المقالات

في مفهوم الدّولة المدنيّة التيوقراطية معضلة الديمقراطية

 

 
 
حسن أوزال  
مقاربة لمفهوم الدولة المدنية، أرى أنه من الأجدى استحضار خطابين اثنين، سبق لميشيل فوكو أن اشتغل بهما تحليلا لآليات السلطة، موضّحا كيف تشكلت “عنصرية الدولة” وترسّخت تكنولوجيا السلطة بنوعيها: “الانضباطية” و“الحيوية”. وإذا كان الخطاب الأوّل هو الخطاب الفلسفي –القانوني، المنتظم حول مسألة السيادة وقضية القانون، فالثاني هو الخطاب التاريخي – السياسي، الذي يكشف عن مكامن بؤر التوتر والصراع في عزّ أوقات السلم والأمن. “إن هذا الخطاب الأخير، الذي يُظهر استمرارية ودوام الحرب في المجتمع، خطابٌ تعمل فيه الحقيقة بوصفها سلاحا من أجل انتصار منحاز”(1)هذا بينما الحقيقة تنتصب في الخطاب القانوني كحقّ الغاية منه إنما هي استعادة الأمن وفضّ الصراع وعقد المصالحة بين الأعداء. فرق شاسع إذن بين من يرى في الدولة مرأى التآلف والتآزر، وبين من ينظر إليها كآلة حربية، لا تعرف التوقف ولا أوقات الراحة. على هذا الأساس، ننحو منحى فوكو في التساؤل عما إذا لم يكن النظام المدني أو الدولة المدنية بتعبيرنا هو بالضبط نظام حرب قبل أن يكون نظام سلم ومجال اختمار المعارك وحبكها بدل أن يكون فضاء الأمن والطمأنينة؟
أليس المجتمع، والحالة هذه، مخترق في جوهره بالحرب، وغاص حتى أخمص قدميه في وحل السياسة العفينة، على اعتبار أن السياسة إذا ما اقتفينا أثر مقولة كلوزفيتز المعكوسة بنظر صاحب “المراقبة والعقاب”: “هي استمرار للحرب بوسائل أخرى”؛ فبدل خطاب يزعم أن الدولة تتأسّس على حالة اللاحرب، وتقوم على القانون، يكشف لنا فوكو أنها فحسب حصيلة علاقات سلطة لا محيد لها عن الحرب، لأن النظام الاجتماعي، بطبعه، ينطوي على معارك تعمل في السلم، ويقوم على دسائس مسترسلة تقتفي زي التآخي رغم كونها لا تعرف غير العداء ولا يحكمها سوى الضغينة والحقد. هكذا أصبحنا اليوم أكثر من أي وقت مضى نلوك خطابات هي أبعد ما تكون عن الواقع، بحيث بدل الصراع الطبقي لم نعد نسمع إلا بالسلم الاجتماعي، ومحل العنف الثوري صرنا نتكلم عن الحراك السلمي، وعوض مقولة النضال حلت مقولة التكافل، وبدل لفظة النقابة ترسخت لفظة المقاولة، ومكان الملكية الفردية بدأت تستقرّ عبارة الملكية المشتركة، ومحلّ لفظة الحرية حلت لفظتا الحقّ والقانون…الخ. من ثمة ملحاحية التساؤل عما إذا لم يكن هذا الخطاب السلمي يسعى إلى التطفيف من خطاب العنف الذي هو جوهر الدولة؟ 
فالملاحظ أن هنالك صراعا يحكم طبيعة العلاقات مابين الدولة من جهة والقوى الاجتماعية التي تروم الانفلات ولِمَ لا الانقلاب ضد الدولة من جهة ثانية. فهل الدولة والحالة هذه مرتع كل السلط المتعالية؟ ويستحيل تقويمها أو حتى الحدّ من طغيانها؟ لكن إذا كان الأمر كذلك، فيجب علينا القضاء على الدولة والإجهاز على آلياتها الحربية. عندها نكون من المنتصرين ربما لـ“مجتمعات بلا دولة” كما يذهب إلى ذلك “كلاستر”، الذي يرفض كل النظريات التطورية فيما يخص السلطة السياسية، أو كما يزعم بعض رواد التيار الفوضوي. لكن الواقع أننا اليوم أبعد ما نكون عن هذا التصور، لا لشيء إلا لأنّ الدولة سيف ذو حدّين : قد تكون آلة للقمع والاستغلال مثلما قد تصلح آلة للرفاه والسعادة. 
إن المسألة مسألة إرادة، وما يصدق على الأفراد يصدق على الدولة. فلا شك أن سعادة كل شخص تتوقف أول ما تتوقف على رغبته في السعادة وعشقه للحياة وحبّه للعيش دون عراقيل أو مضيعة للوقت، لأن الكائن البشري محدود في الزمان والحياة لا تقبل الانتظار. هذا هو المحرك الذي من دونه لا شيء يمكننا اللوذ به كأشخاص، ونفس المنطق يسري على المجتمع، بحيث تستحيل السعادة الاجتماعية دون رغبة مسبقة في السعادة، وهي الرغبة التي يستدعي الأمر بلورتها من أجل مجتمع مرح. لذلك نرى أن بعض الدول قطعت أشواطا في هذا المشوار خلافا لدولنا العربية التي ترزح شعوبها في التخلف والكآبة رغم ثرواتها الطائلة.
نظريا إذن يلزمنا الانتصار لطابع الدولة الرأسمالي ضد الليبرالي على حدّ تفسير ميشيل أنفراي ذلك “أن الرأسمالية طريقة لإنتاج الخيرات، وكذا تقنية، وملكية خاصة لوسائل الإنتاج، أما الليبرالية فهي طريقة في التدبير من بين طرق أخرى، للخيرات المنتجة”(2). 
في سياق هذا المعطى، بوسعنا التطرق لإشكالية الدولة المدنية، من حيث هي ما يسمح بالتحرر من التبعية الليبرالية واستعادة الدولة لوطنيتها بحيث تكون في خدمة مواطنيها على أسس واضحة يسندها التعاقد لا غير. لكن هل هذا ممكن في مجتمعاتنا العربية؟ سيما إذا استحضرنا المنظور العمودي الذي وفقه تدبر الأمور كيفما كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. فنحن هنا بدل التعاقد الأرضي نُكْرَه على التعاقد السماوي، وعوض الاحتكام إلى النسبية البشرية نُجْبَر على الاحتكام إلى الإطلاقية الإلهية. كل ذلك يفضي بنا إلى القول بأن مفهوم المدنية الذي بدأ يأخذ مكانة في سياق الحقل العربي، سيما مع حلول الربيع العربي، إن كان يدل على شيء فإنما يدل بالأساس على أن معالم السياسة العربية ما تزال غير واضحة البتة، إن لم نقل أنها تنتعش على نفس المقولات الماضوية، فلا هي قادرة أساسا على الإفصاح عن أزمتها، ولا هي تستطيع الكشف عما تحمله منذ قرون من داء عضال. 
إننا أمام هذا المفهوم في مأزق حقيقي. لماذا؟ لأنه ببساطة مفهوم ملتبس، يخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يجهر. إنه مفهوم يحمل في جبته تناقضا صارخا، لم نستطع البوح به لأزيد من أربعة عشر قرنا، بحيث مكثنا نخلط بين اللاهوت والناسوت وظللنا عاجزين عن الفصل بين الاثنين، تماما مثلما عجز سيزيف عن التوقف عن حمل صخرته في كل مرة إلى الأعلى. أقول هذا لأن السياسة في العالم العربي لم تستطع أن تعلن انفصالها عن الدين-الصخرة، وهكذا بقي دستور الدولة طيلة قرون، يجمع في الوقت نفسه بين الله والإنسان. وهنا مربط الفرس، لأن التناقض بين طرفي المعادلة واضح لا غبار عليه، بل هو أصل الأزمة العربية، وسبب تخلف الأمة. ذلك أن الثقافة العربية، إن كانت تعيش الوعي الشقي منذ زمان، فليس إلا جراء انبطاحها أمام طاغوت التقليد والقدامة من جهة وعجزها عن مسايرة العصر والحداثة من جهة ثانية. 
يتضح هذا التجاذب الوجداني المحرج في جل أطوار حياتنا اليومية، بحيث أننا اليوم رغم كوننا مستقرين في التشبث بهويتنا ومصرين على التمسك بأصولنا، فنحن في واقع الحال نعيش تبدلا كبيرا على مستوى القيم وعلاقتها بالأخلاق جراء سيادة التقنية وانتقال مجتمعاتنا إلى عصر المعلوماتية. إنه عصر أصبحت فيه الكيانات القوية تتوقف على الخلق والإبداع في الهنا والآن؛ فهي لم تعد كيانات ماورائية وإنما ثمرة جهد وعمل دؤوب يخلص إلى صناعة الواقع وبنينته بحسب الأحداث وما قد تأتي به من أزمات. وذلك ما يتطلب بدل لعب دور الدركي المنعزل والمنغلق على نفسه صيانة لهوية مزعومة، الانخراطَ الجدي في مجريات هذا العصر الذي تغيرت فيه البراديغمات كليا، بحيث غدا الذي يتحكم في المنظومات القيمية إذا ما اقتفينا تصور Alexander Bard هو السلوك، لا تصوراتنا للكون واعتقاداتنا. يوضح بارد، إشكاليته في أحد حواراته مؤكدا أن التحول الذي لحق العالم منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي، جعلنا ننتقل من النظام الرأسمالي القائم على الدولة الوطنية والبرجوازية والجامعة، إلى عصر معلوماتي هو قوام ما يدعوه بالمجتمع النيتوقراطي القائم بدوره على ثلاثة أقطاب هي : قطب الأوصياء « les curateurs » ،الذين يعملون على انتقاء وتصنيف المعلومة باعتبارها مصدر السلطة؛ فقطب منتجي المعلومات les nexialistes الذين هم فنانو العصر وأشخاصه الأقوياء المعتمد عليهم داخل النظام الشبكاتي. ثم قطب الأبديين les éternalistes ، الذين هم المنتجون المابعد -عدميين للحقيقة، مثلما هم من يرتب وينظم ماوارء المعلومة la meta-information التي هي قوام السلطة النتوقراطية. وبناء عليه يتبدى أن الصراع الدائر في مجتمعاتنا الجديدة لم يعد صراعا طبقيا بنظر “بارد” مثلما الشأن في التصور الماركسي حيث البروليتاري يواجه البرجوازي أكثر مما هو صراع بين من يستهلك le consumatariat و من ينتج le netocrate . الفرق بين الإثنين يعود إلى كون الثاني يملك كل الوسائل والإمكانيات التي تخوّله بأن ينتج هويته الخاصة في حين أن الأول لا يملك إلا أن يتبضع هويته من بين الهويات المعروضة عليه في السوق. 
بدهي إذن أن يضحى الصراع المعاصر صراعا هوياتيا بامتياز، تتغير فيه حقيقتنا بقدر مشاركتنا في صنعها ليس إلا. فلم تعد الهوية إذن هي ما يتطلب الصيانة والحراسة، كما الدفاع والغيرة بل هي ما يقتضي المبادرة بالخلق والتفكير، ومنافسة الآخر في الإبداع والابتكار. لكن هيهات، هيهات، فنحن والحالة هذه أعجز ما نكون عن الوعي من جهة أولى، باغترابنا في العالم وانفصالنا عن الواقع على اعتبار أننا لم ندرك بعد كوننا مجرد مستهلكين لأزيد من قرون، نلوك خطابات الخصوصية والأصالة معتقدين أن لنا ذواتًا مصطفاة تاريخيا، ومنزهة واقعيا. مثلما نحن من جهة ثانية في حالة قصور قاتلة، لا نقوى على تصحيح المسار بالاعتراف بأننا نعيش التأخر التاريخي مثلما أكد العروي، ونحيا التخلف ثمرة التشبث بالخرافات وحكايات الجدات لأحفادهنّ، في عزّ عصر تقنيّ مشمول بالحركة لا الثبات، عصر أضحى فيه معنى الكينونة والخلود رديف بمدى قدرتنا على صنع الحدث وعيش اللحظة في كثافتها، وابتكار الواقع في فوريته. إنه عصر التعجيل لا التأجيل. عصر صار يتسيد فيه الإنسان باعتباره الإله التقني بامتياز، متجاوزا إكراهات الطبيعة وحتميات الوجود التي كانت بالأمس القريب أساس تمثله الخاطئ لقوة قاهرة اسمها الله.
ذلكم هو العالم اليوم، وقد حسمت معالمه، بينما نحن كضحايا التقنية، نصرّ على الجمع بين الشيء ونقيضه، مما يودي بحياتنا إلى العقم والشلل على حد تعبير باكونين إذ “نريد الله ونريد الإنسانية. ونلحّ على فرض الإقامة الإجبارية وفي البيت نفسه، على شخصين اثنين، لا يمكنهما أن يلتقيا دونما قتال، ولا نكلّ من ترديد بفم واحد: الله وحرية الإنسان، الله والكرامة الإنسانية، الله والرفاه البشري، الله والعدل والمساواة والإخاء الإنساني، غير مكترثين بالمنطق الحتمي الذي بموجبه تؤول كل تلك الأمور إلى الزوال حالما افترضنا وجود الله. لأنّ القول بوجود الله، يعني تباعا أنه بالضرورة هو السيد الخالد، الأسمى والمطلق”(3).
إنه الذات الجبارة، التي تفترض حتما وجود ذات نقيض، محرومة ومعوزة، وغير مكتفية بذاتها هي الذات الإنسانية بحذافرها. مما يعني أن الإنسان لا يمكنه في سياق هذه المعادلة إلا أن يوجد كعبد ضعيف، منذور للموت. ليس لنا إذن إلا أن نختار ونحسم في الاختيار بين الاثنين. فإما الله وإما الإنسان. إما الأسر وإما الحرية. إما الفقر وإما الثراء. إما الموت وإما الحياة. إما الاستبداد وإما الديمقراطية. إما الظلامية وإما التنوير. ماذا نريد؟ ولأية جهة ننتصر طالما ليس ثمة من منطقة وسطى؟ من يجرؤ على المراهنة؟ وهل تستطيع عقول مسطحة أن تركب غمار التجربة؟ أن ترحل بعيدا لاختبار العيش ولو ليلة دونما راع؟ أن تحيا بلا بؤس دونما إله، مفندة ولو لمرة واحدة أطروحة رجال الدين، حتى ولو كانوا من طراز باسكال؟ من يقو على الدفع بالأمور حتى أقصاها، ليختبر الحلول بدل أنصاف الحلول؟ هل ستسافر الثورة، ليعمّ إنجيل السواد، فيرتفع الحداد إلى جبين الله كما قال درويش؟ أم أن دولتنا أصغر ما تكون لتحضن الفكرة؟ على اعتبار أن ساستها مافتئوا ينتصرون لـ“اللاهوت” ضد الناسوت، وللقمع عوض الحرية ولهم من الجرأة ما يكفي لبعث الله من جديد حتى ولو افترضنا عدم وجوده. فهو على كل حال، عونهم الوحيد على السيادة والاستحواذ، كما الهيمنة والاستغلال. ذلك أن التراتبية، اشتقاقا تفترض سلفا، وجود سلطة مقدسة، سلطة تكون مطلقة مائة بالمائة. مما يولد انبثاق دولة استبدادية بدل الدولة المدنية. وإذا كان كلاهما مخترق بعلاقات السلطة، فالسلطة كشرّ لا بدّ منه، لا ينبغي أن تمارس من لدن أو باسم طرف ثالث، أكثر مما ينبغي أن تجسّد إرادات حرّة قوامها التعاقد بدل العلاقات العمودية، وأساسها الحرية لا القمع. 
على هذا النحو، يجب القول بأن الدولة المدنية هي ما يقوم على علاقات أفقية أكثر تحررا، بموجبها يلوذ الأفراد كل بحريته طالما لا يخل بحرية الآخرين فيستطيع وفق مبدأ شامفور “أن يُمْتِع وأن يستمتع دون أن يؤذي نفسه أو غيره”. لكن العمل بمبدأ كهذا يستحيل ما لم تحلّ أخلاق المحايثة محلّ أخلاق التعالي ويضمن التوزيع العادل للثروات بدل استحواذ فئة معيّنة ومخصوصة عليها بالكامل. فالغنيّ،“المالك، النرجسيّ على حدّ تعبير”برودون“، يتنكّر للطبع المزدوج للإنسان، الحرّ والاجتماعي، ولا يروقه إلا الاستمتاع بالمجتمع دون أن يسمح للمجتمع بأن يستمتع به : فهو ليس اجتماعيا إلا من أجل مصلحته الخاصة، ويتنكّر لحقّ الآخرين عليه”(4). 
هكذا جعل هذا الأخير الدولة في خدمته، فلم يترك لغيره عدا الإذعان لهذا الجهاز القمعي والانصياع لمؤسساته الآسرة بدل أن تكون الدولة مصدر الأمن والرفاه كما الحرية والسعادة. إن ما لم تستوعبه فئة الحكام، المستغِلّين للشعوب، إنما هو أنّ“الغاية القصوى من تأسيس الدولة، ليست السيادة والتسلط أو إرهاب الناس وجعلهم يقعون تحت نير الآخرين، بل هي تحريرهم من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان، أي يحتفظ قدر الإمكان بحقه الطبيعي في الحياة والعمل دون إلحاق ضرر بغيره .”(5)
نذهب هذا المنحى لأننا نرى أن مشكلة السلطة التي بموجبها ينقسم الناس إلى حكام ومحكومين، مستغِلين ومستغَلين، أسياد وعبيد، أغنياء وفقراء، هي ما يجعل الدولة تتبنى أخلاقا متعالية، تصادر الحرية الإنسانية كليا مستبيحة بالتالي كل ما بوسعه أن ينتهك الكرامة والحق الإنسانيين. أما حالما تعمل الدولة على أساس العقلانية والتعاقد فعندها فحسب يمكن لأرضية السعادة البشرية أن تشرع في التشكل مثلما عندها فقط يمكن للإنسان أن يتحقق كمشروع حرّ. الدولة إذن مشروع تعاقدي أفقي، يتقاسم على أساسه الجميع المضرات كما المحاسن، ويغرف فيه الكل من الألم قدرما يغرفه من السعادة. وعليه تصبح السلطة نظاما قابلا للتداول دونما احتكار مدى الحياة من لدن حفنة مخصوصة، مثلما الشأن في بلداننا العربية حيث نظم الحكم تقوم على البيعة (بيعة أهل الحل والعقد كما الحال في السعودية) أو باعتماد الكتاب المغلق إسوة بالسلف الصالح بين قوسين، أو سيرا على نهج ولاية الفقيه كما الشأن في إيران أو بالاستفتاء على الشريعة الإسلامية مثلما في السودان أيام النميري بحيث الموافقة عليها تعني ضمنيا الموافقة على الحاكم. إلى هذا الحد يتبدى أن الدولة من حيث هي كذلك، يستلزم أن تنفصل عن الدين، ضمانا للحرية، حرية رعاياها الذين و إن قبلوا التنازل تعاقديا عن سلطاتهم، ففقط في انتظار إنصافهم عبر التعاضد والاجتماع. ذلك أن الاعتقاد الذاتي، يكون خطيرا لا على صاحبه فحسب بل على الجميع، حالما يضحى مسألة عامة تلزم الكل. فهل يعقل أن ينتظم مجتمع بأكمله على أساس مرض عقلي شخصي؟ 
هل من المشروع أن يتمركز عالم بأكمله على قوام هلوسة تخصني وحدي؟ أليس هذا هو داؤنا العضال منذ قرون؟ فعندما نوجه غريزة الموت التي تنخرنا نحو الآخرين، إنما نعمل في واقع الأمر على قتل أنفسنا كما العالم من حولنا. من ثمة القول بأن الدولة المدنية تستحيل دونما التصريح بعلمانيتها. إذ من البهتان تشييد صرح مجتمع إنساني ينعم فيه كل واحد بالسعادة والرخاء دونما التحلي بقيم التنوير والعقلانية. مما يعني التخلص من الإيمان بالخرافات والأوهام والكفّ عن المتاجرة بالماورائيات، لأن مع كل تيوقراطية تستعصي الديمقراطية. تتوقف المدنية إذن على مشروع تنويري يستلزم مرحلتين اثنتين: الأولى مرحلة الهدم والتفكيك والثانية هي مرحلة البناء والتأسيس. من ثمة السؤال: أين نحن من المرحلة الأولى، حتى نبدأ في الثانية؟ 
والصراحة أننا في بلدان جنوب المتوسط وشرقه ما زلنا نتعثر بين أحضان اللاهوت، وتخوننا الجرأة، كل الجرأة اللازمة لتشخيص الداء قبل إتيان الدواء. آيتي في ذلك كون الشعوب العربية اليوم، في عز هذا الحراك، تخال ببساطة أن التغيير لا يقتضي منها إلا قلب الأنظمة البوليسية القائمة لا غير. فالناس لا تربط التخلف بذواتها ولا ترى أنها طرف رئيسي فيما تعيشه من ويلات جراء تصورها للحياة وتمثلاتها للحقيقة ومنظورها القاتم للوجود. والحال أننا بين عشية وضحاها نجهز على رأس نظام بوليسي، لكن ليس بالمثل نستطيع أن نغير ما بعقل كائن إنساني. إذ يستدعي تغيير العقول عصورا وقرونا، ويتوقف على مدى استيعاب الفرد للثورات الإنسانية سواء منها التي طرأت على مستوى العلم أو الفكر أو الجغرافيا أو التاريخ أو الموسيقى…أليس من مغبة التهور إذن، أن يقدم جمهور على حد تعبير سبينوزا ، على “الإطاحة بالطاغية دونما القضاء على أسباب طغيانه”؟(6) 
هل لا بدّ للدولة من الدين؟ وهل لذلك بالضبط، تتغير الأنظمة وتزول، بينما تبقى الأديان وتدوم؟ لماذا نظل محكومين بسلطان الدين رغم سقوط الحكام وتلاشي الأنظمة السياسية وتغير البراديغمات؟ لا شك أن الدين أفيون الشعوب كما ألح ماركس، يعمل كمخلص للبشرية، على تجييش الوعي الجمعي بشعارات واعتقادات سرعان ما تحاك في خطاب أخروي يأسر عقول الناس، الذين كلما عزمت على تغيير حاكم، أتوا بآخر أبشع وأفظع. فالناس من فرط الجهل والأمية وتشبّعهم بفيتامين الضعفاء، يجمعون، حالما يتوجهون نحو صناديق الاقتراع، على أن الأفضل إن لم نقل الأحق(نسبة للشرع) إنما هو التصويت للمؤمن لا الكافر، ولابن القبيلة قبل ابن الإنسان، وللجار بدل الغريب…بدهي إذن ألا ديمقراطية ممكنة مع عقلية إيمانية، عقلية بدل معايير كونية تحتكم إلى معايير محلية، وبدل الكفاءة تنتصر للقرابة، وعوض العقلانية تجمع على الإيمانية. فهي على كل حال متشبعة بثقافة من لا ثقافة له، ثقافة تكاد تختزل في العبارة الشهيرة :“أنصر أخاك ظالما كان أو مظلوما.” وهي بالمناسبة عبارة سليلة الفضاء القروسطي الذي لم نبرح أرضيته بعد، خلافا للشعوب الأخرى، التي عرفت العلوم وتشبعت بقيم التنوير أساس حقوق الإنسان وغرفت من صحون المعرفة ميثاق التفتح و اللاانغلاق. إنها الشعوب التي مع اكتشافها لأمريكا سنة 1492 صارت ترى الحقيقة الواحدة حقائق متعددة، فلم يعد الإنسان أروبيا، أبيض ومسيحيا فحسب بل أضحى كونيا ملونا وعلى ملل ونحل غير قابلة للحصر. الحقيقة هنا مشمولة بالزمان وخاضعة لمنطق التاريخ خلافا للمنظور الديني القطعي الذي يخالها مطلقة وغير نسبية إلى الأبد. فهل نستطيع أن نتنازل عن إطلاقياتنا، ونقتفي أثر هؤلاء الشجعان؟ هل نستطيع أن نغير نظرتنا للحقيقة والجمال كما الخير والشر، بحيث يغدو كل منهما قضية استنتاج وحساب بدل أن يبقى مسنودا إلى منطق البرهان التيولوجي السلطوي؟ هل نستطيع أن نكون فنانين في تبنينا للحقيقة، بحيث نقبل بإخضاعها لمحنة التجربة والملاحظة عوض لزوم الإيمانية والاعتقاد؟ هل لدينا ما يكفي من الجرأة لقبول ما يطرأ عليها تاريخيا من تغيرات بدل التشبث الأعمى بقطعية ثباتها وسرمدية جوهرها؟ هل يمكننا الاعتراف ولو لمرة في التاريخ، بأفول حقيقتنا؟ وهل نجرؤ على أن نتملى كيف كنا ننقض في واقع الأمر ذواتنا ونعاكسها على خلاف طبيعتها، جراء ما تشربناه من إيديولوجيا اغترابية، أثبت التاريخ أنها سبب تمزقاتنا وتخلفنا؟ فكيف لنا بالدولة المدنية في بلدان يتحدد فيها مصير الفرد قياسا بمدى اعتناقه لدين الجماعة؟ ولا يعترف بأحقيته في الوجود، إلا اعتبارا لانصياعه للشرائع السائدة؟ هكذا نجد أن محنة الشيعة في بلد سني كالسعودية مثلا توازيها عذابات الشعب الأحوازي في بلد شيعي كإيران، قس على ذلك باقي الأقليات التي ليس لها إلا أن تعيش على هامش المجتمع وتكابد سوء حظها التاريخي الذي أوقعها في ورطة جغرافية لم تخترها أبدا. ورطة من قبيل ورطة الأمازيغ في شمال إفريقيا والأكراد في العراق وتركيا وإيران، الذين رغم كونهم أكبر مجموعة عرقية في العالم، يعيشون دون دولة خاصة بهم. هذا ناهيك عما يجري في دارفور بالسودان حيث ينقسم المواطنون إلى مواطنين من درجة أولى وهم المسلمون بطبيعة الحال ومواطنين من درجة ثانية وهم غير المسلمين من أهل الكتاب أو من يطلق عليهم بتعبير آخر أهل الذمة، وهم بدورهم صنفان :الصنف الأول يشمل أولئك الذين تعاهدوا مع الدولة الإسلامية بعد الحرب، فقبلوا مكرهين على أن يسكنوا فيها بشروط، ثم أولئك الذين استسلموا دونما حرب مسبقة. هذا ما يؤكد مرة أخرى أن مشكل الدول الدينية هو مشكل الحرية، التي يستحيل أن تتحقق خارج علاقة تعاقدية كما أسلفنا، ينعدم فيها كل تسلط عمودي، يقتضي التحت والفوق، من أجل علاقات قوى أفقية، مشدودة إلى مبدأ التشارك والتعاون، كما التعاضد والتناوب؛ وعلى هذا النحو لا غير، بوسعنا القول أننا سنشرع في تحقيق الثورة الحق، ثورة الفكر أقصد، التي هي وحدها الكفيلة بجعل مركب التغيير في منأى عن رياح الظلامية الهوجاء. لكن ذلك ما يتطلب منا ثورات ثلاثا، تصبّ كلها في نهر الثورة الكبرى، وهي: الثورة على مستوى المنهج والثورة على مستوى الأخلاق والثورة على مستوى الدين. الأولى تقتضي تفعيل منهج عقلاني تفكيكي ارتيابي يعمل فيه العقل كأداة مفندة للخرافات والأوهام الماورائية التي عليها شيد صرح الدولة اللاهوتية؛ بيد أن الثانية تستدعي حلول أخلاق محايثة محل الأخلاق المتعالية أي بلورة أخلاق خاصة تغدو معها حرية الآخر هي ما يؤلف حريتي ويدعمها لا ما يعرقلها أو يحد منها. أما الثورة الثالثة فهي ما يتطلب منا حصر الاعتقاد وإبقاءه وهو الأهم، على المستوى الخاص. على هذا المنوال فحسب، يتبدى إمكان بزوغ دولة مدنية، بحيث عندها فقط نستطيع أن نغرف جميعا من وجبة السعادة الاجتماعية، التي شارك كل منا في بناء صرحها، داركا أن فرحة الهدم والتفكيك، هي في الوقت نفسه فرحة الخلق والإبداع، لأن الإنسان مثلما أكد السفسطائي بروتاغوراس، هو وحده مقياس كل الأشياء، فمتى غيَّر من تصوراته غيَّر في الآن نفسه من محيطه وحياته، ومتى عجز عن ذلك، كان له الموت بالمرصاد، تماما على نحو ما تموت الأفاعي التي عجزت عن تغيير جلدها كما لاحظ صاحب جنيالوجيا الأخلاق.
الهوامش:
1- ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة وتقديم وتعليق د.الزواوي بغوره، دار الطليعة-بيروت،الطبعة الأولى 2003 ،ص.257 .
2- حوار مع مشيل أنفراي، مجلة نزوى العدد 68 ،أكتوبر 2011 ،ترجمة حسن أوزال.
3- Michel Bakounine, Dieu et l’État, éd. Genève 1882(version électronique)
4- Pierre-Joseph Proudhon, Qu’est-ce que la propriété ?éd. Présentée par Robert Damien, Introduite et Annotée par Edward Castleton ,LGF,2009 ,p.71
5- سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة، الفصل العشرون، ترجمة وتقديم د.حسن حنفي، مراجعة د.فؤاد زكريا، دار الطليعة-بيروت ،الطبعة الرابعة 1997 .
6- سبينوزا، كتاب السياسة، ترجمة وتقديم جلال الدين سعيد،1999 دار الجنوب للنشر، تونس، ص.60
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع