المقالات

الأدب والحروب في المجتمع الأمازيغي القديم

 

 

 
سعيد بلغربي 
"عزمت على الكتابة عن الحرب التي خاضها الشعب الروماني ضد يوغرطة ملك نوميديا. ولهذا العزم سببان، أولهما أن الحرب كانت شديدة وقاسية، تعاقب فيها النصر والهزيمة، وثانيهما من أجل أن الناس إستطاعوا لأول مرة أن يجابهوا وقاحة النبلاء". المؤرخ اللاتيني سالوست (86 ـ 35 ق.م).

 

 
الجدير بالذكر هنا، أن من بين أكثر العوامل المؤثرة في الحياة الأدبية للشعوب نجد الحروب والصراعات الإنسانية من أجل الحرية والحياة والبقاء. وتعد الحروب من بين أبرز الظواهر التي ألِفها المجتمع الأمازيغي، والتي أخذت جانبا كبيرا من إهتماماته في التصدي للهجمات والغارات لغاية إلتماس أرض آمنة وتحقيق مجتمع السلم والإستقرار، فلا يمكن أن نتصور شعبا محاربا بدون تراث أدبي مشحون بكل الإنفعالات الممكنة، مخلدا لتيمات الحدث وما يوازيه من نكسات وإنتصارات وإبراز لمكامن القوة والضعف. فمنطقة شمال أفريقيا شهدت توترات عديدة أفرزت إرثا أدبيا ملحميا خلد للشخصية الأمازيغية، وساهم بوضوح في قراءة خرائطها الفكرية.
 
تشير النصوص التاريخية القديمة إلى أن الأمازيغ عبر الأزمنة المختلفة والمسترسلة إعتادوا تقلبات الحروب والثورات وعانوا من ويلاتها كغزاة وكمقاومين، حيث كانت الصراعات بين المجموعات البشرية لا تخبو نارها. وفي إشارة منه إلى الحروب ووسائلها عند الأمازيغ القدماء يقول هيرودوت (القرن 05 ق.م): »وعند الحرب يحمون أنفسهم بدروع مصنوعة من جلد النعام« [مصطفى أعشي: أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ)، 48]. ويؤكد هذا المعطى التاريخي المؤرخ اليوناني (سترابو، 64 ق.م) بقوله: »ولهؤلاء الناس دروع صغيرة مصنوعة من جلد غير مدبوغ، ورماح ذات رؤوس عريضة«[فهمي خشيم: نصوص ليبية، مؤسسة توالت. 73]. أما المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي (القرن الأول ق.م) فهو يصف المحاربين الليبيين في مؤلفه (المكتبة التاريخية)، بقوله: »إنهم يواجهون الأخطار التي تحدق بهم مسلحين بثلاثة رماح وحجارة.. وهم لايحملون سيفا ولا خوذة.. فإن غايتهم أن يتفوّقوا على عدوهم«[ نصوص ليبية، 115.]. والمؤرخ الأمازيغي كوريبوس فيصورهم لنا بقوله: "كانت تلك القبائل ـ الليبية ـ تكيل المديح لحاكمها وهي رافعة رؤوسها، فقد كانوا جنسا يتحلى بالشجاعة، ذا بأس شديد، عنيفا في الحرب، سواء أكانوا من الجنود المشاة الذين يزحفون بثقة وسط أعدائهم، أو من الفرسان الذين يضربون بكعوبهم بطون خيولهم الثائرة" [فلقيوس كريسكونيوس كوريبوس: ملحمة الحرب الليبية الرومانية، 46].
 
وهي أوصاف وتلميحات كلها تؤكد على أن الأمازيغ القدماء كانوا يشكلون قوة حربية ذا حنكة متميزة، وعرفوا بالمهارة والتطور في مجال الصناعات العسكرية والتسلح بمفهومها البدائي البسيط حسب ما تمليه وسائل العصر آنذاك، وكانوا دائما على إستعداد وتأهب للأعمال القتالية المحتملة. فالإنتصارات الكثيرة التي حققها القائد الأمازيغي أنيبعل (247 ـ 183 ق.م) في الحروب البونية الشهيرة؛ والتي لم تكن لتتحقق لولا التكتيكات والحنكة القتالية لجيوشه النوميديين الأشداء. ولقد أبدى سالوست إعجابه بالملك النوميدي يوگورثن على الرغم من العداء الشديد التي يكنه له، وأشار من خلال كتابه التاريخي (حرب يوغرطة) إلى بسالة وحنكة هذا القائد الأمازيغي في أساليب التخطيط والتدبير للشؤون الحربية، وفي معرض حديثه عن يوغرطة، يقول سالوست: "إنه إستعمل القوة كما إستعمل الحيلة ليلا ونهارا.. كما كان يلهب حماس رجاله بخطبه، وبإختصار فقد كان نشاطه يتعهد كل شيء" [محمد التازي سعود: سالوست، حرب يوغرطة للمؤرخ اللاتاني،111]، وفي رسالة تاريخية ل سبيون (184 ـ 129 ق.م) أرسلها إلى مسبسا يثني فيها على يوغرطة بقوله: "إن عزيزك يوغرطة قد أظهر في حرب نومنصا قدرة لا تعادل وذلك أمر أتأكد من أنه سيسرك. " [حرب يوغرطة، 95]. الحروب ظاهرة ساهمت بلا ريب في تنشيط وإنعاش الملَكة الإبداعية لدى الأمازيغ، وساهمت في إنتشار أدب ملحمي يبرز بوضوح أدبيات الإشادة بالأبطال والكهنة والآلهة والتغني بحماسة ببطولاتهم، وفي نفس المعنى يشير (مارمول) إلى أن "السكان النوميديون والليبيون يتعاطون كثيرا للفلسفة الطبيعية بقدر ما يتعاطون للفصاحة والشعر، فينظمون قصائد مقفاة موزونة يصفون فيها.. حروبهم وصيدهم وحبهم"[أفريقيا، الجزء:01، تر: محمد حجي، 110].
 
ومن أشهر الأدباء الأمازيغ الذين ساهموا في إنتاج صيغة للأدب والرواية الملحمية وإن كان ذلك ربما في البداية بطرق وأساليب بدائية غير مدركة لماهية الأدب ورسالته، نجد الشاعر (فلقيوس كريسكونيوس كوريبوس Flavius Cresconius) الذي عاش في القرن السابع الميلادي.. وهو شاعر مغربي الأصل والمولد بسبب اللقب المعطى له ـ الأفريقي ـ وأيضا لعلمه الواسع بالمغرب وقبائله [ ملحمة الحرب الليبية الرومانية، 15].. ومن أعماله ملحمة الحرب الليبية bellis de libycis [ ملحمة الحرب الليبية الرومانية: 17]، وهي الملحمة الأمازيغية الوحيدة التي إستطاعت أن تصل إلينا مدونة وكاملة، والتي يقول في إحدى فقراتها: "إنني أشدو بأغنياتي لقادة الحرب ورجالها، وأغني للأمم المتوحشة وللدمار الذي تخلفه الحروب، إنني أغني للخيانة ولمصرع الرجال وما يلاقونه من عنت ومشقة، إنني أغني للكوارث التي حلت بليبيا وللعدو الذي كسرت شوكته، أغني للجوع والعطش اللذين أوقعا جيشين في إضراب مميت"[ ملحمة الحرب الليبية الرومانية: 23. ]، وهي خلفية لنص تاريخي يبين بكل وضوح أهمية المنظومة الأدبية والفنية التي شغلت المجتمع المدني والعسكري الأمازيغي القديم.
 
أثبتت التجارب الإنسانية عبر الزمن أن الحروب لا تخلف من ورائها سوى الخراب والدمار، فجميع الغزاة عمدوا إلى تدمير ونهب ثروات الأمازيغ المادية والروحية.. ودمروا المعابد وأحرقوا الكتب وأخرسوا المفكرين.. وليس ما يصور لنا النتائج التي بلغتها قوة الدمار في هذا المضمار أحسن من الوصف الميثولوجي والأدبي الأخّاذ التي تركه لنا فلقيوس وذلك في معرض حديثه عن الحملة العسكرية التي لحقت بالأرض الليبية (تامازغا)، وهو يقول على لسان شاهد عيان؛ القائد يوحنا: »أخذ يتطلع إلى شاطئ الأرض المحترقة، وشاهد ما خلّفته الحرب الغاشمة من دمار.. لقد كانت الريح تدفع بلهب النيران في أعمدة تلتفّ حول بعضها البعض.. وقد شاهد بعينيه لهيب النار يتصاعد ويتلف جميع الأشجار.. وكانت المدن في إضطراب وفوضى بعد ذبح أهلها، وكانت جميع المباني التي تحطمت سقوفها طعاما للنيران. ولقد كان من الممكن لإله النار فايثون (Phaethon) وهو يعدو بخيوله التي تنفث النار؛ أن يحرق كل شيء في جميع أركان الأرض، وهو يمتطي عربته المشنوقة، ولو أن الإله القادر على كل شيء أسبغ رحمته على الأرض، فصرع الخيول النارية بصواعق من السماء، فأطفأ النار بالنار«... [ملحمة الحرب الليبية الرومانية: 35. ]
 
لاينفي المهتمون بالتاريخ أن الصراعات والثورات التي خاضها الأمازيغ كان لها إنعكاسات سلبية ساهمت بلا شك في جعل المناطق المستعمَرة خلفية لمسرح جرت عليها أفظع أنواع الممارسات اللاأخلاقية، من سلب وقتل وتدنيس للكرامة وتخريب لكل ما يرمز للهوية والأرض والحياة. ووأد للممتلكات اللامادية والرمزية للشعب الأمازيغي، من أدب وفنون وأعراف وإعتقادات وغيرها.
 
تلمح العديد من النصوص التاريخية والرسومات الأثرية إلى أن الأمازيغ عوملوا معاملة إحتقارية من طرف المستعمرات القديمة. وتشير بوضوح إلى أن "حكم القرطاجيين إتسم بقساوة مفرطة"[مونتسكيو: تأملات في تاريخ الرومان. تر: عبد الله العروي: 46]. ففي فترة حكمهم (814 ق.م) في شمال أفريقيا يشير المدني إلى "أن سياسة قرطاجنة لم تكن سياسة رفق ولين نحو البربر الذين يقطنون تراب الجمهورية. فكانت أمامهم حكومة متجبرة مستبدة. تعاقبهم بشدة على أقل الهفوات"[أحمد توفيق المدني: قرطاجنة في أربعة عصور: 34.]. هذه الهمجية القرطاجية ساهمت في تخريب كل ما يمت بصلة إلى الحياة الأدبية والثقافية الأمازيغية. ويواصل المدني قوله: "وقع العثور أثناء البحث الأثري الجاري بقرطاجنة، على عدة آثار بيزنطية فيها الفسيفساء الجميلة التي كانت تحلي ديارهم.. لكن بقاياهم هذه لاتعني شيئا عما إرتكبوه من الجريمة الهائلة. تلك الجريمة التي إقترفوها على الفن وعلى التاريخ. فإنهم أثناء قيامهم بتحصين البلاد لم يتوقفوا عن تحطيم المعالم الرومانية والتماثيل البديعة" [ قرطاجنة في أربعة عصور: 141].. دمار جاء على الأخضر واليابس، وصفه فلقيوس في نص تاريخي يشير من خلاله إلى حقد قائد روماني وهو يهدد ربما جنديا أمازيغيا ويحثه على الإستسلام، قائلا له: "لسوف نشق تمثال (Gurzil) قرزيل ـ إله ليبي قديم يظهر على هيئة حيوانية أو برأس عجل ـ إلى نصفين، ولسوف نحطم هيكله الخشبي ونلقي به طعاما للنيران المتأججة"[ملحمة الحرب الليبية الرومانية: 59 ـ 60.]. وفي النص إشارة واضحة إلى أنه حتى المعابد والتماثيل والرموز الدينية لم تسلم من النهب والدمار.
 
وتشير شهادات تاريخية أخرى إلى أن الرومان أحرقوا ونهبوا مدينة قرطاجة في شمال أفريقيا سنة (203 ق.م) في هزيمة (زاما) خلال أعوام ما يعرف تاريخيا بالحرب البونية الثالثة، فتذكر الوثائق أنه "بسبب إحراقها وخرابها لم يتمكن الباحثون من العثور على بقايا الحياة العلمية والأدبية بها"[ قرطاجنة في أربعة عصور: 37 ـ 38. ]
 
. ومن المعروف تاريخيا أن القائد الأمازيغي ماسينيسا (202 ـ 148 ق.م) قاد نفس الحرب إلى جانب حلفائه الرومان لإجلاء القرطاجيين من بلاد المغرب (تامازغا)، إلاّ أن العديد من الإستنتاجات تشير إلى أنّه نظرا لحبه وتعلقه بالعلم والمعرفة أمر بإنقاذ ما تبقى من الكتب من مكتبة قرطاجة التي إلتهمتها نيران الحرب، ولذكائه وفطنته القوية إنتبه ماسينيسا إلى دور هذه الكتب وما تحويه من معرفة قد تساعده في تثقيف وتنوير شعبه، فأمر جنده بنقلها الى قصور نوميديا. وهذا ما يؤكده ذ. دبوز بقوله: »لما فتح الرومان قرطاجنة، وكان معهم غولوسة بن مصينيسا بجيش كبير من نوميديا، فتكالب الرمان على جواهر قرطاجة.. وكنوزها، ونهبوا الغنائم الكثيرة. إختار غولوسة ومن معه من البربر من الغنائم مكاتب قرطاجنة فأعطيت لهم. فحملوها إلى نوميديا فإنتفع بها المغرب كل الإنتفاع« [محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير: 200.]. وكانت في الأصل عبارة عن لفائف مكتوبة باللغة البونية مما حذا بالرومان الذين يجهلون هذه اللغة إلى تعمد إهمالها وإحراقها.
 
إن دور الحروب في تغيير وجه التاريخ الإنساني واضح وجلي، وهي التي ساهمت وللإسف في تكريس العنف الرمزي بتدمير الموروثات الأدبية القديمة لشمال أفريقيا، فعلى الرغم من أن المبدع الأمازيغي ساعدته حماسته الفطرية على إبداع ملاحم كثيرة إلاّ أن هذه الإنتاجات التي لم تجد مادتها فرصة وطريقا إلى التدوين والتوثيق؛ وإنتهت كما يموت الجندي بين دخان النيران وغبار العاديات وقعقعة الرماح.
 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع