المقالات

المثقف: من التزييف إلى العمى الفكري

مــوسى اغــربـي

في معرض ردي على مقالة إدريس جنداري" مثقفو التزييف" من صناعة الفكر إلى ترويج الوهم الإيديولوجي المنشورة بالموقع الالكتروني "لكم"، لم أكن أتصور سرعة الرد التي تطفح بالمغالطات والشتائم، وهذه السرعة لا تخلو من أمرين أو هما معا: إما لأن صاحب المقالة شخصية عصبية وهشة لا تقبل الرأي المخالف، أو أن قلمه عبارة عن عصا أعمى يخبط بها خبطة عشواء، وآية ذلك انه حشد في مقالته الضيقة إعلاما مفكرين ذوي ثقل علمي إلى جانب شخصية سياسية كالقذافي مثلا والإكثار من الاستشهاد بالإعلام أو عقدة حمل الأسفار هي حالة مطردة لدى بعض المثقفين إلى حد أن المفكر المصري حسن حنفي قال إن المثقف عندنا يستشهد بمئات الكتب وكأنه قرأها في ليلة واحدة أو كما قال احد الكتاب القدامى أنه لا يعرف من الكتب إلا عناوينها.

في مقالتي التي كانت عبارة عن رد على المقالة المشار إليها آنفا قصدت أمرين، توضيح العلاقة بين الموضوعية والذاتية حيث قلت إن الحدود بينهما هي حدود متحركة بمعنى أن هذين المفهومين مفهومان نسبيان وليسا مطلقين، إذ من المغالطة القول أن هناك موضوعية مطلقة، وذاتية مطلقة، فالمسالة ادن مسالة خلافية، وهذا ما يفسر تطور الفكر وتنوعه حتى ضمن المدرسة الفكرية الواحدة، وأما الأمر الثاني فهو وضع مقالة الشخص المذكور في سياقها الزمني تميز بردود أفعال هوجاء إزاء المحاضرة التي ألقاها الأستاذ احمد عصيد على هامش مؤتمر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

وأنا أتساءل كيف تداعى في ذهن صاحب المقالة المذكورة حدث المثقفين الفرنسيين في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدا موقف إميل زولا التاريخي من مبدأ حق من حقوق الإنسان بصرف النظر عن مفهوم العرقية الأعمى والمنبوذ، ويستفاد من المقالة-الرد التي كتبت أن هناك بونا شاسعا بين سلطة المثقف المسؤول هناك وبين بعض المثقفين الجنوبيين الذي يقومون بعملية الإسقاط والتلفيف بالنسبة لموقفين متناقضين في الزمان والرؤيا: زمن الثقافة المسؤولة حقا وزمن الثقافة المرتجلة من أحكام ومواقف عنصرية مهترئة تتعالى على الجميع علمانيين وليبراليين، أو علمانيين موسومين بالسلفية العرقية، كما يقول، وسلفيين متزمتين، فهو فوق كل شيء، على خلاف اميل زولا الوارد في المقالة موضوع الرد على سبيل التلفيف لحجب الخلفية العنصرية التي تأبى إلا التسلل للقارئ من بين السطور كما سأوضح اعتمادا على المقالة الأنفة والمقالة الأخيرة التي بين يدي والتي هي عبارة عن الرد على الرد، واني على يقين أن ردي هذا يروم كشف بعض المغالطات في المفاهيم التي لازالت ثقافتنا المغربية ترشح بها مما دل على رغبة لا شعورية، مرضية، في التمسك بالأوهام لمعاندة الواقع الذي هو أكثر عنادا من أوهامنا التي نريد أن تتحول إلى حقائق بفعل سحري.

التصنيف العرقي إن الذي قرأ ردي السابق سيدرك إنني لم أصنف نفسي في الدائرة الضيقة العرقية، لأن الأستاذ المحترم يعرف إنني مغربي الهوية والانتماء والوطن الذي يجمعنا عريق في حضارته وتاريخه السياسي والثقافي والعسكري، ولم يفلح خطاب العروبة السياسية وسياسة الاستعمار الفرنسي في جعله يستبدل هويته الحقة بهوية مستوردة من بلاد القبائل العربية الحجازية أو من بلاد الجنس الآري الذي حاول الاستعمار في العصر الحديث أن يعيد فشل الإمبراطورية الرومانية في رومنة شمال إفريقيا، وأما أن يبني صاحبنا اتهاماته بأني انتمي إلى جهة مدنية تدافع عن حقوق الإنسان وفي مقدمتها رد الاعتبار إلى اللغة والثقافة الامازيغيتين فتلك "مذمة" آتت من ناقص اعتز بها، وبهذا الصدد ادعوه إلى قراءة القانون الأساسي لهذه الجمعية الوطنية وحضور أنشطتها حتى تنقشع عنه غشاوته الفكرية، ومن المؤسف أن يوسم من يدافع عن حقوق الإنسان في إطارها الكوني بأنه" سلفي عرقي" أو ليس هذا ضربا من الإسقاط، إليك الدليل: كل الجمعيات الامازيغية يضمها مطلب واحد، مساواة اللغة الامازيغية باللغة العربية بعيدا عن تصنيف المغاربة إلى الاثنتين: الامازيغ والعرب لان بلدنا يعاني من حيف لغوي والعجز عن تدبير الخلاف اللغوي لأسباب سياسية معروفة، ثم أن مماهاة الثقافي بالعرقي لا يمكن صدروها إلا عمن اختلطت في ذهنه المفاهيم، ولم يعد يميز بين شعبان ورمضان، وينتظر دوره للسفريات إلى دول البترودولار لتكريمه على ما بذله من جهد في "النقد العربي"، و"الرواية العربية" و "القصة العربية" والعودة بالشيكات الثمينة من "قطر" و "الإمارات" و"السعودية" عملا بالمبدأ القائل: كلنا في الهم شرق !!! وأي شرق؟ لا أعني شرق الشعوب من الخليج والهلال الخصيب، ولكن اقصد الشرق الاستبدادي البعثي الذي يتخذ شعار الوحدة العربية كحق لتلك الشعوب التي تعيش في هاتين المنطقتين، ليمارس سياسة "العروبة السياسة" لطمس ثقافات الشعوب الأخرى من أمازيغ وتركمان وأشوريين وأكراد، بل وحتى الأقباط المسيحيين يعانون بسبب انتمائهم الديني، وهذه السياسة العروبية هي سبب النكبات التي تعاني منها شعوب الشرق ومنها على سبيل المثال: منع الجنسية بالنسبة للجماعات العراقية كالأرمن والأشوريين بدعوى أنهم لا ينتمون إلى السلالة العربية، وفي الوقت نفسه منح الجنسية للذين قدموا من خارج العراق بدعوى أنهم قادمون من بلد عربي، (سليم مطر، الذات الجريحة ص188-189) هذه هي "السلفية العرقية"( والأصح أن يقول الأصولية العرقية) وهي التي دفعته إلى اتهام مثقف وطني بأنه غارق في السلفية العرقية لا لشيء، إلا لأنه ينتمي إلى الحركة الثقافية الامازيغية، و يدافع عن الحقوق الإنسانية ومن ضمنها الحقوق اللغوية والثقافية)، ودفعته من جهة أخرى إلى اتهامي بأني منخرط في "المنظومة العرق- فرانكفونية" وباني "مضمخ بالعرقية" و "أمارس الاستمناء الفكري" أو " كأني سليل عائلة فكرية عريقة تمتد جذورها إلى مفكرى الأنوار.." الخ وإني إذ أشكرك على هذه التعابير التي يمكن أن تصدر عن إلا عن مثقف مثلك" لا يفرق بين مقام الكتابة النبيل وبين "الجوطية" حيث تتعالى الأصوات العراكية وتتشابك الأيدي، فإني ألفت نظرك الشارد نتيجة حميتك الجاهلية إلى انك استعلمت لا شعوريا تعابير "المغرب العربي" ثلاث مرات( !!!) ضمن أسطر لا تتعدى الثمانية والنصف، وهذا بعد أقرارك بأنك براء من أي انتماء عرقي أو قومي" وأنك متشبع بالفكر الحديث الذي يرسخ روح المواطنة. هل تعريبك المغرب بل وحتى الربيع الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مجرد هفوة أم أنه ينم عن خلفيتك القومجية المتخلفة؟ بل أنك في المقالة السابقة تتهم "الغارق في السلفية العرقية" بأنه يسيء إلى رموز الحضارة العربية الإسلامية ! هذا هو الوضوح الفكري وإلا فلا. واني إذ أهنئك على هذه التفاهات، أسالك عن موقفك مما يلي: إن القائد صلاح الدين الأيوبي الكردي دافع عن الأمة الإسلامية ضد الغزاة الصليبيين وقبله كان فاتح الأندلس طارق بن زياد (البربري)، وقبل هذا وذاك مد القائد( البربري) يوسف بن تاشفين في عمر الإسلام قرونا عديدة في الأندلس، وفي العصر الحديث قاوم القائد عبد الكريم الخطابي ومحا أوحمو الزياني وغيرهما من الأبطال في الريف والأطلس والجنوب الاستعمارين الفرنسي والاسباني، فهل تتنازل عن التعبير "الحضارة العربية الإسلامية" لصالح (هذا مجرد افتراض حتى أطمئنك وأكفيك عناء السب والشتم الذي أنت بارع فيه) لصالح هذا التعبير: الحضارة الكردية الإسلامية، أو الحضارة الامازيغية الإسلامية على اعتبار أن الحضارة الإسلامية أسهمت فيها كل الشعوب بميراثها الحضاري والثقافي والعسكري، أو هل تتجرأ على اتخاذ موقف علمي غير إيديولوجي أن أسعفتك شفتاك على النطق فقط بعبارة " الحضارة الإسلامية".

غياب الرؤية النقدية

إن الشغل الشاغل لدى صاحبنا هو استعراض عناوين الكتب، ومن الناحية المبدئية فان هذا يعتبر مدخلا للبحث الجاد والإلمام بإبداعات الفكر الإنساني، لكنني لاحظت منذ المقالة السابقة انه يقفز من فكرة إلى فكرة ومن عنوان إلى عنوان بدون هدف واضح المعالم بسبب غياب الرؤيا النقدية وحضور الرؤية المؤدلجة، وهذه بعض الأمثلة.:

* يوظف الكاتب مصطلح النقد المزدوج الذي وضعه المرحوم عبد الكبير الخطابي في سياق غير السياق الأصلي، فمن المعلوم إن هذا الأخير كان يروم من خلال المصطلح شيئين اثنين: " نقد الغرب وتفكيك مفهوم الوحدة التي تثقل كاهلنا والكلية التي تجثم علنا" ثم ينتهي إلى هذه النتيجة التي غابت عن صاحبنا: "علينا أن نفسح المجال لفكر يتخلى عن الذاتية الحمقاء ليتمسك بالاختلاف" وذكر الخطيبي أنواعا من الاختلاف اكتفى منها بواحدة، حتى لا أثقل على القارئ، هي التي تعيين في هذا المقام ألا وهى: "الاختلاف الثقافي: فيسعى الفكر إلى تقويم الثقافات التي نبذها العالم العربي وهجرها( النقد المزدوج ص: 11-13) لكن صاحبنا لم يع موقف الخطيبي ورؤيته العلمية لما يسميه الكلية بمحمولها العرقي التي تطمس الشعوب وثقافاتها، بل ويصف من ينتمي إلى (الشبكة الامازيغية من أجل المواطنة) بأنه فاعل ايديولوجي عرقي" مع العلم أن الجمعية جمعية وطنية تسعى إلى تأصيل خطاب حقوقي ديمقراطي في مواجهة خطاب الإقصاء الممنهج الموروث عن المارشال اليوطي ومن تبعه بعده بالإساءة إلى رموزنا الحضارية والثقافية الامازيغية بدعوى مفهوم الوحدة الثقيلة وبدعوى محاربة الشعوبية الجديدة و الظهير البربري" وارث "المنظومة العرق- فرانكفونية" و "المدارس الفرنسية البربرية" على حد تعبير موقع المقالة، وحـتى أربو بنفسي عن المجادلة اللفظية الـعقيمة اكـتفي بتذكير ( الباحث الأكاديمي) إن الاسـتعمار الفرنسي حيـنما انشأ ما تسـميه بصيغة الجـمع (المدارس الفرنسية- البربرية) كان يروم تدجين القبائل الامازيغية التي قاومته بكل شراسة عن طريق فرض اللغة الفرنسية في الإدارة العامة وتكوين النخب الطيعة، ولم يكن يروم خدمة الثقافة الامازيغية كما تزعم وإلا لو فعل لكفانا حقا عناد المطالبة باستمرار بضرورة المساواة في حق المواطنة والحق في المساواة اللغوية والحق في الاختلاف، وأذكرك أيضا بأن وطنيي المدن أنشأوا في مدينة فاس وحدها 20 مدرسة لتعليم اللغة العربية وحدها( جون واتربوري: أمير المؤمنين ص: 88 ط الثالثة) فهل استكثر هذا العدد ناشط أمازيغي كما استكثرته أنت بمجرد الانتساب إلى جمعية مدنية حقوقية أنشئت بعد أزيد من ستين عاما مند الاستقلال للمطالبة بالحقوق الإنسانية في إطارها الكوني والوقوف ضد فلكلرة الثقافة الامازيغية تمهيدا لقتلها.

ومن الواضح إن ذهنية الفلكلرة حاضرة بكل مأساويتها لدى صاحبنا كما يتجلى في هذه العبارة التي تنم عن حمية جاهلية": " أخذت صاحبنا حمية العرقية...وأطلق العنان مخيلته تمارس الشطح ( الشعبي).

وسأقف عند ما يسميه الشطح (الشعبي) لأبين خلفية الكاتب اللاشعورية التي تنم عن حقد دفين تجاه ما هو أمازيغي، وقد كان للسياسة الثقافية المتبعة مند عقود طويلة في بلدنا اليد الطولى في تأصيل هذا الخطاب التحقيري تجاه ثقافة الشعب من عمال وكادحين وحرفيين وكل من لا يمت إلى علية القوم و "الأسر الشريفة"، ومما يدل على عمق هذا التأصيل انه لم يسلم منه ( أي الخطاب المتعالم والمتعجرف) حتى من يصنف في دائرة الأخيار من المثقفين ! فهذا عبد الله العروي يصف الأدب الشعبي بأنه "حكايات العجائز" وهذا الجابري يتعالى عن الخوض في ما لا يمت بصلة إلى موضوعه النقدي، وهكذا يتم اختزال تراث أمة عريق في الشطحات الفلكلورية في مقابل ثقافة المركز المهيمن: ثقافة النخبة، الثقافة العالمة، وتتغاضى عن جهل أو تجاهل عن تجارب الأمم المتحضرة في مجال جمع تراثها الشعبي الذي اعتبر عنوان هويتها الحضارية كما هو الأمر بالنسبة لفلندا وألمانيا، بل انه لا توجد جامعة في الدنيا لا تخصص كراسي لتراثها الشعبي، بل أن باحثين كبارا من أمثال برونو بيتلهيم ومارى لويزفون فرانز وغيزا روهيم وغيرهم كثير افنوا عمرهم في البحث في الأدب الشعبي والأسطوري لتأصيل مناهجهم ونظرياتهم في مجال العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم النفس التحليلي والانتروبولوجيا...الخ، في حين أننا لازلنا أسرى نرجسيتنا الثقافية المتعالمة وصرنا كما يقول المرحوم عبد الكبير الخطيبي( النقد المزدوج ص24) : لا نعرف كيفية الحفاظ على تراثنا أو تأمينه من التلاشي بفعل الزمن، فجعل ثقافتنا فلكلورية، بمحض إرادتنا، ينم عن غريزة العنف والتبديد فينا".

على سبيل الختم:أن كاتبنا يبدوا أنه يبيح لنفسه توظيف مصطلح "العربي" في كل اتجاه جغرافي شاء، وينكر على الأخر حقه في أن يكون هو ذاته لا آخر غيره متناسيا- وهو المتبجح بالموضوعية - ما كتب على المعابد الإغريقية في ديلفى: " اعرف نفسك".

أستــاذ باحــث

ورئيس الشبكة الامازيغية من أجل المواطنة

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع