المقالات

هل الدارجة – الأمازيغية "طامة المغرب الكبرى"؟

نشرت هسبريس في خبر لها تصريحا أدلى به نور الدين الصايل، المدير السابق للمركز السينمائي المغربي، لجريدة مصرية وقال فيه ما مضمونه أن "صعوبة اللهجة المغربية طامة كبرى تواجه انتشار السينما المغربية والتونسية والجزائرية". وقال السيد الصايل أيضا ما مضمونه "أنه في مرحلة معينة من تاريخ السينما المغربية فكرنا في دبلجة أفلامنا إلى اللهجة المصرية، ووجدنا أنها مكلفة للغاية، كما أن هناك مشكلة أخرى تتمثل في التعود نفسه".

ونقلت هسبريس أيضا تصريحا للناقد السينمائي أحمد سجلماسي قال فيه ما مضمونه: "الحديث عن صعوبة اللهجة المغربية نقاش مغلوط. والمصريون يعمدون بشكل شوفيني إلى إقامة حصار على الإنتاجات السينمائية غير المصرية، حماية لسينماهم المحلية." وأضاف أن "صارم الفاسي الفهري، مدير المركز السينمائي، اقترح على المصريين عرض أفلام مغربية مدة عام أو عامين في قاعاتهم السينمائية وقنواتهم التلفزية بدون مقابل."

لا أريد هنا أن أنتقد السيد الصايل ولا الفهري ولا السجلماسي شخصيا ولا أن أنتقص منهم ولا من غيرهم. فنحن هنا نناقش الأفكار الصادرة عن الأشخاص وليس الأشخاص.

أعتقد أن هذا النوع من التفكير، الذي يعبر عنه من حين لآخر بعض القائمين على مجال السينما والمهتمين بها وبالثقافة واللغة عموما، يبين بشكل خاطف بعض الجوانب العميقة في الثقافة المغربية الحديثة لما بعد الاستقلال. وأعني تلك التبعية الرمزية المَرَضية للشرق ومصر خصوصا والسائدة لدى نسبة كبيرة من المثقفين والمتمدرسين المغاربة. وقد خضع المغاربة "للتدريب والترويض" في هذا الاتجاه عبر أطنان المسلسلات والأفلام المصرية التي أذاعتها القناتان المغربيتان ودور السينما المغربية طيلة نصف قرن أو ربع قرن وما زالت تفعل ذلك إلى حد الآن. وأحيانا تمتزج هذه التبعية الرمزية لمصر بنوع من "تامغرابيت صبيانية" متمثلة في الرغبة في "التساوي مع مصر" والتماهي معها وأن يكون المغرب ندا لمصر ومثيلا لها، أو أن يكون هو "مصر الغرب" ما دامت "مصر هي زعيمة الشرق العربي رمزيا" كما يشاع. ولكن هذه الرغبة الجامحة في أن "يتساوى المغرب مع مصر" تخفي في الحقيقة تبعية أعمق. وهذا ينم بالتأكيد عن أزمة هوية لدى المغاربة تجعلهم لا يحبون هويتهم وكينونتهم فيحاولون جاهدين أن يَكونوا غيرَهم أو نسخة من غيرهم.

ولاشك أنكم سمعتم عن تلك النكتة التي قال فيها أحد المغاربة "إذا كانت مصر أم الدنيا فإن المغرب أبوها". الرغبة في التوازي والتماثل واضحة: أم الدنيا // أب الدنيا.

هذا النوع من التماهي والغيرة يفتقر إلى الإبداع لأنه ليس مبنيا على صورة الذات وإنما هو مبني على صورة الغير، ويبين عن عقدة نقص لدى المغاربة تجاه مصر. إنها عقدة نقص لدى من لا حيلة له إلا أن يَكونَ غيرَه أو أن يكون نسخة مطابقة أو موازية لمثله الأعلى. ولابد أنكم قرأتم وسمعتم مئات المثقفين والسينمائيين المغاربة مرارا وتكرارا يبدأون حديثهم دائما (في هذا الموضوع) بالإقرار بـ"الريادة المصرية" كنوع من البسملة قبل أن "يطالبوا" بالمساواة مع مصر. وكثيرا ما يطالبون السينمائيين المغاربة بـ"تبسيط الدارجة" لكي يفهمها المصريون والمشارقة (أي "عملية تجميل الدارجة القبيحة"). فالدارجة يَجِبُ أن تخضع لعملية تجميل لكي لا تخدش لغة المصريين والعرب! أما الأمازيغية فيجب أن تُبْتَرَ لكي لا تصدم المصريين والعرب وتفضح عدم عروبة المغرب!

1) تفكيك العقدة:

هناك سؤالان ضروريان لتفكيك عقدة التبعية الثقافية والرمزية للمغاربة تجاه مصر والعرب:

- كيف نشأت فكرة "عروبة المغرب وتبعيته للشرق" لدى المغاربة؟ وهذا سؤال تاريخي لن أستطيع الإجابة عنه لأنه يحتاج إلى بحث تاريخي شامل وعميق في تاريخ المغرب والبلدان الأمازيغية عموما في القرن العشرين.

- كيف انتشرت فكرة "عروبة المغرب وتبعيته للشرق" لدى المغاربة؟ وهذا سؤال يمكن تقديم بعض الإجابات المعقولة عليه، دون الإحاطة بكل تفاصيل تاريخ مغرب القرن العشرين. وتكفينا بعض المعالم التاريخية البارزة في القرن العشرين، والتي نعرفها جميعا، لنعرف بها الجواب التقريبي.

وهذه المعالم التاريخية هي:

أولا: دخول الاحتلال الفرنسي الإسباني والصدمة السياسية والحضارية والثقافية الناتجة عن ذلك.

ثانيا: الهزيمة العسكرية للقبائل الأمازيغية أمام الجيوش الفرنسية والإسبانية المتفوقة تقنيا، بعد الحرب الطويلة المعلومة، وتفكك القبائل وتهميش لغتها الأمازيغية. فمن يجرؤ على محاربة المحتل ثم ينهزم في الحرب سيدفع الثمن على جميع المستويات السياسية والثقافية ومنها الجانب اللغوي. ومن يركع للمحتل باكرا قد يتلقى مكافأة معينة جزاء له على ولائه.

ثالثا: مع انحسار نفوذ القبائل الأمازيغية انفسح الطريق لشيطنة الأمازيغية من طرف الطامحين السياسيين والمنافسين لنفوذ القبائل الأمازيغية المعروف عبر نشر خرافة "الظهير البربري" وإلصاقها بالبربر كضحايا مساكين يتلاعب بهم الاستعمار ويحتاجون للإنقاذ الوحدوي العربي. وقد يكون هذا من الأسباب الرئيسية لانتشار النزعة العروبية في الثلاثينات في أوساط ما يسمى بـ"الحركة الوطنية".

رابعا: بما أن أفراد "الحركة الوطنية" هم الذين تسلموا الاستقلال من فرنسا وإسبانيا وتقلدوا المناصب في أهم أجهزة الدولة والإعلام والتعليم فمن الطبيعي أن يستمروا في بث أيديولوجيتهم العروبية التي تنكر هوية المغرب الأمازيغية إنكارا تاما وتركز على هويتهم الإثنية (الحقيقية أو المتخيلة) عربية كانت أم أندلسية. وزادت من ذلك القومية العربية التي جاءت من مصر والشرق الأوسط ووجدت في المغرب فراغا مناسبا بعد تكسير أمازيغيته أو حجبها، ووجدت أيضا استعدادا من النخب العروبية ومن الناطقين بالأمازيغية التائهين هوياتيا لِتَقَبُّلِ الهوية العربية البديلة وما تَعِدُهم به من تحرر وعزة وكرامة، والدخول تحت "زعامة مصر".

خامسا: فشل عملية "إدماج المغرب في العروبة" بعد ظهور الفروق الثقافية واللغوية (صعوبة دارجة المغرب على العرب مثلا) ومع استمرار وجود اللغة الأمازيغية بقوة، وهامشية المغرب والجزائر في سياسة العرب والمعرَّبين وفي نشاطهم الثقافي هناك في الشرق. وحاولت الدولتان المغربية والجزائرية المصدومتان "معالجة" هذا الفشل والهامشية بمزيد من التعريب الميكانيكي وبمزيد من سحق الأمازيغية. فظهرت سلوكات ثقافية مغربية وجزائرية دولتية وحزبية وشعبية تحاول جاهدة تأكيد العروبة وطمس الأمازيغية لطرد شبهة البربرية عن شمال أفريقيا، سواء في الإعلام أو التعليم أو السينما أو بإشاعة نظريات "المؤامرة الصهيونية على الأمة العربية التي تلعب على ورقة الأقليات وتقسيم المقسَّم" وغيرها من التمظهرات الثقافية الباثولوجية.

2) عودة إلى السينما:

لماذا هذا الهوس بمصر وبأن يفهمنا المصريون بالذات ويشاهدوا أفلامنا ويُحِبّوها؟ لماذا ليس إيران ولا تركيا ولا الجزائر ولا مغاربة أوروبا الناطقين باللغات الأوروبية؟ ألا تملأ الجزائر أو تونس أو ليبيا عيوننا؟ ألا يملأ 34 مليون مغربي عيوننا؟ لماذا لا يحاول المغرب استرجاع سوقه الثقافية الوطنية التي تستحوذ الأفلام الأجنبية والمسلسلات الأجنبية والمؤلفات الأجنبية على 90% منها بدل الحلم بغزو مصر بأفلامه "ديال نص فرونصي نص دارجة"؟ واش زعما حنا غلبنا المصريين ف المغرب ابعدا باش نغلبوهوم ف بلادهوم؟! إذا كان المركز السينمائي المغربي مستعدا حقا لأن يعرض أفلاما مغربية بالمجان في التلفزات والقاعات المصرية فقط لكي يبهر المصريين، فلماذا لم يفكر يوما في عرض نفس تلك الأفلام المغربية بالمجان للمواطنين في مئات المدن والقرى المغربية النائية التي لا تملك قاعة سينما؟!

وإذا كان التنافس مع الأفلام والمسلسلات الأمريكية داخل المغرب مستحيلا بسبب الفرق الفلكي بين المغرب وأمريكا في كل شيء (دون الحديث عن وصاية الدبلجة الفرنسية على المغرب وتلك فضيحة أخرى)، فالتنافس مع إنتاجات مصر الثقافية داخل السوق المغربية ممكن لأن الإمكانيات المغربية تساوي تقريبا إمكانيات مصر. التنافس مع مصر وحتى مع الإنتاجات التركية على السوق المغربية ممكن بشرط التسلح بعزة النفس والإيمان بالهوية الوطنية وفك التبعية للشرق، وبشرط الإيمان بلغة الوطن الأمازيغية – الدارجة، وبشرط الاستثمار في المغرب بدل شراء منتوجات الشرق الأوسط الثقافية.

حينما نحقق "الاكتفاء الذاتي" ونسيطر على 80% من سوقنا الثقافية والسينمائية والأدبية فحينئذ سنفكر في غزو البلدان والأسواق الأخرى. وحينئذ سيختار العالم الأصلح والأجود كما يختار بين الفيلم الأمريكي والفيلم الهندي.

3) لماذا انتشر فهم المصرية في شمال أفريقيا ولم ينتشر فهم الدارجة والأمازيغية في الشرق الأوسط؟

بكل بساطة لأن المصريين يَكُونونَ أنفُسَهم They are being themselves. المصريون (في هذا السياق الثقافي والسينمائي) يَقْبَلون أنفسَهم كما هم. لا يتبرأون من لغتهم المصرية. لا يشعرون بالعار أو بالفضيحة منها. لا يعتبرونها "لغة منحطة" عن الأصل العربي الحقيقي أو المتخيل. لا يخافون من أن لا يفهمها الآخرون. وإذا لم يفهم الآخرون لغة المصريين فـ"لهلا فهموها". المصريون يعبرون عن أنفسهم (في السياق الإعلامي والسينمائي والثقافي) ببساطة وثقة عادية بالنفس وبدون عقدة نقص وبلغتهم العادية. وانطلاقا من الاعتزاز باللغة الشعبية وقبول الذات كما هي، اختار المصريون كدولةً وكشركات إنتاج وكمبدعين، طيلة القرن العشرين، أن ينتجوا ما ينتجونه من أفلام ومسلسلات (رغم ضحالة معظمها وسطحيته وتكراريته) باللغة المصرية وللجمهور المصري أولا وأخيرا. وإذا جاءت دول أخرى تريد شراء الأفلام أو المسلسلات المصرية فأهلا وسهلا. وإذا لم يأت أحد فالجمهور المصري وحده كاف.

هذه هي العقلية التي يشتغل بها المبدعون والسينمائيون المصريون. إنها عقلية تنطلق من الشعب وإلى الشعب. من لغة الشعب وبلغة الشعب. المصريون لم يحاولوا يوما أن يَكُونُوا غَيْرَهم. لم يحاولوا أن يكونوا إنجليزا رغم إجادة مثقفيهم للإنجليزية. ولم يحاولوا يوما أن يكونوا لبنانيين أو سوريين أو عراقيين رغم قرب تلك البلدان منهم. المصريون يحترمون ثقافتهم المصرية ولغاتهم أو لهجاتهم، بغض النظر عن مستوى أفلامهم الفني أو التقني. لهذا يستحقون الاحترام بالضبط كما يستحق الشعب الكرواتي أو التركي أو الصربي الاحترام لأنهم هم أيضا يَكونون أنفسهم ويحترمون أنفسَهم ولا يحاولون أن يكونوا نسخة من غيرهم. من يحترم نفسه وشعبه سيحترمه الناس وتحترمه الشعوب. من به عزة نفس سيعتبره الناس عزيز النفس. ومن ينسب نفسه إلى غيره ويحتقر هويته ولغته فلن يحصد من الآخرين إلا السخرية ثم الاحتقار ثم التجاهل.

وبما أن المصريين اجتهدوا في الإنتاج (على قدر قدراتهم ومستواهم الذي يعادل تقريبا المستوى المغربي) وكثفوا الإنتاج بلغتهم وانطلاقا من ثقافتهم وخلقوا التراكم، فإن الدول المتصحرة المحيطة بهم والتي لا تنتج شيئا ستضطر حتما إلى استهلاك التراكم المصري لأنه لا يوجد تراكم ينافسه في ذلك المجال وتلك النوعية من الإنتاجات. ونفس الاحترام تستحقه سوريا (بعيدا عن السياسة والنظام الحاكم والحرب الحالية). فالسوريون فعلوا بالضبط ما فعله المصريون. ولا أتذكر أنني رأيت يوما فيلما مصريا أو مسلسلا مصريا على قناة سورية، رغم أن لغتي سوريا ومصر الشعبيتين متقاربتان. كما أنني لا أتذكر أنني رأيت فيلما سوريا أو مسلسلا سوريا على قناة مصرية حكومية ولا حتى تجارية.

لماذا لا يبث المصريون والسوريون إنتاجات بعضهم البعض؟ لأنهم يعطون الأولوية لإنتاجاتهم الوطنية ولا يملكون فائضا من الأموال لاستيراد منتوجات الغير. وربما يتنافسون على الزعامة الثقافية في المنطقة. المهم هو أنهم متمسكون بما تبقى لهم من عزة نفس (رغم الهزائم أمام إسرائيل والتخلف والإرهاب الذي غرقوا فيه). إذن فالسوريون والمصريون يستحقون الاحترام في هذا الجانب الثقافي الحضاري الفني لأنهم يُصرّون كل الإصرار على أن يَكونوا أنفُسَهم، ويتشبثون بثقافتهم ولغاتهم المحلية.

أما المغرب فقصته هي العكس تماما. المغرب منذ 1912 لم يَكُن نفسَه يوما أمام الأجانب. دائما ينبطح أمامهم ويلوي لسانه ويخفي هويته من أجلهم. وفي خضم إنكاره هويتَه الأمازيغية طيلة القرن العشرين حاول المغرب في الأول (ومازال يحاول) جاهدا التماهي مع فرنسا لغويا وثقافيا وسينمائيا فيسقط دائما سقوطا مريعا مضحكا لأن الفرق الحضاري مع فرنسا هائل. فرنسا دولة ديموقراطية علمانية مبنية على الحرية الفردية وحقوق الإنسان وعلى ذهنية المنهج العلمي، ولهذا نجحت كبقية أوروبا الغربية اقتصاديا وعلميا وسينمائيا. كما أن فرنسا أيضا تَكون نَفْسَها ولا تريد أن تَكون غَيْرَها. فرنسا لا تريد أن تَكونَ ألمانيا ولا بريطانيا ولا أمريكا. ولو حاولت فرنسا يوما أن تكون نسخة من غيرها فستسقط سقوطا مريعا مضحكا كما سقطه المغرب.

وبما أن المغرب فشل وسيفشل دائما في أن يَكون فرنسا فالحل الثاني الذي اهتدى إليه (على نغمة القومية العربية) هو أن يَكونَ مِصر. وكما أن المغرب سقط سقوطا مريعا مضحكا حينما حاول أن يكون فرنسا (لعدم قدرته على مضاهاتها) فهو أيضا قد سقط سقوطا مريعا مضحكا حينما حاول ويحاول أن يكون مصريا وعربيا، ولكن هذه المرة سقط لأنهم رفضوه كما هو. رفضه العرب والمصريون والسوريون والسعوديون لأن لكنته البربرية "صعبة" عليهم. فلم لم يبق للمغرب إلا أن يبتر بربريته (دارجته وأمازيغيته) بترا ويعوضها (يدبلجها) بالمصرية أو اللبنانية أو حتى بالعربية الفصحى وذلك أضعف الإيمان.

4) هل الأمازيغية – الدارجة "طامة المغرب الكبرى"؟

طيلة القرن العشرين، لم يفكر المغرب يوما في أن يَكون نَفْسَه. المثقفون المغاربة دائما متحسرون على عدم كونهم غيرَهم. على عدم كونهم عربا ومصريين وسوريين. دائما يَرْنُونَ بأعناق مشرئبة إلى مصر وسوريا ولبنان والشرق وحتى إلى السعودية (بالنسبة للإسلاميين) متشوقين أن يَكُونُوهُم، مرددين أغانيهم وحافظين لدندناتهم ومطربيهم وشيوخهم.

وهذا السلوك (نزع الجلد ومحاولة لبس جلود الآخرين) يفسر بشكل ساحق لا يدع مجالا للشك لماذا انتشرت ثقافة احتقار الأمازيغية وإنكار أمازيغية المغرب بعد الاستقلال بشكل سرطاني في المغرب في الدولة وفي المجال الحزبي والثقافي. فالشرط الأساسي التلقائي لقبول طلب المغرب الدخول في نادي الفرنكوفونية أو نادي العروبة هو يقوم المغرب بإنكار هويته الأمازيغية.

إن من يريد أن يكون غيرَه سينكر ويحتقر نفسَه دائما كخطوة أولى، وسيدّعي أن هويته مِن هوية الآخرين الأجانب البعيدين ومنسوبة إليهم، وسيحتقر لغتَه ولهجتَه وسيعتبرها عائقا لانتشار أفلامه وأغانيه وثقافته بل عائقا ضد أن يكون هو "ما ينبغي له أن يكون".

حينما يعتبر المثقفون المغاربة الأمازيغية – الدارجة "عائقا" و"طامة" و"مشكلة" و"نعرة" و"مؤامرة" وينكرون هوية المغرب الأمازيغية فذلك لأنهم يعرفون بعمق أن المغرب هو الأمازيغية والأمازيغية هي المغرب. لو كانوا فعلا متيقنين من عروبة المغرب فلماذا كل هذه الهستيريا الفكرية الرامية إلى إثبات عروبة المغرب؟!

وبدل الاعتراف بأمازيغية المغرب والاعتزاز بذلك والعيش كذلك والإبداع على ذلك، يفضلون الهروب رمزيا إلى الشرق ليكونوا هناك "ما ينبغي لهم أو يكونوه". وقد يهرب آخرون هروبا رمزيا إلى فرنسا والفرنكوفونية ليكونوا هناك "ما ينبغي لهم أن يَكونوه". ولكن الطامة الكبرى بالنسبة لهم هي أن يكونوا ما هم كائنوه الآن. الطامة الكبرى هي أن يكونوا أمازيغيين!

الدارجة ليست سوى الأمازيغية حينما نمعن فيها إمعانا ثقافيا عميقا. واحتقار الدارجة هو مجرد تمظهر من تمظهرات احتقار الأمازيغية التي هي هوية المغرب الحقيقية.

واستحضر هنا ما قاله أحد المفكرين المغاربة في ندوة حول موضوع "تدريس الدارجة"، حين قال: "إذا كتبنا أدبنا بالدارجة فلن يفهمه المصريون"!

إذن فكينونتنا متوقفة على فهم المصريين لنا ولأفلامنا وكتاباتنا! إذا لم يَفْهَمْنا المصريون فما علة وجودنا؟! ما المنفعة من الكتابة والإبداع والإنتاج الثقافي والعلمي والسينمائي بلغتنا الأمازيغية – الدارجة إذا لم يفهمها المصريون والعرب؟!

حقا إن الإنسان ليعجز عن تصديق أن مثقفينا والقائمين على السينما وغيرها يفكرون بهذه الطريقة اللامغربية اللاأمازيغية. إذا لم يكن هذا هو الاستلاب بعينه فلا أعرف ما هو الاستلاب.

إن من يعتبر لغة المغرب (الأمازيغية - الدارجة) طامة كبرى أو مشكلة أو عائقا ويريد إطفاءها وتحييدها وإخفاءَها عن العالَم لن يساهم أبدا في تقدم المغرب. ذلك الشخص المستلب المتبرئ من لغة بلده وهويته أو المستهين بها أو المُفَضِّلُ لغيرها عليها لن ينتج شيئا بلغة أهل المغرب وبالتالي لن ينفع المغرب وإنما سينفع الآخرين بالمغرب. إذا لم ينتج المغاربة الأغاني والرسوم المتحركة للأطفال والبرامج الوثائقية والأفلام السينمائية ويحققوا التراكم الكمي والنوعي باللغة التي يتكلمها أهل المغرب (الدارجة - الأمازيغية) فسيبقى المغرب دائما يردد أصداء الآخرين ويقتات على فضلاتهم الثقافية كما فعل طيلة القرن العشرين. بل سيبقى تابعا لهم يخدمهم. أليس خادم القوم سيدهم؟!

وإذا ركزنا في السياق السينمائي والتلفزيوني حول مسألة الدبلجة (دبلجة الأفلام والمسلسلات والرسوم المتحركة والوثائقيات) فيجب أن ننتبه إلى أن الرغبة في الدبلجة أو الترجمة تأتي عادة من البلد المستهلِك وليس من البلد المنتِج. البلد المستهلِك هو الذي يرغب في دبلجة فيلم أو مسلسل أعجبه ليعرضه على جمهوره المحلي. مثلا حينما ينتج الأمريكيون فيلما أو مسلسلا فإن الألمان والفرنسيين والإسبان هم الذي يذهبون ويطرقون باب الشركة الأمريكية لكي يطلبوا منها أن تسمح لهم بدبلجة الفيلم إلى الألمانية أو الفرنسية أو الإسبانية مقابل صفقة مادية أو ترتيبات معينة، لكي يشاهد الألمان والفرنسيون والإسبان ما أنتجه الأمريكيون (طبعا أنا أبسِّط المثال، والواقع أكثر تعقيدا). أمّا أن يذهب المنتِج إلى المستهلك المفترَض ويعرض عليه أن يُدبلِج (المنتجُ) له ما أنتَجَه فهذا أقرب إلى التوسل، لأن المستهلِك لم يُبدِ يوما اهتماما بما أنتجه ذلك المنتِج ولا يعبأ به. فما بالك لو عرض المنتِجُ إنتاجاته على المستهلِك الأجنبي بالمجان؟!

5) لماذا يحتقر كثير من المصريين المغربَ والمغاربة؟

ما دام المغرب لا يعتز بشخصيته ولا ينتج بلغته الأصيلة ولا يُظهر للعالم هويته الأمازيغية الحقيقية المستقلة فسيستمر المصريون في احتقار المغرب والمغاربة والنساء المغربيات وكل شيء يتعلق بالمغرب. سيستمرون في اعتبار المغرب تابعا عربيا لـ"مصر الرائدة عربيا" وتابعا لـ"مركز العالم العربي". كونوا على ثقة.

هناك طبعا قضية الاستلاب المصري المتمثل في طمس وانطماس الهوية القبطية الحقيقية لمصر Egypt ولغتها القبطية Coptic language الأصلية المنقرضة والتي لم يعد يستعملها إلا بعض رجال الدين المسيحيين في القداسات القبطية. ولكن هذا لا يهمنا هنا. وزيادة على ذلك فإنه يبدو أن المثقفين المصريين قد أعجبتهم حكاية "زعامة مصر العربية" ففضلوا ربما أن يتجاهلوا أو يتغافلوا عن هويتهم القبطية الحقيقية التي لا يشاركهم فيها "أتباعهم الرمزيون" العرب والمعرَّبون. حيث إنه إذا عادت مصر إلى هويتها القبطية وأحيت لغتها القبطية وعاملتها بمساواة مع اللغة المصرية الشعبية الحالية فستفقد "زعامتها الرمزية" على العرب والمعرَّبين الذين سيعتبرون مصر حينئذ مجرد بلد مجاور مختلف مثل تركيا أو إيران أو المغرب، يتقاسمون معه بعض التقاربات والتشابهات الثقافية واللغوية ولا يتقاسمون معه الهوية.

من المضحك أن نقرأ من حين لآخر أن المغاربة "زعلانين" لأن الفيلم المصري الفلاني أو المسلسل المصري الفلاني أو الإعلام المصري يُظهر المغاربة بشكل مسيء أو مهين. ولكن مع ذلك يستمر المغاربة في مشاهدة الأفلام المصرية والقنوات المصرية في اليوم الموالي بكل وفاء وإخلاص. لو كان المغرب ينتج أفلامه ومسلسلاته ووثائقياته بالجودة الكافية والكمية الكافية لما كان هناك متسع من الوقت للمغاربة لكي يشاهدوا القنوات المصرية والعربية ويكتشفوا أن الفيلم المصري الفلاني أو المسلسل المصري الفلاني أهان المغاربة أو سخر منهم، لأن المغاربة حينئذ سيكونون مشغولين بالإنتاجات المغربية بالأمازيغية والدارجة، كأي شعب طبيعي في العالم يشاهد إنتاجاته الوطنية أولا ولا يشاهد الإنتاج الأجنبي إلا إذا كان بجودة عالمية يستحق بها الاهتمام.

لا يمكنك أن تجبر الناس على احترامك عن طريق "الزعل والاحتجاج"، وإنما تجبرهم على احترامك بعملك وتفوقك واستقلاليتك. فالقوي المستقل الناجح الواثق من نفسه ومن هويته لا تهزه بضع نكت هنا أو بضع شتائم هناك. ولكن الضعيف الواهن التابع يعتبر كل نكتةٍ أو شتيمةٍ إهانةً عظمى تزلزل كيانه!

ما دام المغاربة يتهافتون بشكل هستيري على حفلات المغنين المصريين والعرب الذي يأتون إلى المغرب وما دام المغاربة يهملون الإنتاج المغربي، ومادام المغاربة يتهافتون على الأفلام المصرية ويهملون الفيلم المغربي فسيستمرون في إرسال "رسائل التبعية الثقافية" للمصريين والعرب والمعرَّبين. فالزعيم لا يلام على زعامته للعبيد الراغبين فيه. وإنه لشيء عجيب ومُخْزٍ حقا أن نرى المغرب ذا الـ34 مليون نسمة يتصرف كـ"تابع ثقافي" لدويلة مثل لبنان عدد سكانها 3 ملايين نسمة.

مادامت الدولة المغربية تجند إعلامها وميزانياتها لاستيراد الإنتاجات المصرية وحتى التركية بالدبلجة اللبنانية (تبعية مضاعفة = تعبئة مضاعفة) ومادمت تهمل تطوير الأفلام المغربية بالدارجة وتقطع المال عن تطوير السينما الأمازيغية فستستمر الإنتاجات المغربية بالأمازيغية – الدارجة في رداءتها وسيستمر المشاهد المغربي في النفور منها والتسوق في أسواق الآخرين. إنها حلقة مفرغة كما نلاحظ.

قطع التمويل والاهتمام = نفور المشاهد المغربي = قطع التمويل والاهتمام ما دمنا ننكر هويتنا ونحتقر لغتنا الأمازيغية – الدارجة ونريد أن نَكونَ الآخرين أو نسخة منهم فستستمر المهازل والمهانات الرمزية والثقافية التي يتعرض لها المغرب مرارا وتكرارا على يد المصريين والعرب والفرنسيين والإسبان. وهم في ذلك غير ملومين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع