المقالات

الأمازيغي و المغربي وجهان لمفهوم واحد (2)

 
 
 
خالد أوبــــــــــلا
من المفارقات أن الاعلام المغربي يقوم بالفرزيات، دون أن يدري وهذا هو الظاهر، أثناء تقديمه لمواد غنائية أو فنية وغيرها، فيقدم الفنان الدارجوفوني (الناطق بالدارجة) عن طريق وصفه بالفنان المغربي ، أو الاغنية المغربية، الفيلم المغربي، و اللائحة طويلة... في حين يتم تقديم الفنان الأمازيغوفوني (الناطق بالامازيغية) على اساس وصفه بالفنان الامازيغي. ترى إذا كان الفنانان ينتميان إلى نفس الوطن، فلماذا هذا التمايز في الاسم؟ أوليس الامازيغوفوني مغربيا و العكس صحيح؟  يطرح هذا التعامل الاعلامي اشكالية اصطلاحية في تحديد المفهومين، وإذا كنّا قد طرحنا، وباقتضاب، في مقالتنا السابقة  مفهوم "الامازيغي" من خلال إجابتين، فإن الاعلام المغربي يرتكز على الاجابة الأولى التي تعتمد على المعيار اللسني أو اللغوي في تحديده.  وبالتالي فهذا المعيار غير علمي و لا يرتكز على الموضوعية الكافية التي ستجنبنا الوقوع في التمايز بين أبناء الوطن الواحد على أساس لسني. 
فالخلط الذي يقع فيه الكثيرون  لتحديد المفهومين يتجلى في عدم إدراك مفهوم "الامازيغي" في بعده الشمولي، وجعله يختصر على محددات لسنية وجغرافية محضة، وفي المقابل تجريد مفهوم "المغربي" من أمازيغيته. فكلا المصطلحين يحملان نفس الدلالة و المضمون وإن كان الثاني يشكل امتدادا للأول من حيث الحمولة الثقافية و الانثربولوجية و التاريخية، ويختلفان من حيث التسمية. ف"المغربي" يرتبط  بالبعد الجغرافي بناء على تسمية مستمدة من فترات تاريخية شكلت فيها الرقعة الجغرافية التي يسكنها الشعب الامازيغي، مغربَ الشمس لدولة الخلافة بالحجاز و الشام. فالذي تغير ليس الشعب و إنما اسم الأرض التي يسكنها هذا الشعب ومن منظور الشعوب الشرقية. وعلى هذا الاساس لا يمكن تطبيقيا إحلال شعب مكان شعب آخر دون توفر الفرضيات التالية التي برهنت العلوم الانسانية و التاريخية استحالة وجودها:
أن الشعب الأمازيغي هجر أرضه إلى منطقة أخرى غير التي ملكها لمئات القرون، وعرف باستوطانها منذ الأزل. فلم يذكر التاريخ أن الامازيغ هجروا موطنهم إلى وطن آخر،
أن هذا الشعب تعرض لكارثة طبيعية، اتت على الأخضر و اليابس ولم تذر من ابنائه ومواطنيه أحدا، وبعدها جاء شعب آخر وأحلّ محله.
أن الشعب الأمازيغي تعرض لإبادة وأُحل مكانه شعب آخر يختلف عنه قلبا وقالبا.
كلها فرضيات وأحداث لم تذكر في كتب الأولين و لا حملتها أساطير و خرافات العجائز، الشيء الذي جعل  الشعب الذي حارب الرومان هو نفسه الذي قاوم الوندال، هو نفسه الشعب الذي عزل البيزنطيين على الشريط الساحلي الشمالي، هو نفسه الشعب الذي وقف سدا منيعا أمام الغزو العربي وهو نفسه الشعب الذي أمنى هزائم بالجيوش الفرنسية و الاسبانية إبان القرن العشرين.  فالذي تغير في هذا الشعب، دون أن يكون تغييرا جذريا، هو لسانه بفعل السياسة التعريبية  للنظام السياسي المغربي الذي استطاع بفعل قطاعات الاعلام و التعليم و المسجد أن يصرف صورة غير الصورة المجتمعية لشعبنا، واستطاع بذلك أن يساهم، إلى جانب النخب المدينية و الموريسكية، في جعل المغاربة ضحية الاستلاب الثقافي و اللغوي سيرا على مخطط شل الذاكرة الثقافية للشعب وتعويضها بثقافة ولغة مستوردتين. يقول المؤرخ البريطاني هوبل " إذا أردت أن تلغي شعباً، تبدأ أولا بشلّ ذاكرته، ثم تلغي كتبه و ثقافاته و تاريخه، ثم يكتب له طرف آخر كتبا أخرى و يعطيه ثقافة أخرى و يخترع له تاريخاً آخر… عندها ينسى هذا الشعب من يكون و ماذا كان و العالم ينساه أيضا" فهذه المقولة تلخص ما وقع لجزء كبير من شعبنا.
إن حقيقة العلاقة التي تربط المصطلحين " المغربي"  و"الأمازيغي"  هي نفسها العلاقة التي تربط مثلا بين مصطلح "الإيراني" و "الفارسي" أو "السعودي " و "العربي" فإذا كان المصطلحان "إيراني"  و "سعودي" يحيلان إلى الانتماء الجنسي (من الجنسية) فإن المصطلحان "فارسي" و "عربي" يحيلان إلى الانتماء الهوياتي ، وكذلك الشأن بالنسبة للمصطلح "المغربي" فهو يحيل إلى الانتماء الجنسي  الذي يقابله في اللغات الأخرى "marocain, Marokkaner, etc."، في حين يبقى مصطلح "الأمازيغي"  دالا على الانتماء الهوياتي و الحضاري للمغاربة. فمهما حاول السياسيون المغاربة تغطية الشمس بالغربال فإن الهوية الوطنية للمغاربة أو " les marocains" هي هوية أمازيغية بحكم الأرض و الشعب، وأما الروافد التي حددها الدستور، في مراوغة مكشوفة، فتدخل في الهوية الثقافية المتعددة للمغاربة، وقد يستغرب من يقرأ، مثلا، كتابات عبدالله العروي عندما يقف على ما يميز المغرب عن دول الشرق الأوسط من ثقافة و عادات و تقاليد ونمط العيش و الحرف و الفنون و الطبخ و اللباس دون أن تكون له الجرأة في تسمية الأشياء بمسمياتها واعتبار الأمازيغية هي الوعاء أو الأساس (le substrat) للثقافة المغربية. من الصعب جدا الاقرار بذلك ما دامت جذور القومية العربية هي التي شكلت التنشئة  الاجتماعية والتكوينية لمجموعة من المفكرين و المؤرخين المغاربة الذين لم يستطيعوا التحلي بالموضوعية نظرا لترسبات خطهم الاديولوجي الذي شكل منطلقهم و مبتغاهم على الأقل في مواضيع اللغة و الثقافة و الهوية و التاريخ. 
لذلك، حري بالجيل الحالي أن يميز بين الانتماء الجنسي الذي نحيل إليه بمصطلح "المغربي" والذي تقابله  مصطلحات اخرى في لغات أخرى وبين الانتماء الهوياتي الحضاري الذي نحيل إليه بمصطلح  "الامازيغي".  فكلا المصطلحين مرتبطين و متكاملين  مع العلم ان  كل "مغربي" هو بالضرورة "أمازيغي" في حين أن كل أمازيغي ليس يالضرورة  "مغربي"، و بالتالي فمفهوم الامازيغي كما سبقت الاشارة يحدد الانتماء الهوياتي لمجموعة من الأقطار التي تتواجد بشمال أفريقيا. ف"في شمال افريقيا - كما قال الصافي مومن على- ليس هناك عرب  وإنما هناك أمازيغ على درجات متفاوتة من التعريب".
 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع