المقالات

هل هي بداية انفتاح على التعدد الديني المغربي؟

 
عبد الله زارو
ترخيص الجهات الرسمية لنشاط ثقافي للشيعة المغاربة، مؤشر إيجابي بالمقياس الحقوقي الكوني الذي جعل من حرية المعتقد والتمذهب داخل الدين الواحد حقا أساسيا من حقوق الإنسان.
 
غير أن تزامن هذا الترخيص مع عودة “الدفء” للعلاقات بين المغرب وإيران يُخشى منه أن يكون عبارة عن التفاتة ديبلوماسية بلا خلفية حقوقية، أو مجرد مناورة سياسية ريثما تعود “حليمة إلى عادتها القديمة”.
 
لي صحبة فكرية شخصية مع الفكر الشيعي، لا أرى مانعا من إثارتها في هذا المقام، علما بأنني لستُ لا شيعيا ولا سنيا و لا حتى متدينا بالمعنى التقليدي الأرثودكسي للكلمة.
 
ففي أواخر السبعينيات، شاءت الصدف أن يقع بين يدي كتاب” فلسفتنا” للمقتول على يد زبانية “صدّام” المرجع الشيعي و الفيلسوف محمد باقر الصدر. ولأنني داومت، قبل ذلك، على التهام الكتب الفلسفية ذات الهوى اليساري، لم أتصور أن يكتب “رجل دين” كتابا عن الفلسفة وبلغتها حتى ولو كان منتقدا فيه، بهدوء الفلاسفة والصفاء الذهني للحكماء، للخلاصات الماركسية والمادية التي كانت ترى في “الفلسفة الإلهية كما يسميها “الصدر” مجرد حيل بلاغية وأشباه قضايا لا معنى لها في موازين العقل الديكارتي و التحليل الجدلي الصرف.
 
ولشدة تأثري بالإكتشاف وإسهام صاحبه، توليتُ القيام بعرض حول الكتاب في صف الباكالوريا، وكان أن نال إعجاب الطلبة و الأستاذ أيضا الذي سمع بالمؤلف وصاحبه لأول مرة، واندهش، بخاصة، عندما كتبتُ اسمه على السبورة هكذا وكما هو مسجَّل على غلاف المؤلف : آية الله العظمى م/باقر الصدر.
 
بعد ذلك، قادني فضولي الفكري الذي ابتدأ باكرا، فيما أتصور، للإستزادة من المنتوج الفكري للرجل، فالتهمتُ “الأسس المنطقية للإستقراء” و”اقتصادنا” و”الفتاوي الواضحة”، وفي بداية اندلاع العدوان الصدامي على إيران في 1980، ازداد فضولي، بعد أن ذُكِر اسم “الصدر” في البيان الرسمي العراقي الذي برر العدوان على “الجمهورية اللإسلامية، فذهبتُ خصيصا إلى “قيسارية الأحباس” بالبيضاء بحثا عن آخر كتبه قبيل إحراقه، والذي تناول فيه ما أسماه “التفسير الموضوعاتي للقرآن” ، وكان الأمر يتعلق بمشروع فكري طموح راوده، ويتمثل في إعادة تفسير القرآن من منظور موضوعاتي (ثيمي) قبل أن تفاجئه آلة القتل الغادر البعثية هي وشقيقته.
 
يئستُ من خطاب الإنشائية الإخوانية والتبليغية في ذلك الوقت، فانصرفت كلية لحسين مروة والطيب تيزيني وحنفي والجابري و مهدي عامل… ولقد شكّل “سيدقطب” آخر صدمة لي في هذا الباب، هو الذي كان أكبر الإنشائيين في هذا الباب وأكثرهم سوداوية وكرها للجميع، وكم تمنيـتُ لو بقي أديبا وشاعر كما كان قبل تخونجه، فلربما ضاهى “طه حسين” و”العقاد” و”توفيق الحكيم”.
 
كان الصدر هو البوابة نحو أعلام شيعة آخرين في مجال الكتابة عن الإسلام بلغة حديثة ، ماركسية في ذلك الوقت ، أذكر منهم “شريعتي” و “مرتضى مطهري” و “محمدتقي المدرسي” و هادي المدرسي” و “محمد حسين فضل الله” “والطبطبائي” وغيرهم ممن فتحوا وعيي على جنس مغاير للكتابة عن الأطاريح الدينية بلغة فلسفية مجتهدة و أنيقة ومغرية.. بل حتى كتيب “الإمام الخوميني” “الحكومة الإسلامية” الذي بعثه لي صديق من فرنسا مباشرة بعد الثورة، كان محرَّرا بالأسلوب نفسه الذي يغلب عليه النفس الفلسفي والمنهجية الصارمة رغم طروحاته النكوصية حول “ولاية الفقيه”..
 
وفي الوقت الذي كان فيه “الحسن 2″ يقول للصحافة الأجنبية: إذا كان الخوميني مسلما فأنا كافر، إستطعتُ أن أناور الرقابة المتشددة على مصنفات الرجل واطلعت على جوهرها، ولم أجد ما يبرر هذا السعار الحسني سوى الصراع الرمزي لاحتكار الحديث باسم العلويين، أي باسم أحفاد علي المظلومين من قِبل بني أمية الذين باتوا رسما تجاريا عند كل الشعب الشيعية من سورية إلى المغرب مرورا ببلاد فارس. وبِما أن المغاربة لايقرأون، لا أمس ولا اليوم ، فقد صدّقوا أن ملكهم يتحدث، حين حديثه عن الخوميني، من منطلق الغيرة على إسلام.
 
هدفي من ذِكْر هذه التفصيلات التي أستقيها من الذاكرة أن الخطاب الشيعي مُغري جدا وجذاب بالنسبة للأشخاص الذين أوتوا نصيبا من الثقافة الفلسفية، وما عادت الإنشائيات والأدبيات العاطفية والدموية اليوم للسنة، بمختلف تلويناتهم، تعني الشيء الكثير بالنسبة إليهم ولنضدهم المعرفي والعاطفي.. وبالتالي فجاذبية الخطاب الشيعي هو أمر مؤكد، وليس مجرد هلوسة أو فرضية بلا مترتبات، ولا ينفع، بشكل خاص، أن نختزل أي تنام للمدّ الشيعي، في المغرب وغيره، في نظرية المؤامرة الأثيرة و السهلة جدا التي هي هواية الكسلاء من كل رهط..
 
وأملي أن يتسع الإنفتاح الديني الرسمي على المغاربة المسيحيين الذين تشير إحصائيات متعددة المصادر بأن أعدداهم في تزايد ، ومع ذلك تستمر الدولة في التزام الصمت حولهم، بل لا تتحرج من اضطهادهم في أسوأ الحالات ومطاردتهم وسجنهم أيضا..
 
كذلك، عشتُ ذكريات رائعة جدا مع المسيحيين البروتيستناتيين أثناء مقامي بباريس..ك نيسة لوكوسمبورغ في الدائرة الخامسة لايمكن أبدا أن تُمْحى من ذاكرتي السوربونارية.. فقد كنتُ أستدعى إليها، رفقة طلبة مغاربيين وأفارقة، للقيام بعروض أيام السبت حول موضوعات مختلفة ذات صلة بالمغرب (المرأة، الشباب، حقوق الإنسان ، الإسلام..) بل كنتُ أحضر قدّاس يوم الأحد لأستمتع بالترانيم الإنجيلية مصحوبة بنغمات البيانو، وكنت أتناول من اليدين المباركتين للأب “ساهاجيان” فتات خبز على أنه لحم السيد المسيح ونبيذا على أنه دمه المقدس على سبيل التبرك.. ومساء، كنا نرقص، شبانا وشابات، على إيقاعات “الروك المسيحي” تحت أضواء خافتة، حالمة ورومانسية في الكنيسة نفسها..
 
ولم يسبق للأصدقاء في الكنيسة، ولسنوات، أن طلبوا مني ولا حتى تلميحا، تغيير معتقدي الإسلامي الموروث، رغم أن لادينيتي معروفة عندهم، وكنت سأصبح، بصفتي تلك، صيدا ثمينا تحت ذريعة أن الطبيعة تخشى الفراغ، ولابد لها من معتقد يملؤها..
 
بعد عودتي إلى المغرب، تعرفتُ على مجموعة من المثقفين والمتنورين اللادينيين من جميع الجهات واللغات والأعراق والأصول الإجتماعية، ولم أحس بالتجاهل المطلق لكل هذه التباينات في المغرب وبتفاهتها كما أحسست به وعشته في علاقتي بهم ..
 
كان الأهم في هذه الأخيرة دائما وأبدا هي القيمة المضافة للشخص فكريا و أخلاقيا و وجوديا.. لا مكان بين هؤلاء الأفاضل لشلح و عروبي ومسلم سابق ويهودي و متنصر وداعر وزاهد ومثلي وصائم ومفطر… كل ذلك في موازينهم من “المقدسات” التي تُحسَب على الحياة الخاصة للأشخاص، وبصفتها تلك ، فهي لا تعني سوى صاحبها أو من رخّص له بتقاسمها معه .. أما المشترك ، فكان دائما فكرك و عواطفك وتفاعلك مع أفراح الناس و أتراحهم..
 
تعمدتُ الإطالة في سرد هذه الصور المستخلصة من ذاكرتي المجالية وسفرياتي الذهنية في محاولة للإقناع بأن ما تتذرع به “إمارة المؤمنين”، صراحة أو ضمنا، للتضييق على حرية المعتقد، إنما هو تضليل إيديولوجي بحت، فقد نضج الناس بِما يكفي ليختاروا التشيع أو التمسح أو اللادين أو أن يبقوا في جلباب آبائهم، (الإسلام الموروث)، وليس وراء كل هذه الخيارات من مخاطر مزعومة ومضحكة على الوحدة الوطنية وثوابت الأمة إلا تلك التي تفبركها الإمارة إياها، لأجل تنميط المجتمع وإعطاء انطباع زائف و مصطنع على وحدتها المصنوعة على المقاس وتجانسها الكاذب..
 
ولا أخال إلا أن “إمارة المؤمنين” بصفتها تلك، أي بصفتها إمارة لكل المؤمنين بشيء، بمن فيهم المؤمنون باللاإيمان، ستسعهم. أما إصرارها على نقيض ذلك، فسيفرض عليها تغيير التسمية التي تدخل في باب إنتحال هوية، بتسمية أخرى أكثر دقة ومطابقة لواقع الحال وهي”إمارة المسلمين بالوراثة و قوة القانوني الوضعي”. وهما، بلاجدال، مرجعان أبعد ما يكونا عن مبدإ “لاإكراه في الدين” المعروف في النص القرآني عن حرية المعتقد والضمير كما يُقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه الدولة المغربية بلا تحفظ..
 
فهل ستكون الإنفتاحة الرسمية على التشيع المغربي إيذانا و بارقة أمل نحو انفتاحات أخرى على كل الأطياف الدينية و اللادينية للمجتمع المغربي الحداثي وما بعد الحداثي، أم لا زلنا في المربع الضيق للمناورات السياسية البئيسة والتمويهات الإيديولوجية المصابة بقصر نظر مريع ومزمن؟
 
 

 

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع