المقالات

صحافة الكيلو و أخطاء بعض رجال التعليم

مصطفى ملو

كان بعض المعلمين و نحن تلامذة صغار يستهزؤون بنا أو ببعض أصدقائنا في الفصل و يسخرون,بعضهم كان يفعل ذلك حبا لنا و لمصلحتنا,حيث كانوا يرون بأن أسلوب السخرية و الاستهزاء,قد يشعل فينا نار الغيرة و يدفعنا للاجتهاد و الكد حتى لا نكون أضحوكة أمام أصدقائنا في المرة المقبلة.

كنا ندرك "بعقولنا الصغيرة " المعلمين الذين يحببوننا و يحبون لنا الخير,رغم ضربهم و عقابهم لنا كلما تكاسلنا عن القيام بالواجبات.كان ذلك أيام كانت للمعلم هيبته و الكل كان يحترمه من شيخ الدوار إلى أصغر فرد في القبيلة,قبل أن يتحول إلى منديل يمسح به "الذي يساوي" و "الذي لا يساوي" مخاضه.
في مقابل ذلك كانت ثلة من المعلمين تستهزيء بنا و تسخر منا و تحتقرنا كرها لنا و بغضا فينا دون أن ندري ما كان السبب في كل ذلك الحقد؟ربما كانوا يفعلون ذلك اعتقادا منهم بأنهم ينتقمون من الوزارة التي رمت بهم إلى تلك المناطق المقفرة التي لم يألفوها و من الأجرة الهزيلة التي تدفعها لهم,و الواقع أنهم لم يكونوا ينتقمون سوى من أبناء فقراء لا حول لهم و لا قوة,و الفرق بين الأمس و اليوم أنه في ذلك الوقت لم تكن "هواتف مصورة" و لا يوتوب و لا فايسبوك و لا مواقع  إليكترونية مأجورة.
الخلاصة التي أريد الوصول إليها من خلال هذا التقديم,هو أنه في كل مجال يوجد أناس طيبون ضميرهم لا يسمح لهم بإهمال واجبهم و في المقابل يوجد أشخاص لا ضمير لهم و لا وازع,و كذلك حال التعليم.
إن الصحافة المأجورة التي ابتلينا بها في آخر الزمان,لا هم لها إلا النوع الثاني,إذ لا تفوت فرصة للنيل من رجال التعليم من خلال التركيز على حالات شاذة بهدف تأليب الرأي العام على هذه الفئة,فلا تجد بين مواقعها و صفحاتها سوى"أستاذ يغتصب تلميذه,معلمة تقتل تلميذها,ضبط أستاذ يتحرش بتلميذته...",في حين تتغاضى الطرف عمن يكابدون الصعاب من أجل أداء رسالتهم النبيلة,إذ لم نسمع-مثلا-يوما أحد هؤلاء (((الصحافيين))) يكلف نفسه عناء الحديث عما تعانيه معلمة في قمم الجبال و هي تتنقل بين الثلوج و الأمطار لأداء عملها,أو مجموعة من الأساتذة تحاصرهم الفيضانات بلا خبز و لا ماء و لا مواصلات,و آخرون جرفتهم المياه وهم في طريقهم إلى مؤسسات عملهم...(لن نسمع أبدا عن تلك الأخبار),و في المقابل تجدهم يوفرون كل اللوجستيك بالصوت و الصورة و التنقل إلى منزل من يعتبرونه ضحية أستاذ لنقل معاناة تلميذة بالصوت و الصورة,كما هو الحال بالنسبة للموقع المسمى هسبريس.
سيقول قائلهم ذلك من واجبهم(أي من واجب الأساتذة),فهم يتلقون عنه مقابلا و لا يوزعون الصدقات,سنرد:هذا صحيح,و لكن أين واجبك أنت كصحفي؟أين هي مهنيتك التي تقتضي منك أن تغامر بحياتك و تتنقل هنا و هناك لنقل معاناة الناس؟أم إنك لا تتلقى مقابلا قد يفوق راتب المعلم؟أم إن مهمتك هي تتبع عورات الناس من وراء الحاسوب و التبركيك؟
ليس عيبا أن تنقل الصحافة "جرائم رجال التعليم",و لكن العيب كل العيب هو أن يتم التركيز على زلات هذه الفئة و اقتناص الفرص للنيل منهم مقابل تجاهل المتفانين منهم في أداء واجبهم النبيل,فهم في كل الأحوال ليسوا معصومين من الأخطاء و ليسوا شعب الله المختار,و لكن ألا يغتصب بعض رجال الأمن؟ألا يتعاطون الرشوة؟ألا يأتي بعض القضاة و المحامين و رجال الدرك و الأطباء و الممرضين... بسلوكات شنيعة يندى لها الجبين؟فلماذا لا نسمع عن أخبارهم شيئا؟
لا,بل ألا يقوم بعض هؤلاء الذين يسمون أنفسهم صحافيين بأفعال لن يقوم بها الشيطان,من خيانة زوجية و سكر علني و كذب و قذف بالباطل و ارتشاء...و غيرها مما نعرف و مما لا نعرف؟لماذا لم نسمع أحدهم يوما يفضح آخر؟
في الدول التي تحترم فيها الصحافة نفسها,و حيث تعتبر فيه بحق صاحبة الجلالة,تجد الصحافيين يعطون لكل ذي حق حقه,تجدهم يتحدثون عن اغتصابات رجال الدين لأطفال صغار و عن فضائح الوزراء و المسؤولين الكبار و عن الصحافيين أنفسهم و حتى رجال التعليم لأنهم-كما قلنا سلفا- ليسوا ملائكة,أما عندنا حيث صحافة الكيلو فلا هم لأشباه الصحافيين سوى تتبع ما يصدر عن أستاذ أو أستاذة-و لو كان(ت) مضطرب(ة) نفسيا من "أخطاء" و من تم تعميم التهمة وإلصاقها بمن يتقاسمون معه نفس المهنة.
إن هذه الهجمة الشرسة على رجال التعليم,تأتي ضمن تلك الاستراتجية التي تحدث عنها الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله,و هي الاستراتجية الرامية إلى السيطرة على الشعب و ترويج الغباء من خلال الضرب في المعلم و النيل من القدوة.
ختاما أقول بأن شر ما ابتلينا به هذه الأيام هي هذه التي تسمي نفسها صحافة إلكترونية,والتي لا هم لها سوى الاسترزاق بمعاناة الناس و الاغتناء على حساب مآسيهم,و ما يكشف و يفضح ألا ضمير لهم و لا مروءة هي أن تجد موقعا يتحدث فيه (صحافي) عن حدث في الحسيمة و بعد دقائق تجد نفس (الصحافي)ينقل خبرا من مراكش(بقدرة قادر)و الحقيقة أن المصدر الذي يعتمد عليه هؤلاء هو الفايسبوك و الفيديوهات التي يرسلها شباب متطوعون دون مقابل يذكر,إلى درجة تدفعنا إلى الشك و طرح السؤال:هل يحق لنا أن نسمي هذه المواقع-فعلا-جرائد و صحافة إلكترونية؟
الصحافة مهنة المتاعب,و الصحافي الحق هو الذي يواجه الصعاب لنقل الحقيقة,فهل يستحق الذي يجلس أمام حاسوبه في منزله المكيف بالرباط أو الدار البيضاء...و يسرق خبرا من هنا و خبرا من هناك و فيديو من هنا و فيديو من هناك,أن نسميه صحافيا؟
إلا الشرفاء,الأحرار طبعا الذين لا يخلو منهم كل ميدان,فتحية عالية لهم.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع