المقالات

مفهوم الوطنية أو المواطنة

 

 
عبد الغني بنهاوي
 
 
سٌألت ما الوطن ؟  
 
 "سٌألت ما الوطن ؟  و كنت أسأل نفسي لسنوات مضت أجل ما هو الوطن ؟ أهو ذاك الكرسي الذي ضل في تلك الغرفة للأكثر من 50 سنة ؟ الطاولة؟ الخاتم؟ 12 قرنا؟ الدراجة النارية؟ شجرة أركان؟ النجمة الخماسية ؟  الزرواطة ؟ أنفكو ؟  الشرف ؟ أهو صورة آية معلقة على الجدار؟ ما هو الوطن؟ إنني فقط أسأل ما هو الوطن؟"
مفهوم الوطنية أو المواطنة حديث كحداثة الدولة الحديثة العصرية الديمقراطية المدنية و إذا أخذنا المواطنة في ارتباطها بالوطن، فهي تمتد في أعماق التاريخ، لارتباطها بالمجتمع الإنساني، عندما شكل نواته الاصطلاحية عبر الانتقال من التوحش إلى الاستقرار على ضفاف الأنهر ومواطن الزراعة والصيد. فحينها كان المواطن هو من انتمى إلى تلك المجتمعات البدائية. فكانت له حقوق كما عليه واجبات نحو المجتمع الذي يعيش فيه. وبالتالي يمكن القول أن المواطنة ارتبطت باستقرار الإنسان في المدينة ـ بعيدا عن توصيف المدينة بمواصفاتها الحاضرة ـ فيكفي عمقها الاجتماعي الذي يفيد تكون مجتمع صغير له هوية وقيادة وتقاليد ينتظم إليها في تدبير المعيش اليومي. وبذلك ( إن تاريخ المدينة هو تاريخ المواطنة، في عمقها الفلسفي والسياسي ) . و ( يمتد مفهوم المواطنة إلى المدن الإغريقية القديمة. وما كانت تعني أكثر من مرادف للغريب الذي لا ينتمي إلى نفس المدينة. وظل مفهوم المواطنة مفهوما بدائيا حتى عصر التنوير، فقام رموز عصر التنوير "هوبز، ولوك، وروسو، ومونتسكيو، وغيرهم" بطرح مفهوم آخر يقوم على العقد الاجتماعي ما بين أفراد المجتمع والدولة أو الحكم، وعلى آلية ديمقراطية تحكم العلاقة بين الأفراد أنفسهم بالاستناد إلى القانون الذي يتساوى عنده الجميع. وبعدها تغير مفهوم المواطنة من أداة تمييزية ضد الآخرين تربط الناس عضويا ضمن مفهوم القوة والسلطة إلى الإشارة إلى أن المواطن ذو ذات مستقلة كينونة وحقوقا. ومن اجل منع استبداد الدولة وسـلطاتها نشأت فكرة المواطن الذي يمتلك الحقوق غير القابلة للأخذ أو الاعتداء عليها من قبل الدولة. فهذه الحقوق هي حقوق مدنية تتعلق بالمساواة مع الآخرين  وحقوق سـياسية تتعلق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وحقوق جماعية ترتبط بالشئون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بدون تمييز على أساس الجنس واللون والدين والرأي ولا على أي أساس أخر .
 و هذا ما  وصلت اليها البشرية بعصارة الحضارات السابقة و تراكمات التجارب البشرية و هو نموذج الدولة المدنية الحديثة و أيضا الاعلان العالمي لحقوق الانسان و المغرب من الدول الصادقة عليه.   
إذن الانتماء للوطن لا يكون على أساس العرق أو الدين أو الجنس واللون بل يكون على أساس الانتماء الى الارض لأن مفهوم المواطنة لا يوجد في قواميس الدول الدينية أو العرقية أو المؤسسة على أساس آخر دون أساس المساواة و الحرية.
إذن العلاقة بين المواطن و الدولة لا يتأسس على أساس العرق و الجنس واللون والدين بل على أساس الجنسية أي الانتماء للأرض.
و هنا سوف نتحدث عن الوطنية المغربية التي تحدّدت معالم "الوطنية" المغربية نظريا و سياسيا في السياق الحديث مع مطلع الثلاثينات من القرن الماضي على يد منظري الحركة الوطنية الذين ينحدر معظمهم من العائلات الأندلسية، و اتخذ الإنتماء إلى المغرب لأول مرّة طابعا إيديولوجيا يعتمد مرجعية ثقافية و سياسية شرقية (القومية العربية) أو (العروبة و الاسلام)، و يضع المكوّن الأمازيغي الأصلي على الهامش معتبرا إياه أداة لمؤامرة أجنبية بعد صدور "الظهير" الإستعماري 16 ماي 1930، الذي حاول بموجبه الفرنسيون ترسيم القوانين العرفية الأمازيغية التي كانت معتمدة في المناطق ذات العوائد الأمازيغية، و التي كانت السلطة المركزية لسلاطين المغرب تتجاهلها و ترفض الإعتراف بها باعتبارها قوانين "بلاد السيبة" أي البلاد المتمرّدة.
ترتب عن ذلك نتائج خطيرة جعلت المغرب المفترض و الذهني يأخذ بالتدريج مكان المغرب الواقعي مغرب الناس و التاريخ، كانت أهداف النخبة الأندلسية واضحة، استعادة "الفردوس المفقود" بحضارته العربية لكن على أرض المغرب التي سماها المؤرخون العرب عبر التاريخ "بلاد البربر"، و كانت الأمازيغية ثقافة الأغلبية الساحقة من المغاربة عائقا أمام هذا الحلم، مما يفسّر الرعب الذي أصاب النخب الأرستقراطية المدينية من الظهير المذكور الذي كان سيحوّل ثقافة القبائل من العرف التقليدي إلى القانون الرسمي المعترف به، و بهذا يتجلّى الوعي المبكّر لهذه النخب برهانات الدولة المركزية القادمة التي تقوم هويتها على التأحيد و صنع و بناء الكيان الجديد. في الوقت الذي حالت فيه ظروف الإحتلال الأجنبي للأرض المغربية دون انبثاق هذا الوعي لدى القبائل الأمازيغية التي وجّهت منذ مطلع القرن العشرين كل قواها لمواجهة المخزن من جهة و التغلغل الأجنبي في الأرض المغربية من جهة أخرى، و هو ما يفسر توقيع عقد الحماية من طرف السلطان و تسليط المدفعية الفرنسية على القبائل في إطار ما سمي بـ"التهدئة".
و كان طبيعيا أن يقوم المغرب المستقل بعد ذلك بترسيم إيديولوجيا النخب المدينية في التعليم و الإدارة و كافة المرافق، و أن يضع الأمازيغية ضمن طابوهات الإستقلال. و لكي يتم تسويغ هذا الإقصاء كان لابدّ من تحريف التاريخ و ترسيم رواية مؤدلجة للأحداث، أصبحت شرعية السلطة و شرعية بعض الأحزاب قائمة عليها، مما جعل أي تصحيح للتاريخ يعدّ تهديدا للنظام العام. و هذا أفرز دولة مغربية مزدوجة تستعمل الدين و العروبة في حقل الشرعية و القوانين الوضعية (التي فها ميز على أساس الدين و الجنس و اللسان) في الحقول الاخرى و هذه الازدواجية أي ازدواجية المخزن المغربي يخلق مجتمعا و مواطنا سكيزوفخينيا لا يحس للإنتماء الوطني للوطن المغربي و لا يحسس بتمغرابيية و هذا ينعكس على سلوكه و ممارسته و طريقة تفكيره.
 
E-mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

التعليقات   

 
+1 #1 عبد اللطيف 2015-05-04 17:09
حفظك الله و رعاك
شكرا تيفسا بريس
رغم كل سنوات التعريب القصري
و تشويه الثقافة المغربية الحقيقية
يبقى المغرب امازيغي بعاداته و تقاليده و شعبه
اقتباس
 

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع