المقالات

صور من باريس ما قبل وبعد شارلي

 

رشيد الحاحي 
وأنت تعبر فضاءات المطارات ومحطات القطار والميترو، أو تتجول في شوارع باريس وفضاءاتها ، في بهو الفندق أو على كونتوار المقهى، تستقل البيس أو ترتاد المساحات التجارية الكبرى، تنتظر دورك في الصفوف أو تمشي على الأرصفة وتلج المتاجر أو المطاعم ...ينتابك الإحساس بأن شيئا ما حصل، تحس بتغير الناس والأحوال واضطراب الوجوه والابتسامات، فلم تعد هي باريس التي أعرفها وأشياء كثيرة حصلت. نظرات توجس يحدوها الكثير من الحذر المتبادل وحركات الناس التي لم تعد عفوية وواثقة، سواء الفرنسيين والفرنسيات أو ذوي الأصول والألوان والملامح الأخرى المختلفة الذين يعج بهم المشهد الباريسي المختلط. 
يبدو الوضع مختلفا بين جنبات وأروقة متحف الفن المعاصر حيث يسود اطمئنان أكثر، وكأن ولوج المتاحف في حد ذاته انتقاء واصطفاء، وتقاسم فضاء الإبداع الجمالي والنظر المشترك إلى اللوحات والتثبيتات والمنحوتات والفوتوغرافيات...يقرب أكثر بين البشر وينسي الجميع ولو للحظات اختلافاتهم التي حولها العنف المتبادل إلى صراع خفي وحذر وتوجس صامت. فالفن قادر على تبديد القبح البشري وانتزاع مزيد من الاطمئنان والبسمات والاحترام المتبادل من بين تقاسيم الوجوه والعيون والألسن المختلفة، ولو للحظات.
لا أدري إن كان التوجس والحذر سيستمر في بسط غيمته التي تعكر أجواء باريس وأنوارها المألوفة، أم أن منطق التاريخ والأشياء يكون دائما أقوى من صراع المعتقدات والإيديولوجيات والمصالح وردود وتصرفات الأشخاص والجماعات، حيث ينتصر العقل والاختلاف والتعايش والحب والتقدير الإنساني على الاستغلال والاستغباء والازدراء والهمجية والكراهية؟ 
أتذكر مشاهد سابقة تجعلني مطمئنا للمستقبل. اندهشت وأنا أتابع مند عدة سنوات كيف هرولتا امرأتان مسنتان فرنسيتان على الرصيف وسط باريس وتذرعن بولوج متجر هربا بعد أن أسأن الضن بشخص ذو ملامح عربية-إسلامية يعبر الشارع فجأة في اتجاههن، ولم يطمئن إلا بعد انصرافه من المشهد!
أتذكر كيف فقد أستاذ باحث فرنسي بمعهد تربوي عالي صوابه ولم يعد يمتلك نفسه بعد نقاش عميق بيننا حول مواضيع عديدة منها وضعية الفن في فرنسا، والمركزية الغربية والاختلاف الثقافي...، بعد أن كان يعتقد نفسه وثقافته مركز العالم، وبقية البلدان مجرد براري وشمال إفريقيا صحراء قاحلة. 
أتذكر كيف انزعج جزائريون عندما ولجت دريكستور خاص بهم، ولم يهدأ لهم بال فكلفوا امرأة بالقيام بكل المحاولات الممكنة لتعرف أصولي وجنسيتي...، سألتني: Tu es Arabe ?، أجبت: Non je suis Amazigh، حوار انتهى بمغادرتي، مغادرة كيتو عربي في اتجاه باريس الفسيحة! 
أتذكر كيف أحسست بغربة كبيرة رفقة صديق فرنسي ونحن نتجول في إحدى المدن الصغرى بجبال الأرديش حيث مقر عمله، وبعد كل تلك النظرات والحركات غير المألوفة التي تنم عن توجس من طرف العابرين والناظرين وحتى معارفه، اكتشفت فيما بعد أننا نتجول في إحدى معاقل جون ماري لوبين الأولى وبلدياته التي يجتاحها بنسبة أصوات مهولة!
على نقيض هذه المشاهد السلبية والعابرة، تحتفظ ذاكرتي وتنتعش أكثر بالعديد من الصور واللحظات الجميلة التي تقاسمتها ولا أزال مع الفرنسيين. أتذكر منها الآن كيف تقدمت مني شابة فرنسية ذات شتاء وتقاسمت معي حجم مظلتها بعد تهاطل المطر ونحن ننتظر دورنا في صف طويل أمام مدخل متحف جورج بومبيدو، وبعد التعارف وتبادل أطراف الحديث والتقدم في النقاش أصرت على أن تهديني رواية L’âge de raison لجون بول سارتر التي كانت تحملها في يدها.
أتذكر العديد من اللقاءات والنقاشات الثقافية التي جمعتني بالفرنسيات والفرنسيين خلال ندواتي الثقافية وافتتاح معارضي التشكيلية وعروضي البيداغوجية بباريس ومونبوليي وكرونوبل ورومونس وفالونس وبريفا... أتذكر لحظات مهمة جمعتني صدفة بالعديد منهم على متن القطارات وفي محطات المترو وفي فضاءات المقاهي والمتاحف والمسارح والمعاهد الجامعية...والتي كانت تذوب فيها اختلافاتنا ومعتقداتنا وأصولنا...أمام منطق التبادل الثقافي والمعرفي والإنساني.
أتذكر صورة أصحاب لحي بملامح صارمة وإصرار على المشاركة، يحملون كيسا كبيرا لجمع التبرعات في مدخل مسجد كبير بضواحي باريس يوم الجمعة، وعندما استفسرت أحد أقاربي الذي دعاني وكان برفقتي أكد لي أن المشهد يتكرر مند عدة سنوات وآلاف الفرنك كانت تجمع حينها كل أسبوع، وفي جناح النساء يتبرعن حتى بحليهن، لكن وجهة كل تلك الأكياس المملوءة من المال والحلي تبقى مجهولة!
تأكدت مما كان يؤكده العديد من الأصدقاء، الفضاءات الوحيدة التي يغيب فيها الحوار ويضخم فيها الخلاف والأحكام المطلقة في فرنسا وغيرها من دول أوروبا هي بعض المساجد والكنائس والكيتوهات المعزولة، وبعض المتخيلات والخطابات الدينية والإعلامية والسياسية...الضيقة والمنغلقة.
فباريس تتسع للجميع، وكل مدن وقرى ودول وقارات العالم تتسع لنا جميعنا، لكن أيادي خفية عليا وظاهرة تحرك دمى الشر المتبادل لإثارة الكراهية.المؤكد أن الناس يعرفون بعضهم البعض، وجلهم يقدرون اختلافهم المتبادل، جلنا مطلع على ثقافتهم ويقدر عطاءهم الإنساني والحضاري، وجلهم يقدرون قيمة ثقافتنا واختلافنا، والكثيرون منهم يعرفون الإسلام ويحترمونه أكثر من بعضنا، من بعض جهلائنا.
باريس، صبيحة اليوم: 28 يناير 2015
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع