المقالات

التقويم الأمازيغي، ومطلب إقرار فاتح يناير عيدا وطنيا

 

 
 
رشيد الحاحي
 
لا يمكن تصور مجموعة بشرية أو شعب ذو وجود ممتد في التاريخ، ولا نشوء ثقافة أو حضارة معينة واستمرارها دون وعي تاريخي وانتساب جغرافي، أي دون الوعي بالزمن والمكان والتموقع فيهما وفق أحداث ومعالم وارتباطات وتمثلات مختلفة تشكل إحدى مقومات وجودها واختلافها. وهذا الانتساب والتأريخ والارتباط بالزمن وفق تمثلات وأحداث ومعالم محددة ومختلفة هو الخلفية الثقافية التي تبرز نشوء وظهور التقويم في صيرورة تطور المجتمعات والثقافات البشرية، حتى أنه صار إحدى علامات ومقومات وجودها في الماضي، وتجليات هوياتها وتعددها واختلافها في الحاضر، وإحدى شروط استمرارها في المستقبل.
 
فيكفي أن نتوقف عند تاريخ ومرجعيات التقويم وأشكاله ومسمياته لدى بعض الثقافات المعروفة للتأكد من حجم وأهمية هذا الارتباط الزمني واختلافاته وأبعاده الرمزية والهوياتية. فتعتبر السنة البابلية السومرية إلى جانب السنة الفرعونية إحدى أقدم التقويمات البشرية وتصل إلى 6765 سنة، والسنة العبرية تصل إلى 5775، والمسيحية إلى 2015، والهجرية 1436، والكردية 2627، وبعد حوالي شهر ستحل سنة الخروف حسب التقويم الصيني، في حين يفيد التقويم الأمازيغي أننا على أبواب سنته 2965.
 
وإضافة إلى اختلاف المرجعيات الزمنية والأحداث التاريخية، فإن أشكال التعاطي معها والاحتفاء بها والطقوس والدلالات الرمزية المحيطة بها، تختلف بدورها حسب إطار كل ثقافة أو حضارة ومحددات وجودها التاريخي وبنياتها الرمزية ونظرتها إلى الكون، حيث يحضر البعد والحدث الديني بالنسبة للتقويمات ذات الخلفية الدينية كالقبطي والغريغوري أي المسيحي الذي يرتبط بميلاد المسيح، والمعطى الفلكي وحركات الكواكب والنجوم في تحديد تعاقب الفصول والشهور بالنسبة للثقافات التي سبقت إلى هذا الإدراك، كما يجمع بين معطيات المجال الطبيعي وفيضان نهر النيل والحركة المزدوجة للشمس والقمر بالنسبة للفراعنة، في حين يكتفي بحركة القمر بالنسبة للتقويم الهجري الذي يؤرخ بدوره لبدايته بهجرة النبي محمد. وبالنسبة للتقويم الأمازيغي فعلى مستوى الحدث التاريخي يرتبط بوصول شيشونق الأول الملك ذو الأصول الأمازيغية إلى حكم الفراعنة حوالي سنة 950 قبل الميلاد، وهو تقويم فلاحي يعكس ارتباط الإنسان بنظام اقتصادي زراعي وبمجاله الطبيعي، وهذا ما يتأكد من خلال طقس "تكلا" الذي يتم فيه الاحتفاء بثمرة الأرض، الأم المنجبة.
 
انطلاقا من هذه الإضاءة الأنثربولوجية والتاريخية، نصل إلى طرح سؤال أهمية تخليد التقويم الأمازيغي والاحتفاء به بالنسبة للأمازيغ في شمال إفريقيا والمغرب بشكل خاص، وذلك بتوضيح ما يلي:
 
يعكس التقويم كما وضحنا ذلك علاقة ثقافة أو دين أو شعب معين بمفهوم الزمن وبالتاريخ، حيث يشكل أهم مقومات وجوده واختلافه وشرط استمراره في المستقبل. وبذلك ترتبط قيمة هذا التقويم وتداوليته والإقرار به بوضعية تلك الثقافة ووعي المجتمع والهوية الحاملة لها، ومن تم الربط الموضوعي واللازم بينهما في القوانين والممارسات السياسية والتدابير التي تنظم حياة المجتمع وبنية الدولة وسياساتها العامة. وبالتالي فلا يمكن الإقرار برسمية اللغة الأمازيغية ومكانتها الثقافية والهوياتية دون إقرار رسمي بتاريخها ومختلف مقوماتها الرمزية ومنها تقويمها وحفل بداية سنتها.
 
لقد تمكنت الحركة الأمازيغية بفضل نضالاتها وخطابها التصحيحي والنقدي وإنتاجها المعرفي والتاريخي وترافعها الحقوقي...من رفع الحظر واللبس عن التقويم الأمازيغي، وجعل شرائح كبرى من المواطنين والمواطنات المغاربة يعون دلالاته ومعالمه وأهميته، فحولته من احتفاء فلاحي وقروي هامشي إلى احتفاء شعبي بوعي أمازيغي معاصر. وبهذا المعنى فهذا التقويم استطاع أن يؤكد يوما بعد يوم رسميته الاجتماعية والثقافية دون انتظار حسابات ولا توظيفات السياسيين، وبدل الاستمرار في هذا الوضع الامسؤول وانتظار إكرامات الحكومات ، فما على الدولة إلا أن تقر بذلك وتجعل من 13 يناير الميلادي الذي يوافق فاتح السنة الأمازيغية من كل سنة يوم عيد وطني.
 
بما أن دلالات التقويم الأمازيغي ترتبط بحدث تاريخي يظهر كفاءة ونبل وتواضع الإنسان والمحارب الأمازيغي، وبارتباطه بالأرض وخيراتها ورمزيتها، وانسجاما مع قيمة العمل في الثقافة الأمازيغية والبنية الأنثربولوجية للمتخيل والإنسان الأمازيغي، أقترح على الحركة الأمازيغية التي ناضلت من أجل هذا الإقرار أن نجعل مطلبنا هو ترسيم التقويم الأمازيغي والإقرار بيوم فاتح يناير الأمازيغي عيدا وطنيا، مع المطالبة بجعله يوم عمل، فاحتفاؤنا الكبير واعتزازنا بتاريخنا ومقومات ثقافتنا ومنها تقويمنا ورمزيته واختلافه سيتحقق أكثر في إقراره عيدا وطنيا ويوم عمل مؤدى عنه بأجر مضاعف، الأجر المادي والإقرار المعنوي والوطني.
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع