المقالات

الجهوية بعقلية المركز (مزيد من التكريع)

 
وكيم الزياني
تعتبر الأنظمة الفيدرالية من أرقى الأنظمة السياسية ديمقراطيا، من حيث عملية ممارسة السلطة وإقتسامها، والتدبير العقلاني للحكامة والمخططات التنموية بمختلف تشعباتها، وذلك بعدم تركيز السلطة والتدبير في اليد الواحدة، التي تستبعد تكريس عقلية الحكم المركزي اليعقوبي، المستبد من حيث التشريع والحكم والتنفيذ، واستجابة لاستقلال السلط وتقسيمها، آخذا بمبدأ مونتسكيو.
 
هذا من حيث ممارسة السلطة بشكل عام، وقد تُقتسم السلط ويُخول تفعيلها في الأنظمة الفيدرالية إلى البرلمان الفيدرالي المنتخب من طرف مواطني أي جهة فيدرالية بشكل ديمقراطي، حتى يستمد -برلمان فيدرالي- أو ساهرين على الشأن التدبيري الفيدرالي شرعيتهم من الساكنة التي تمنحهم حق تمثيل وتسيير أمور منطقتها بنفسها، بعيدا عن الوصاية الخارجية وقرارات المركز والتمركز الذي قد تمارسها الدولة على الجهات الفيدرالية.
 
وهكذا يتم إقتسام ممارسة السلط، وتدبير الشأن الجهوي الفيدرالي، بما يتماشى وكل جهة فيدرالية ورهاناتها وتحدياتها وأهدافها وإكراهاتها.
 
ومن جهة أخرى يعتبر النظام الفيدرالي أساسا لأي إقلاع إقتصادي تنموي محلي، وذلك باعطاء الحق للجهات في تدبير قضاياها الاقتصادية والتنموية، بعقلية فيدرالية محلية، مستحضرة لمواردها وثرواتها المادية واللامدية، تأخذها كأساس لتأسيس لأي تنمية فيدرالية محلية ممكنة، وبعيدا كذلك عن عقلية جهات الدولة التي تصدر الموارد من الجهة لخدمة المركز، أو من جهة لخدمة جهة آخرى، مما قد يؤسس لفوارق اجتماعية واقتصادية وتنموية بين الجهات الفيدرالية، وتهميش جهة ما على حساب تنمية جهة أخرى.
 
وهذا ما حدت في المغرب من يوم حصوله على الاستقلال الشكلي، حيث كرست العقلية المركزية والدولة اليعقوبية الأحادية في الحكم والقرار والتنفيذ، مما خلف فوارق مهولة لا يمكن مقارنتها بين ما سمي في عقلية الدولة المخزنية ب “بلاد المخزن” و ب “بلاد السيبة” وزادت هذه الفوارق بين المناطق عند تبنى سياسة إستعمارية التي أسست لها الادارة الفرنسية بتقسيمها الثنائي، الذي أسمته في “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع” عانى فيه الثاني على حساب الأول، وما زال يعاني حيث تغيب فيه أدنى شروط التنمية، وكل ما تم كان بعقلية سياسية مركزية، غايتها تعبيد الطريق لتسييد مخطاطتها التركيعية.
 
أما التقسيمات التي اعتمدها المغرب منذ الاستقلال الشكلي، كان الهدف منها كلها تكريس عقلية جهات الدولة لا دولة الجهات الفيدرالية المستقلة في تسيير أمورها المحلية، كما أن الدولة المخزنية لم تراعي فيه أدنى شروط التجانس السوسيوثقافي والتاريخي واللغوي (اللهجات) والحفاظ عليه، بل مزجت بين الخصوصيات التاريخية والثقافية في قالب واحد، حتى يستجيب لتسييد سياسة الدولة من حيث التعريب والتعميم والتوحيد…
 
وها هي الدولة المغربية اليوم تؤسس لنفس العقلية القديمة في تعاملها مع “التقسيم الجهوي الجديد” لم تراعي فيه أدنى شروط التجانس الثقافي والتاريخي، ولا شروط النهوض بأي تنمية ممكنة، بل زادت في تكريس الفوارق بين المناطق، بمبرر “التضامن بين الجهات” و”استبعاد النعرات” كما سمت ذلك، مما يبين أن العقلية المركزية ستبقى هي هي، رغم كل ما قد يتم، وأكثر من ذلك، قراءة “التقسيم” من زاوية المقاربة الأمنية أكثر من ما هي مقاربة تنموية، أو تسيير الجهة لنفسها بنفسها، وزادت عليه مُكون الصراع السياسي الحزبي الذي يأخذ المسألة من زاوية الحصول على الأصوات الانتخابية فقط، للوصول إلى سدة الحكومة، لتأمين وخدمة مصالحها الحزبية الضيقية، قائلة “فلتذهب الخصوصيات التاريخية والتقافية بين المناطق إلى الجحيم”!
 
ومع هذا من زاوية نظري، أرى أن مسألة “التقسيم” لا تنحصر في طبيعته البحتة، بل يتجاوز ذلك، ليشمل طبيعة عقلية الدولة المخزنية، وبمدى ارادتها السياسة لتأسيس لدولة الجهات الفيدرالية، التي تسير نفسها بنفسها، وبمدى ديمقراطية الترسانة القانونية التي تؤطرها بشكل عام، لأن تأسيس لنظام فيدرالي لا يمكن أبدا أن يتم من داخل دولة ذات عقلية مركزية في ممارسة السلطة والحكم، بل بالأحرى يتم من داخل دولة أسست بشكل فعلي لمدخل الانتقال الديمقراطي الحقيقي، والقطع مع سلطة التسلط والاستبداد، من خلال اقرار ترسانة قانونية ديمقراطية.
 
الأمر يتعلق بالديمقراطية العلمانية المدنية الفيدرالية، وإقرار بالهوية الحقيقية لدولة الأرض لا أرض الدولة، ترفدها ترسانة قانونية تقر بشكل فعلي بتقسيم السلطة وتوزيع الثروة، حتى يتم التأسيس للبنات المسؤولية والمحاسبة بين الحاكمين والمحكومين، وللبنات الحكم الديمقراطي والازدهار الاقتصادي، وبدون ذلك، ستبقى المخططات والسياسات، مجرد شعارات هدفها الرئيسي بسط الدولة الاستبدادية سيطرتها على الوطن والعباد والخيرات.
 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع