسلامية لم تعمل الا بإيهام الامازيغ بوجود عالم حقيقي مثالي ما فوق حسي وراء استبعادهم الى الجبال وتحريمهم من أدنى شروط الحياة؛ هناك يتم تبخيس كل قيمهم الأصيلة باسم مثل عليا;وحيث المعاناة هي الحقيقة الوحيدة التي تطفو على الامازيغ وحياتهم في الجبال فلا خيار لهم الا ان يصبحوا عدمييين في الوجود فقط لان معنى الحياة يوجد في عالم واقعي آخر غير هذه الجبال......لكن فوق كل ذالك مع من في الجنة أيها الامازيغي؟
 
لقد انفتح الامازيغ موخرا على التيه داخل اللاهوت العروبي وعوض الاهتمام بتاريخهم الخاص فرض عليهم إعادة كتابة وقراءة كل العمليات الاجتماعية والسياسية والتاريخية في سياقها الشامل مند ما سمي بالفتوحات الاسلاموية لبني أمية .....
لم تعد مهمة المثقف الامازيغي تقتصر على مساءلة الميتافيزيقا العربية من اجل تجاوزها وإنما ضرورة إعادة النظر في التكنوقراطية الحالية كأيديولوجية جديدة لا تختلف تأثيرا عن الأيديولوجيات السابقة التقليدية خاصة في قدرتها على تغدية الأوهام بشكل يتلاءم مع تصنيع للعمل الا جتماعي الامازيغي .....لم يعد المشكل مرتبط بنقد الأنظمة الميتافيزيقية والسياسية السلطوية الطاغية والثورية بل مرتبط بنسيان الوجود الامازيغي حيث التفكير الحقيقي للوجود يجعل الهوامش والمستبعدين موضوعا جديدا وكبيرا في التاريخ ..... كيف سيمكن الانفلات من الانتقام او العيش في عدمية حين يعلم الامازيغ ان الإله الذي يعتقدون انه ضروري لتعليل البنية العقلانية للعالم قد تم استبداله بعقلانية بيروقراطية و تنظيمات سياسية.....!؟
عندما يتضح ان الكاءن العروبي مازال يمجد نفسه بانه مركز الكون،فان العدم يصبح إمكانية حقيقية وواقعية ... عندما سيشعر الامازيغ بان معنى وجودهم ليس كما كان في حدود قباءلهم و تنظيماتهم الاجتماعية،فان الاكتفاء على انتقاد وتفكيك الميتافيزيقا االعربية لن يضمن لهم الاستمرارية والبقاء ؛ فكما أشار العالم الأنثروبولوجي إرنست بيكر في كتابه "ولادة وموت المعنى":"لقد علم الانثربلوجيون منذ زمن بعيد انه عندما تفقد قبيلة من الناس أحاسيسها وبان طريقة حياتهم لازالت سارية المفعول، فانه من الممكن ان يوقفوا التناسل[ الإنجاب ] او بباسطة على شكل جماعات يموتون مستقلين الى جانب أحواض مليئة بالأسماك : ان الطعام ليس هو المحدد الأولي لبقاء الإنسان ."....ان العدمية تطفو الى السطح عندما يكون النظام الاجتماعي غير صحي حيث الرغبة في الهدم من اجل الهدم واردة مع الإقرار بان كل المؤسسات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية مشكوك في صلاحيتها و يجب تخريبها .لقد وصل المثقف الامازيغي الى مرحلة لا يحتاج فيها فقط الى تنقية نفسه من الاعتقادات الخاوية والخرافات الزائفة للقطيع بل بالنظر الى ما في داخله من مؤهلات لا نهاءية و قابلة للتحقيق. وحيث الإيمان الراسخ بالخصوصية الامازيغية وعدم وجود فرصة أخرى الى جانب هذه المعاناة الأرضية ،فقد يحتاج المثقف الامازيغي الى العقلنة بانه مسؤول عن نفسه وحيدا في هذه الجبال والأودية حرا في تصرفاته وفي كل شيء ولا شيء مفروض عليه من أي سلطة عالية. اكيد ان مهمته الآن لا تحتاج الى قوة خارقة للعادة مبنية على الأوهام وجنات النعيم بل ان مهمته ان يصبح كاءنا بشريا له راس ارضي دنيوي فقط لانه ليس كذالك مند البداية ولان معاناة الحياة هي التي تجعله يفكر في عالم المثل والأحلام ...ولكي يصل الى مرحلة يصبح فيها من يكون و يتصالح مع الحياة ومع جسده الخاص.......
 
لقد اصبح الامازيغ مغتربين عن ماهياتهم وعن إمكاناتهم امام التسلط الاداري والقمع البيروقراطي لدولة تدعي الإسلام وهي تخدعهم وتخدع نفسها بانتظام....ان بحث الامازيغ عن المعنى لوجودهم و من خلال التيه في او من خلال إعادة النظر في الميتافيزيقا العروبية لن يضمن لهم البقاء والاستمرارية....صحيح ان هناك معاناة لم يمكن تفاديها و هم يبحثون عن معنى وجودهم في أشياء بدون معنى خارج ذواتهم .... فهده المعاناة ليست في حد ذاتها لعنة تطفو على الذات الامازيغية وإنما المعاناة مرتبطة بوجود معنى حياتهم في عالم واقعي آخر غير هذا العالم الحقيقي والمنظم بشكل عقلاني بيروقراطي تراتبي وكما يقول نيتشه في كتابه "عدو المسيح" ، "ان معاناة الحياة هي التي تجعلنا نفكر في عالم حقيقي مثالي" ؛ لكن وكما يتساءل نيتشه في "العلم المرح":" من سيصل الى شيء عظيم اذا لم يجد في نفسه القوة والإرادة لابتلاء المعاناة العظيمة؟ ".....وقد تجد المثقف الامازيغي يعرف الحقيقة التي مفادها انه مختلف و فريد يستطيع ان ينقي نفسه من الاعتقادات الخاوية او الابتعاد من القطيع ... لكن خوفه من المقربين اليه (عشيرته) وهم يطلبون الولاء والخضوع (من باب العبودية الطوعية من اجل البقاء) فيضطر المثقف من إخفاء ألحقيقة كوعي خاطىء مما يبقيه داخل القطيع وأخلاق العبيد.....ا
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع