المقالات

الحركة الأمازيغية ونقد السياسات العمومية من خلال النقاش العمومي

 

 
رشيد الحاحي
يعود مصطلح العمومية la publicité -والمعنى هنا يتجاوز كلمة الإشهار بمعناه التجاري المحدود- إلى المفكر الألماني يورغن هابرماس الذي تناول مفهوم العمومية وأسس لمعناها السياسي والديمقراطي الحديث، إلا أنه نفسه يؤكد خلال أطروحته بأن هذا المفهوم يعود في أصله إلى الفيلسوف الألماني إمانويل كانط، حيث اعتبر هابرماس النص الشهير لكانط "ماهي الأنوار؟" بأول نص تأسيسي لمفهوم العمومية.ففي هذا النص التأسيسي في الفكر المعاصر، يقول كانط بأن الأنوار هي الخروج من حالة القصور والوصاية على الكائن البشري، وتتحدد بتغير العلاقة الموجودة سلفا بين الإرادة والسلطات، وبتوظيف الإنسان لعقله في مختلف مناحي الحياة.
 
انطلاقا من هذا المبدأ التنويري، فالعمومية تعني حسب هابرماس استعمال العقل والتفكير بصوت عال، والتواصل المباشر والحر في الفضاء العام، وتبادل الآراء والأفكار بالشكل الذي يسمح بخلق وتثبيت مشهد عمومي وعام، تتقاطع فيه الأنظار وتتمكن فيه العقول عبر إمكانات التواصل والتلاقي بينها من التطور المتلازم. فالأفكار والعقول والأحاسيس والآراء لا تظهر وتتطور وتنضج إلا من خلال تلاقيها وتفاعلها وتنافسها، أو حتى صراعها أحيانا، في الفضاء العمومي.
 
وبالاستعمال العمومي للعقل والفكر الإنساني تتحقق المواطنة، ويضطلع المواطن بوظيفته المزدوجة، باعتباره فاعل ومتتبع، أو إن شئنا الفاعل أو الممارس والناقد أو المصحح والمبدع والمغير.من هذا المنطلق يرتهن تطور مجتمع ما وتنويره بإمكانيات ومستوى الاستعمال العمومي للعقل، وما يتيحه ذلك من التداول الحر للأفكار والآراء، حيث يعتبر هذا المبدأ حقا إنسانيا مقدسا، وكل رقابة ضده وتضييق لمساحاته هي استبداد وانتهاك لحرية الرأي والتعبير والتفكير.لهذا يعتبر هابرماس الفضاء العام مجالا للنقاش المستمر الذي تتم فيه المكاشفة والمحاسبة العلنية للأفكار والتوجهات الفردية والجماعية، لكن أيضا المجال الذي تتم فيه مراقبة ومحاسبة السلطة العمومية.
 
ترتبط إذن العمومية بالفضاء والنقاش العامين، وبهذا المعنى يمكن اعتبار آليات النقاش والنشر والتواصل، والتعبير عن الرأي والمواقف، ونقد السياسات العمومية وقرارات واختيارات الدولة، والاحتجاج عليها والترافع من أجل تغييرها، واقتراح الحلول وإبداع الأفكار والبدائل، كلها آليات لتصريف وتحقيق العمومية التي هي شرط أساسي للحياة الديمقراطية ولتطور المجتمعات المعاصرة.
 
لا شك أن المتتبع لتاريخ نشأة وتطور الحركة الأمازيغية في المغرب يلاحظ بشكل جلي أنها بنت رصيدها النضالي وخطابها المعرفي والتصحيحي، وانتزعت حضورها ومشروعيتها في فضاء المجتمع والنقاش الثقافي والحقوقي والسياسي، انطلاقا من النقاش العمومي والفضاء العمومي. وبين مختلف الحركات والتيارات التي يعرفها فضاء المجتمع والنقاش السياسي والإيديولوجي، يمكن القول بأن الحركة الأمازيغية هي أكثر الحركات والخطابات التي تماهت كليا في طبيعة نشأتها وصيرورتها، وفي هويتها اللاحتجاجية وخطابها النقدي ونضالها الديمقراطي العلني والمباشر مع مفهوم الفضاء العام بمفهومه التنويري والديمقراطي الحديث.
 
هذا مقارنة مع العديد من التيارات والمشاريع الأخرى التي عرفها ويعرفها فضاء المجتمع، فقد كان جلها يفضل النضال والعمل التنظيمي الصرف والداخلي والسري، ومنها التي تعتمد تصورات وخيارات مناقضة تماما للعمومية بمفهومها الديمقراطي الحديث، كطرق وأساليب الدسائس والتقية والتمويه والنفاق السياسي...
 
فبداية العمل وبروز الوعي الأمازيغي المعاصر تم في إطار ممكنات العمل الجمعوي وقانون الحريات العامة، حيث تعتبر الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي "أمريك" أول جمعية أمازيغية تأسست سنة 1968، وتلتها جمعيات أخرى ومنها جمعية الانطلاقة بالناظور، وتماينوت، والجمعية الأمازيغية، والجامعة الصيفية بأكادير... وعملت كلها في إطار إمكانيات العمل الجمعوي العمومي من أجل تحقيق الأهداف المعلنة في قوانينها الأساسية وعلى رأسها تطوير اللغة والثقافة الأمازيغية والدفاع عنها لإنصافها في السياسات العمومية ومؤسسات الدولة.
 
بعد ذلك، وخلال نفس المرحلة عمل الفاعل والمناضل الأمازيغي على توظيف إمكانيات النقاش العمومي من خلال إبداء الرأي والنشر، بيد أن هذا التحول ووجه باستبداد السلطة حيث بمجرد شروع مجلة أمازيغ في إصدار نسختها باللغة العربية، تمت مصادرتها مند العدد الأول الذي تضمن المقال الشهير للمؤرخ والشاعر المغربي علي صدقي أزايكو والمعنون ب"من أجل مفهوم حقيقي لثقافتنا الوطنية"، والذي كلفه سنة سجن نافذة.
 
وبعد فترة من المنع والتضييق على العمل الجمعوي الأمازيغي وعلى الحضور في النقاش العمومي دامت حوالي عشر سنوات، كان أبرزها منع دورات الجامعة الصيفية، ونتيجة تطور الوعي الأمازيغي وتعنت السلطة تم الانتقال من النقاش العمومي إلى الفضاء العام للتعبير عن المطالب ونقد السياسات العمومية، وقد ووجه هذا الانتقال بدوره باستبداد السلطة واعتقال وسجن مناضلي جمعية تليلي بكلميمة خلال مشاركتهم في مسيرة فاتح ماي سنة 1994 ورفعهم شعارات تطالب بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية ولافتات مكتوبة بحرف تفيناغ.
 
وفي أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة استطاع الفاعل الأمازيغي، خاصة الكتاب والمثقفين والباحثين والمناضلين في الإطارات المدنية، انتزاع مكانة قضيتهم البارزة في فضاء النقاش العمومي من خلال العمل المدني والأنشطة الجمعوية والندوات الثقافية واللقاءات الفنية والتنسيقيات والبيانات السياسية والترافع وصياغة التقارير الحقوقية، وعبر إنتاج الرأي والتأليف والعمل البحثي والنقدي والحضور في الإعلام المكتوب والسمعي والمرئي.
 
ومن الواضح أن قوة الحركة الأمازيغية ومشروعية نضالها الديمقراطي، وربما ضعفها أيضا قد يقول قائل، تكمن في عملها النضالي العمومي بمعناه السياسي الحديث. فهي توظف حاليا كل هذه الأشكال من العمل العمومي التي اعتمدتها خلال المراحل والسياقات السابقة، إضافة إلى الحضور الاحتجاجي والتعبير عن مطالبها ونقد السياسات العمومية واختيارات وممارسات الدولة في الفضاء العام، كما كان ذلك بارزا خلال مشاركتها في حركة 20 فبراير في سياق حلم التغيير وإسقاط الفساد والاستبداد، ومن خلال حركة توادا التي تضم الشباب الأمازيغي، إضافة إلى توظيفها للإمكانيات الجديدة التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة أو ما يمكن تسميته ب"العمومية الافتراضية"، خاصة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي سارت تلعب أدوارا مهمة في التواصل وتبادل الرأي والتعبير والتعبئة ونقد السياسات العمومية.
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع