المقالات

محضر الالتحاق(مقتطف من يوميات أستاذ في الجبل)

مصطفى ملو

إلا تلامذتي بإعدادية ألمدون واحدا واحدا واحدة واحدة.

إلى هذه المناطق الجبلية عين,في البداية كان الشوق يهزه لاستكشافها,فكان نتيجة لذلك يرجو نهاية العطلة الصيفية على عكس أغلب الأساتذة,كان سبب تحمسه لزيارة هذه المناطق,ما سمعه عن جمال مناظرها و سحر طبيعتها و طيبوبة أهلها.

التقى هذا المساء مع صديقه الذي اعتاد الجلوس معه في المقهى كل مساء لارتشاف كأس قهوة و مناقشة بعض المواضيع المستجدة,فجاءه السؤال من نديمه:

-هل تم الإفراج أخيرا عن التعيينات؟

-نعم,أخيرا!

-إلى أين "رموا بك"؟

-إلى إغيل نمكون

-إغيل نمكون؟!

-هي منطقة تقع نواحي قلعة مكونة

-هل تعرف المنطقة أو سبق لك أن زرتها؟

-لا

-مع العلم أنك أستاذ جغرافيا!!

-علمونا الجغرافية التي أرادوا أن نتعلمها,جغرافية فاس و مكناس و الرباطوسلا و ما جاوراهما.دعنا من كل هذا,أنا أدعوك للسفر معي غدا لاستكشاف المنطقة و توقيع محضر الالتحاق.

قصد إغيل نمكون رفقة صديقه لتوقيع محضر الالتحاق بالعمل,قبل ذلك كان قد حاول عن طريق الإنترنت جمع بعض المعلومات المتعلقة بالمنطقة و تحديدا بالإعدادية التي سيشتغل بها.

كم كانت صدمته قوية و هو يقرأ عن حادثة سير كانت قد أودت بحياة تلميذ و أستاذ للغة الفرنسية من نفس الإعدادية التي سيدرس بها,سائق الحافلة التي كانت تقلهم في رحلة نحو زاكورة لم ينج هو الآخر فقضى فيها,عدد كبير من التلاميذ أصيبوا بجروح و كسور بعد انقلاب الحافلة في إحدى المنعرجات الخطيرة غير بعيد عن إغيل نمكون,اعتبر ذلك أولى علامات الشؤم والنحس الذي يعتقد أنه ملازمه منذ ولادته,وبدأ حماسه لاكتشاف المنطقة يفتر شيئا فشيئا.

الطريق إلى إغيل خطيرة و ضيقة و كلها منعرجات,التفت إلى صديقه وقال:

-يا ويلتاه,أي منحوس أنا؟! رد رفيقه:

-إنه طريق الموت.

-لا تزد من حيرتي رجاءا.

-عفوا لم أقصد,لكن ألا ترى أني محق فيما أدعي؟

-قد تكون محقا,لكن أحيانا من الأفضل ألا نقول الحقيقة كلها!

الحافلة الصغيرة(فاركونيت)مليئة عن آخرها حتى أن السائق أمر بعض الركاب بالصعود إلى "الطابق الثاني",أغلب الركاب من أساتذة التعليم الابتدائي و الإعدادي,الجدد و القدامى ممن جاؤوا لتوقيع محاضر الالتحاق بالعمل.

كان من بين الركاب معلم قضى بالمنطقة أكثر من عشر سنوات,بعد أن استحسن حديثه و ارتاح إليه,توجه إليه بالسؤال:

-هل يوجد في المنطقة التي قضيت فيها كل هذه السنوات أهم الضروريات من ماء و مستوصف و كهرباء و نقل؟

أجابه على غير ما سأله كعادة أغلب المغاربة تسألهم عن شيء فيجيبونك إما بسؤال آخر أو عن سؤال لم تطرحه أصلا,أجابه:

-الحمد لله,على الأقل يوجد مسجد قريب لأداء الصلاة!

وصل إلى إغيل لم يكن بنفس الروعة و الجمال اللذين ميزا البلدات التي مر بها كتبرخاشت,حديدة,بوتغرار وغيرها من القصور و القصبات التي تشبه جنات عدن تجري من فوقها الأنهار!

إغيل أقل اخضرارا و أقل خلبا,الجفاف باد على حقوله و أراضيه,دواويره متباعدة ووسائل النقل شبه منعدمة.

وقع محضر الالتحاق وعاد وزميله من حيث أتوا وطفق يتساءل في قرارة نفسه:

-أهنا سأقضي العام كله؟

الجواب في الحلقة القادمة من يومياته.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع