المقالات

تخيلوا .. أن نعيش كبشر بسلام

 

 

 فتحي بوزخار
 
 
يقول الله سبحانه وتعالى : ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴿٢٠ الروم﴾” .. البشر يصنعون الفروق بينهم فالله لا يفرق بين خلقه ولم ينزع صفة البشرية عن رسله “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ﴿١١٠ الكهف﴾”.
 
تعيش ليبيا العنف مع ذكريات السلام العالمية.. فمن إضراب رسول السلام مهاتما غاندي عن الطعام في سجنه ضد قانون انجليزي يمنع الفقراء من الانتخاب كوسيلة مقاومة غير عنيفة اصطلحت بـ “الساتياغراها” .. إلى يوم السلام العالمي.. فلماذا لا نتخيل العيش كبشر بسلام؟ كما بشر به جون لينون!!! ولنسمع قول الله تعالى قبل أن نفتح باب الحوار ونسمع لينون .. “وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”
 
من بين الأغاني الداعية للسلام والمناهضة للحرب التي اثرت في وجداني من قبل أن أفهم وأعي كلاماتها أغنية .. تخيل Imagine .. للفنان الراحل جون لينون John Lennon اقتبستها عنوان لمقالتي.. فألحانها العذبة الشجية على البيانو، تتشابه مع أغنية ..ليسا .. ليزا Lisa Liza.. للفنان كات ستيفن Cat Steven التي ربما لها امتداداتها إلى الموسيقار العالمي بيتهوفن Beethoven في مقطوعته لأجل ليزا، التي ستهز مشاعر كل غليظ قلب مجرد من العواطف والأحاسيس لو استمع إليها .. ولا أنكر بأن المشاعر الإنسانية عندي، وعند الكثير من الليبين والليبيات، قد تأججت خلال حرب التحرير 2011 بعد أن توحدنا كبشر أولا لمقارعة ظلم الطاغية معمر القذافي وتنامى هذا الشعور مع الخروج بعائلاتنا إلى تونس وما لاقيناه من أخوتنا وأخواتنا في ولاية تطاوين وغيرهم من مؤسسات المجتمع المدني بتونس الشقيقة ومختلف دول العالم الحقوقية منها ، والإغاثية، والطبية، والإعلامية وحتى الأستخباراتية!!! اختلطت المشاعر الإنسانية من مختلف أعراق الأمة الإنسانية وتوحدت من أجل هدف واحد هو تخفيف ألآم الناس ومشاركتهم معاناة الغربة و الخوف والجوع والتشرد..فأرقة معاني الأخوة هي الإنسانية التي تتقدم بدرجات عن أخوة الدم، والدين .. فتجربة الموت والحياة التي عاشتها وتعيشها العائلات الليبية وهم ينشدون السلام تشهد على ذلك!!! فالشواهد وثورة الاتصالات والحقوق تقول بأن الأخوة الإنسانية هي الملاذ للأمة الإنسانية من المعاناة من بني جلدتهم ولو كانوا على دين واحد.
 
القذافي وتغييب الإنسانية
وظفت رابطة القبيلة والدم ، بطعم الشوفانية المقيتة، في تمزيق الأوطان وترسيخ الدكتاتورية.. بل وفي الدمج القسري وإقصاء الأخر كما هو الحال بالنسبة للأمازيغ والتبو.. تغيب الإنسانية وراء أطماع القادة المتعجرفين النرجسيين .. وتنتهي كرامة الإنسان لتتلاشى عندما يعاقب الكثير من الليبين بسبب جريمة، في نظر القذافي، أقترفها أحدهم ينتسب أو منسوب لفئة من الناس المتهمين .. فبدأ القذافي بمعاقبة العائلة الحاكمة في الشرق والغرب والجنوب كما عوقب التبو لكون مجموعة منهم كانوا حرس الملك الخاص .. بل عاقب هذا المعتوه مدن كمصراته وورفله بعد محاولات انقلاب المحيشي وقرقوم .. لا ننسى أن العقوبة طالت طرف من قبيلته القذاذفه.. وفي معركة باب العزيزية عانت الكثير من المدن الأمازيغية فاستخدم اساليب بشعة من الشنق في الميادين، وتهديم البيوت، وخطف وتعذيب حتى الموت .. تصرفات بعيدة عن السلوك الإنساني المتزن وتتنافى مع جميع الشرائع السماوية والقوانين التي ابتدعها الإنسان الآدمي.. وبعد نشاط تنظيم معارض مسلح في الشرق تم حرق الجبل الأخضر وحاصر الشرق بأكمله كعقوبة جماعية لهم.. بل وحرض على أن يعلن الكثير من الأسر والقبائل البراءة من أبنائهم .. بما يعطيه الحق في انتهاك انسانية معارضيه وتعذيبهم حتى الموت .. وللأسف مسلسل الإرهاب القذافي يتكرر بعد 17 فبراير .. فالفكر اللإنساني الذي رسخه طاغوت القذافي مازال يعشعش في رؤوس بعض من يتصدرون، أو بالأحرى يريدون أن يتصدروا، المشهد السياسي في ليبيا.
 
تجليات 17 فبراير وضبابية الحرية
أوقدت شعلة 17 فبراير ببنعازي جرأة أمهات وزوجات وبنات المعذبين والشهداء من أبناء ليبيا على الخروج والتعبير عن سخطهم من دكتاتورية نظام القذافي .. فدموع التكالا والمعذبات وزفير آهاتهن لامس أرواح وقلوب الليبين والليبيات قبل عقولهم .. وتجلت بركات الانحياز للحرية والدعوة للإنعتاق من ظلم نظام القذافي وزبانيته .. انتفضت جميع مدن ليبيا دون استثناء، ولم تصنف أي مدينة إلا بثائرة، وعلى صعيد واحد وفي لحظة تجلي وصفاء تام استجاب الجميع لنداء الاستغاثة بعد أن وصلتهم إشارات الألم والحرقة والمعاناة وقالوا لن نعود للقيود .. وفي لحظة شيطانية أنقلب فكر الدكتاتور ونخر بسوسه صفوف الليبين والليبيات .. وأرتد البعض على 17 فبراير وأثروا العودة لحظيرة القذافي البهامية وترسيخ ثقافة القطيع وعانت شمس الحرية من ضبابية جديدة أطلقتها وأظهرتها الثورة المضادة ..
 
توعد القذافي ونفذ الموالون
بعد أن أطلق الشعب الليبي بأكمله العنان لفكره وقلبه وعبر بصوت عقله وتحقق ما كان يراه القذافي من سابع المستحيلات .. أرغى وأزبد وتوعد بأنه سيترك ليبيا جمراَ .. بكل بساطه توعد بالجمر لأنه كان يعد لمثل هذا اليوم الذي أقنعه الموالون له باستحالته مع يقينه بأنه سيأتي يوماً لذلك اتخذ كل ما يلزم لتنفيذ وعوده وبأيدي مواليه .. أعطى تعليماته لتحويل ليبيا إلى مكب لحبوب الهلوسة ووزع السلاح وأطلق السجناء، أصحاب الجرائم الجنائية، ونشر الرعب والخطف والقتل والتفجير واستمر موالوه بتنفيذ هذه التعليمات إلى يومنا هذا.
ليحقق الموالون ما توعد به القذافي تغلغلوا في السلطة ، تشريعيه وتنفيذية، بل وتمترسوا بالعديد من المدن: طرابلس، بنغازي، سبها، بني وليد، ورشفانه.. وغيرها و باتت جرائم الانقضاض على 17 فبراير جلية وواضحة .. بقايا الموالون للقذافي لم تثني عزمهم ولم يتركوا سبيل لتصديق ما توعد به القذافي ..الإشكالية التي تواجه الشرفاء من مقاتلي 17 فبراير أن بقايا القذافي يتمترسون وراء العائلات البريئة والمدنيين البسطاء .. وقد تم استغلال التوجه الإنساني الحقوقي للثوار بتركهم لأعداء الانتفاضة أو الثورة بأن يتغولوا وينقلبوا على 17 فبراير .. بل سمحوا بتغلغل بعض المتطرفون المتأسلمون عندما توحدوا معهم في الهدف وهو ضرب بقايا النظام السابق.. ولكن هيهات من يدعون أنهم من قبائل شريفة أو حتى من يدعون أن لهم تفويض إلهي بحكم البشر .. أن يستلموا زمام الأمر في ليبيا لسبب واحد لأنهم لا يعوا معنى الأخوة الإنسانية.. فلا بقايا النظام السابق ولا المتأسلمين يستطيعوا استيعاب أننا نحن الليبيون والليبيات بمختلف أعراقنا ومذاهبنا الفكرية والدينية والسياسية ننشد السلام وسنبقى بشر قبل وبعد كل شيء.
 
صدق جون لينون وكذب المتعالون
رفض المناضل لينون الاستغلال البشع من قبل الامبريالية، المباركة من الكنيسة، لمقدرات الشعوب .. وأنكر استغلال جميع الأديان باستغفال الناس، واستعبادهم، وسرقة مواردهم ومقدراتهم.. بل رفض التحريض على قتل طرف ليكسب طرف أخر.. جون يرفض أن يكون لأي قبيلة تميز عن بقية البشر .. لا يمكن السماح لفئة ترى في أنها المختارة من دون البشر وترى في قتلها للأخر سيجزيها الله عليه بالجنة وسيعاقب الخالق سبحانه المقتول بأيديهم الشريفة بنار جهنم .. لا يمكن أن نرى في ليبيا مدينة أو قبيلة تريد أن تستأثر بثروة ليبيا على حساب الليبين والليبيات .. فعبر جون عن شجونه تجاه العالم الإنساني بالمقتطفات المختارة التالية من أغنيته تخيل :
تخيل”
“تخيل ان ليس هناك جنة
ليس الأمر صعباً..لو حاولت..
وان ليس هناك جهنم ايضاً
وما فوقنا ليس غير السماء
تخيل..لو ان الناس جميعاً
تعيش لهذا اليوم..
 
تخيل…ان لا اقطار هناك
ليس ألأمر عسيرا ان تفعل..
لا داع هناك للقتل او الموت من اجله
وليس هناك من دين
تخيل..لو ان الناس جميعاً
تعيش في سلام.
 
تخيل…عالم بلا ممتلكات
أتراك تستطيع ذلك؟
عالم خال من الجشع والجوع
عالم اخوة البشر
تخيل ان جميع الناس…
تشترك في جميع العالم…
 
لو انصتنا إلى كلمات المبدع والفيلسوف لينون، رحمه الله، الإنسان سنعي أن الناس لن تعيش معني الآدمية إلا إذا فهمت أن التدين بأي شكلاً كان هو انحياز تام للبشر .. للإنسان خليفة الله في الأرض وتنافس شريف من أجل بناء وأعمار الأرض .. وكلامي هذا موجه للجميع دون استثناء .. فوجودنا على كوكب الأرض هو فرصة للإنسان أن يتعارف مع أقرانه من الأمة الإنسانية ويتبادل الخبرة ومخزون الذاكر الإنسانية استعداداً للصعود إلى السماء .. فالأعباء الأرضية مثقلة والتثاقل إلى جاذبية الأرض والملكية والغريزة، والشهوات متعبة للإنسان وتشده للحضيض الأرضي..الأنانية تزيد من حدت التشرنق الذي يلفنا في هذه الدنيا كمومياء* مكبلة ويعيقنا للانطلاق إلى براح الحضرة الربانية وفضاء الوجد والصفاء الروحي حيث تنعدم المادة وتسمو الروح .. تخيلوا أن نعيش كبشر ..
لو تخلينا أن نعيش السلام كبشر لن يختطف إي ليبي أو ليبية على الهوية لن يعذب أحد حتى الموت بسبب أنه من عائلة فلان أو من مدينة أو قبيلة علان .. لو احترمنا آدميتنا لن يقتل أحدنا بحجة أننا نخالف شرع الله كما يفسره أحدهم والله هو رب الناس جميعاً ولا يكره أحد منا على الأيمان به .. بل تكفل الله هو وحده بمتابعة مسألة الإيمان به ولم يفوض أحد أو يرخص لأحد التدخل في الشؤون الأيمانية للناس.
 
نريد أن نعيش السلام بحيث لا يقتل أحدنا الأخر بسبب العرق أو على خلفية المذهب كان دينياُ أو فكرياً أو سياسياً .. ولو اختلفنا فلن يكون خلافاً وستكون أداة التعبير عن اختلافنا القلم واللسان .. تدر ليبيا تادرفت
____________________________
*استخدمت هذا التعبير في روايتي اليتيمة “نتش د تيديت ماك أجوجفخت .. أنا والحقيقة كما حلمت بها” منشورة على موقع جامعة أيتران 2006 ..
 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع