المقالات

الأمازيغية بين الشلل التيفيناغي وفرصة النهضة بالحرف اللاتيني

 
 
 
 
"الأمازيغية لم تَدْخُلْ بَعدُ المدرسةَ ولم يُـشْـرَع في تدريسها"
( محمد بودهان.)
 
مبارك بلقاسم
تستدعي الوضعية الكارثية التي توجد فيها اللغة الأمازيغية بالمغرب خصوصا، وبقية البلدان الأمازيغية عموما، (تستدعي) العودةَ إلى تحليل العديد من الجوانب المتعلقة بتعليمها وتطويرها وتنميتها، من أجل طرح المزيد من الأسئلة ومحاولة تقديم أجوبة موضوعية لها، بأقل قدر ممكن من العاطفة وأكبر قدر ممكن من التجرد والعقلانية. إن كارثية الوضع التي توجد فيه الأمازيغية لا ينكرها إلا من لا يكترث بالموضوع أو من ينتمي إلى الخطاب الرسمي "العام زين كل شي بخير"، ويدخل تحته الخطاب الرسمي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية IRCAM.
 
سأنشر تحليلي لمسألة الحرف وعلاقتها بتدريس وتنمية الأمازيغية عبر منبر هسبريس للمساهمة في التنبيه إلى هذا الموضوع وتفاصيله المُغَـيَّـبَة وظروفه المتشابكة مع الوضع اللغوي المعقد بالمغرب. سيأتي هذا التحليل في عدة أجزاء لمعالجة موضوع الحرف من كل جوانبه المهمة. كما سأرد على بعض الحجج والمعلومات المغلوطة والمغالِطة التي يروجها معارضو تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني سواء كانوا أنصارا للأمازيغية وتيفيناغ أو كانوا من خصوم الأمازيغية ودعاة كتابتها بالحرف العربي.
 
ومن بين المواضيع التي سأتطرق إليها في هذا المقال والمقالات القادمة:
 
- حصيلة التعليم التجريبي للأمازيغية وأسباب تعثره.
 
- الرهان على الأطفال بتيفيناغ والرهان على الأطفال والشباب بالحرف اللاتيني.
 
- فلكرة الأمازيغية بتيفيناغ واستخدامها ديكورا إداريا للتزيين.
 
- ضرورة تحويل الأمازيغية إلى "لغة الخبز والاقتصاد" و"لغة الفكر".
 
- عقدة الحرف اللاتيني لدى المغاربة.
 
- لماذا لا تكتب الجمعيات الأمازيغية أدبياتها بتيفيناغ ولا باللاتيني؟
 
- تيفيناغ ومسألة تسجيله في ISO Unicode
 
- هل يحق للأميين في الأمازيغية الإفتاء في حرفها؟
 
- هل الجزائريون أغبياء لأنهم يُدرّسون الأمازيغية بالحرف اللاتيني؟
 
- هل سنضحي بالأمازيغية من أجل تيفيناغ أم العكس؟
 
- هل مقولة "تيفيناغ أصلح حرف للأمازيغية" صحيحة أم خاطئة؟
 
- أصول الأبجديات: من أين جاء تيفيناغ واللاتيني والعربي؟
 
- "الحجة العبرية الإسرائيلية": هل الحالة العبرية تشبه الحالة الأمازيغية حقا؟
 
الشيء العجيب الذي لا مفر من التنبيه إليه في هذه المقدمة هو أن كثيرا من أنصار الأمازيغية وتيفيناغ أصبحوا مؤخرا يتفقون تماما مع الإسلاميين والعروبيين في رفض كتابة وتدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني! عش رجبا تر عجبا!
 
والبعض الآخر أصبح يحاول إعادة كتابة التاريخ عبر محاولة الإيحاء أو الزعم بأن معركة الحرف في 2002 – 2003 "كانت بين تيفيناغ والحرف العربي" وأن "الحركة الأمازيغية انتصرت في هذه المعركة". بينما الحقيقة هي أن المعركة كانت بين الحرف اللاتيني والحرف العربي. فالأكاديميون والحركة الأمازيغية و"بيان مكناس 2002" طالبوا بتدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني، بينما تطفل الإسلاميون على الموضوع وأرادوا إرغام المغاربة على كتابة الأمازيغية رسميا بالحرف العربي. ولم تنتصر الحركة الأمازيغية في معركة الحرف أبدا ولم يؤخذ برأيها فيه إطلاقا. بينما نجح الإسلاميون في حرف القطار عن سكته واستبعاد الحرف اللاتيني الذي يخيفهم ويرعبهم حينما يُستخدَم في كتابة الأمازيغية بالذات. أما تيفيناغ فقد كان خارج المعادلة وخارج معركة الحرف ولم تسانده إلا أقلية جد صغيرة من ناشطي الأمازيغية. ولم يظهر حرف تيفيناغ إلا كـ"حل وسطي مرتجَل" في الدقائق الأخيرة من المعركة، من داخل الإيركام، بشكل فاجأ الحركة الأمازيغية نفسها ثم أسكتها تماما.
 
يجب أن لا يُفهم هذا المقال على أنه تهجم على هواة ومحبي حرف تيفيناغ أو على من يريدون أن يكون تيفيناغ الحرف الوحيد لكتابة الأمازيغية في المغرب في الظرف الحالي وإلى الأبد. فلهم كامل الحق في مساندة الحرف الذي يعجبهم. ولكن أن يقوم بعضهم بترويج ادعاءات لاعلمية وتمرير مغالطات كخرافة "الإجماع الوطني" لتبرير وتسويغ وتسويق ميولاتهم وأهدافهم، أو لإخفاء إخفاقات الحركة الأمازيغية وتخاذل الأكاديميين والمثقفين أمام الإسلاميين، فهذا ما لا يمكن لأي إنسان يعرف اللغة الأمازيغية ويملك ذرة واحدة من الكرامة والمصداقية أن يسكت عنه حينما يتعلق الأمر بشأن عظيم كتدريس الأمازيغية.
 
1) حصيلة "التعليم التجريبي" للأمازيغية بالمغرب:
 
في أواخر 2012 بلغت نسبة المدارس الابتدائية المغربية التي تدرس الأمازيغية 15%. وفي أواخر 2013 تراجعت هذه النسبة إلى 12%، حسب أرقام وزارة التربية الوطنية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (الإيركام IRCAM). هذا يعني أنه حدث تراجع واسع النطاق أو جمود كبير. وقد يعني أن الأرقام كانت خاطئة. أما نسبة التلاميذ الذين يدرسون الأمازيغية حاليا في الإعدادي والثانوي فهي 0%.
 
حينما نتذكر أن الدولة المغربية وعدت الشعب عام 2003 بأن يغطي تدريس الأمازيغية مجموع مدارس المغرب الابتدائية والإعدادية والثانوية بنسبة 100% بحلول عام 2012 فسنعلم أن نسبة فشل هذه الحكومة وسابقتها في تدريس الأمازيغية بلغت 88% في التعليم الابتدائي و100% في التعليم الثانوي.
 
هل تريد وزارة التربية الوطنية أن تتم تغطية التعليم الابتدائي أولا بالأمازيغية قبل أن يتم الانتقال إلى الإعدادي والثانوي؟ إذا كان هذا صحيحا فإن الأمازيغية ربما لن تغطي كل المدارس (بالوتيرة الحالية) إلا ما بعد عام 2040 أو 2050، إلا إذا تم الضغط على الوزارة لإدخال الأمازيغية في الثانوي في العام المقبل أو الذي بعده، دون انتظار تغطية كل المدارس الابتدائية أولا. حيث إنه من المستحسن البدء بإدخال الأمازيغية في السنة الأخيرة من الباكالوريا تنازليا لتغطية أكبر عدد من التلاميذ الذين فاتهم تعلم الأمازيغية في الابتدائي، بالتزامن مع الاتجاه التصاعدي في تدريس الأمازيغية انطلاقا من الابتدائي.
 
ونحن لم نصل بعد إلى طرح السؤال حول متى ستصبح الأمازيغية لغة تدريس تدرس بها العلوم في الابتدائي والثانوي. هل سيتحقق هذا بعد عام 2050 مثلا حسب الوتيرة الحالية؟ وأيضا لم نصل بعد إلى التساؤل حول متى ستصبح الأمازيغية لغة تدريس العلوم في الجامعات ومعاهد البحث. عام 2070؟
 
السمة الغالبة على تعليم الأمازيغية حاليا هي تجريبيته وبدائيته، من حيث تكوينات المعلمين، ومن حيث ضعف توزيع الكتاب، ومن حيث تخطيط (أو غياب تخطيط) طريقة التعميم، دون أن نغفل غياب خطة (أو غياب إرادة) لإدخال الأمازيغية في التعليم الإعدادي والثانوي بشكل متزامن مع التعميم على التعليم الابتدائي.
 
2) ما هي أسباب تعثر تدريس الأمازيغية وتنميتها بالمغرب؟
 
يمكن اختصارها في 5 أسباب:
 
- السبب 1: قلة الموارد المالية والبشرية المخصصة لتكوين الأساتذة والمعلمين وتكوين المكوِّنين. وهي أمور تعتمد على رحمة الدولة ومزاجها ودرجة ضغط المجتمع المدني عليها. وهناك أيضا مشكل محدودية ميزانية الدولة ووجود مشاكل التعليم الضخمة والمتشعبة الأخرى.
 
- السبب 2: الضعف العام الذي يغمر الحركة الأمازيغية وغيابها التام عن المعترك السياسي، وإحجامها اللامفهوم عن تشكيل أحزاب سياسية. وقد أدى اتكالها على الأحزاب الموجودة إلى إهمال الحكومة والدولة لمشروع تدريس وتنمية الأمازيغية. وحَلُّ هذا المشكل هو تأسيس أحزاب سياسية بمرجعية أمازيغية على غرار الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية.
 
- السبب 3: الأمازيغية ليست لوحدها في المغرب، بل هناك منافسة من لغات أخرى في المغرب تطالب هي الأخرى بالعناية والرعاية والتمويل في التعليم والإعلام والفنون وهي العربية والفرنسية (وهما لغتان رسميتان للمغرب منذ 1912) والدارجة وتدخل ضمنها الحسانية. أي أن الأفواه عديدة والطعام قليل. وزد على ذلك أن الديموقراطية غائبة عن الدولة المغربية إلى أجل غير مسمى. إذن فاللغة الأمازيغية ستقتسم (نظريا) الرعاية والتمويل مع 3 لغات أخرى. أما على المستوى العملي فالأمازيغية تحصل على أقل بكثير من حصتها النظرية في التعليم والإعلام والفنون...إلخ.
 
- السبب 4: استخدام حرف تيفيناغ وحده، وحرمان الأمازيغية من التدريس بالحرف اللاتيني الذي يضمن لها الانتشار السريع في أوساط الطلبة والشباب المغاربة. وقد تبدو قضية الحرف تافهة وغير ذات أهمية لمن لا يملك دراية بالموضوع ولكنها في الحقيقة ذات أبعاد تقنية واستراتيجية هائلة.
 
السبب 5: اقتصار تعليم الأمازيغية على المستوى الابتدائي، بسبب تيفيناغ أساسا. لقد أصبح التدريس بتيفيناغ مسوغا ومبررا قويا لـ"إعفاء" تلاميذ الثانوي والإعدادي والجامعات من تعلم مادة اللغة الأمازيغية الآن وللسنوات والعقود المقبلة (لأنهم لا يعرفون تيفيناغ). إذن فالدولة ستبرر دائما "ضرورة تغطية المستوى الابتدائي أولا" وهذا سيتطلب 20 سنة في أحسن الأحوال، حسب الوتيرة الحالية. إذن، الأمازيغية باقية في المستوى الابتدائي "غير بالشوية عليها وبالتيسير".
 
مازالت بعض الأحزاب والأوساط الإسلامية والعروبية تتدخل في قضية الحرف لتحقيق حلمها القديم في أسلمة الأمازيغية وتعريبها وقص أجنحتها لمنعها من "الطيران" وتحويلها إلى كائن زاحف. تحقيق حلم كتابة وتدريس الأمازيغية بالحرف العربي رسميا في المغرب هو طبعا من رابع المستحيلات. ولكن ما نجح فيه الإسلاميون والعروبيون لحد الآن هو تسييس النقاش وإفساده ثم الدفع (بدون قصد منهم) إلى تبني حرف تيفيناغ كحل وسطي سياسي لاعِلْمِيّ "ينهي الجدل مؤقتا" دون حل المشكل الحقيقي الذي هو مشكل تقني وليس سياسيا.
 
الإيركام تبنى تيفيناغ عام 2003 كَحَلٍّ سياسي وسط، بسبب ضغوط الإسلاميين والعروبيين. ولولا تدخلهم لكانت الأمازيغية الآن تُدَرَّس بالمغرب بالحرف اللاتيني (مثل الجزائر) بجانب تدريس تيفيناغ كحرف تراثي رمزي لكل التلاميذ، ولكان الملف قد طوي نهائيا. ولكن قضية الحرف ستستمر في الرجوع لأن تيفيناغ لم يحل المشكل ولأنه لم ينجح ولا يبدو أنه سينجح في انتشال الأمازيغية من حالة الضعف والانكماش والتآكل الديموغرافي. فيستغل بعض الإسلاميين والعروبيين هذا المشكل كنافذة لمحاولة فرض الحرف العربي على الأمازيغية من جديد. أما لو تم تبني الحرف اللاتيني وفق التوصيات الرسمية للسانيين المغاربة المتخصصين في الأمازيغية عام 2002 ووفق مطالب "بيان مكناس" عام 2002 لكان تعميم تدريس الأمازيغية (المُيَسَّر بالحرف اللاتيني) أحسن نسبيا من الوضع الحالي، ولكان ذلك سيُسكت الإسلاميين والعروبيين (المعارضين لكتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني) نهائيا، مثلما أن نجاح تدريس الفرنسية والتهافت الهستيري للمغاربة عليها قد أسكت كل منتقدي هيمنتها الساحقة على المغرب.
 
الشيء الكوميدي في محاولة العديد من الإسلاميين والعروبيين فرض الحرف العربي على الأمازيغية هو أنهم لا ينتبهون إلى أن كتابة الأمازيغية بالحرف العربي ستشكل منافسة ومزاحمة شديدة للعربية لم يضعوها أبدا في حساباتهم، وهي نفس المزاحمة التي يخافونها خوفا عظيما حينما يتعلق الأمر بكتابة الدارجة بالحرف العربي. ما يهمنا (حينما يتعلق الأمر بالأمازيغية) هي مصلحة الأمازيغية أولا وأخيرا. ويجب على محبي العربية والحرف العربي أن يركزوا اهتمامهم وجهودهم على ما سينفع العربية وليس على ما سيقتل الأمازيغية.
 
3) علاقة مسألة الحرف بالترسيم الفعلي و"القانون التنظيمي للأمازيغية"
 
مسألة ترسيم الأمازيغية قانونيا (فعليا وليس ورمزيا) سوف تثبت للجميع مقدار "التأجيلية" و"الانتظارية" الذي سيتسبب فيه حرف تيفيناغ للأمازيغية. فإدخال الأمازيغية التيفيناغية في دواليب الإدارة (بشكل حقيقي لا رمزي) سيتطلب تكوين وتأهيل عشرات الآلاف من الموظفين ليتقنوا الأمازيغية بحرف تيفيناغ إتقانا تاما، وسيتطلب ترجمة القوانين إلى الأمازيغية بتيفيناغ، وإعداد آلاف الوثائق الإدارية الرسمية بتيفيناغ، وأنظمة حاسوبية مترجمة إلى الأمازيغية بحرف تيفيناغ...إلخ، وكل هذا يتطلب مدارس تكوينية لتكوين جيل جديد من الموظفين على مدى عقود طويلة. وهذا يعني أن الدولة والسياسيين سيبررون مرة أخرى الانتظارية والتأجيل حتى يكبر جيل التعليم الابتدائي الحالي (12% من تلاميذ الابتدائي) ليدخلوا الجامعات ومراكز التكوين. لاحظوا أنه سيتم القفز أتوماتيكيا على جيل الشباب الحالي الممنوع من تعلم الأمازيغية في الإعداديات والثانويات.
 
وإذا كانت الدولة قد فشلت فشلا ذريعا في مشروع تكوين المعلمين وتدريس الأمازيغية بحرف تيفيناغ في المدارس الابتدائية (وهي عملية بسيطة نسبيا) فكيف تتوقعون من الدولة إدماج الأمازيغية كلغة رسمية حقيقية في وقت قصير في دواليب جهازها البيروقراطي الديناصوري؟! مستحيل. إنها نكتة سخيفة.
 
إذن، كل ما يمكن أن تقدمه الدولة للأمازيغية بتيفيناغ حاليا وفي المستقبل القريب والمتوسط هو كتابتها على أبواب الإدارات وعلى النقود وطوابع البريد و"لاكارط" والباسبورت. رمزيات وقشور سيعتبرها السذج من هواة تيفيناغ "إنجازات عظيمة". أما الترسيم الحقيقي فهو متعذر لأن الأساس المعرفي غائب. الأمازيغية غائبة عن التعليم الإعدادي والثانوي والجامعي (كمادة إجبارية) إلى أجل غير مسمى وغارقة في التعليم الابتدائي، ومحجوبة عن شباب اليوم الذين سيدبرون أمور المغرب غدا.
 
البديل اللاتيني لتيفيناغ ليس بديلا سحريا ولكنه أفضل وأسرع أضعافا مضاعفة. ما يمكن إنجازه للأمازيغية باستعمال تيفيناغ في ظرف 50 سنة يمكن إنجازه باستعمال الحرف اللاتيني في ظرف 10 أو 20 سنة. بعبارة أخرى، الأمازيغية ستربح جيلا مغربيا بأكمله باستعمال الحرف اللاتيني، وستخسر هذا الجيل إن بقيت جالسة في قاعة الانتظار التيفيناغية.
 
4) قضية الحرف: قضية بسيطة بأبعاد هائلة
 
قضية الحرف تتعلق بالوعي بالكلمة. حينما يكون المغربي الشاب المتوسط (ذو الـ25 سنة مثلا) قادرا على قراءة الكلمة الأمازيغية المكتوبة أمامه فهو سيكون قادرا على التعامل بها والتواصل بها وتذكرها. أما إذا كانت تلك الكلمة الأمازيغية طلاسم (بالنسبة له) مكتوبة بتيفيناغ، الذي يجهله حوالي 95% من المغاربة المتعلمين، فهو لن يكترث بها رغم نيته الحسنة وسينصرف إلى كلمة مكتوبة بحرف يعرفه جيدا: الحرف اللاتيني أو الحرف العربي. معظم الطلبة والشباب مشغولون بالحروف التي يعرفونها ولا وقت لديهم لتعلم واستخدام تيفيناغ، خصوصا أنه لا يمنح فرصا للعمل للجيش العرمرم من المعطلين الذين مروا بالثانوية أو بالجامعة.
 
الحرف اللاتيني معروف ومستخدم لدى كل المغاربة الذين مروا بالمدرسة. والحرف اللاتيني المعدل على مقاس الأمازيغية بسيط ولا يتطلب البدء من الصفر، ولا يحتاج الدارس إلا إلى تعديلٍ جزئي لطريقة استخدامه مع الأمازيغية. وهو نفس الجهد الذي سيبذله مغربي يعرف الحرف اللاتيني حينما يحاول تعلم الإيطالية مثلا، حيث سيتعلم أن حرف C الإيطالي مختلف عن حرف C الفرنسي. إذ أن C الإيطالي ينطق (تش) في الحالات ...ce... و...ci... وينطق (كـ) في الحالات ...ch... و...ca... و...co... و...cu... وغيرها. ومن يريد أن يتعلم الإسبانية سيتعلم أن J الإسباني ينطق (خ)، بخلاف J الإنجليزي الذي ينطق (دج)، وJ الفرنسي الذي ينطق (ج)، وJ الألماني الهولندي الاسكندينافي الذي ينطق (ي).
 
ونفس ذلك المغربي حينما يتعلم الأمازيغية المكتوبة بالحرف اللاتيني سيتعلم أن حرف C الأمازيغي ينطق دائما (ش) دون أي تغيير، وأن حرف Č الأمازيغي ينطق دائما (تش)، وأن G الأمازيغي ينطق دائما (گ)، وأن Ǧ الأمازيغي ينطق دائما (دج)، وأن J الأمازيغي ينطق دائما (ج)، وأن Ḍ الأمازيغي ينطق دائما (ض)، وأن D الأمازيغي ينطق (د / ذ)، وأن X اللاتيني الأمازيغي ينطق دائما (خ)، وأن الحرف Ẓ الأمازيغي هو زاي غليظة مفخمة، وأن Ḥ الأمازيغي هو (ح). وسيتعرف الدارس المغربي على حرفين أمازيغيين لاتينيين اثنين فقط، جديدين عليه، وهما: الحرف Ɣ (غ) والحرف Ɛ (ع).
 
5) حرف تيفيناغ سهل! ويمكن تعلمه في ساعة واحدة!
 
يكثر أنصار تيفيناغ المعارضون للحرف اللاتيني من ترديد العبارة العامية المعروفة: "حرف تيفيناغ سهل يمكن تعلمه في ساعة واحدة!". وهذا صحيح طبعا. فأي إنسان هو قادر على أن يتذكر 33 أو 40 رمزا أو حرفا جديدا بسهولة. والحروف الروسية أو العبرية أو اليونانية هي أيضا سهلة جدا ويمكن تعلمها (حرفا حرفا) في ساعة واحدة أيضا. ولكن الصعوبة الحقيقية تكمن في التعود على نصوص تيفيناغ (أو أي حرف آخر جديد على المتعلم) وتعلم القراءة والكتابة المكثفة والإنتاج والاشتغال بالحروف الجديدة، وهذا يتطلب سنوات من التلميذ الطفل أو الشاب المتوسط، وفقط إذا توفرت لديه الإرادة والحوافز المادية أو المعنوية والتعليم الإجباري والظروف المناسبة.
 
الحرف اللاتيني لا يحتاج إلى عمليات "محو الأمية الحرفية" لطلبة الإعدادي والثانوي والجامعات لأن الأساس جاهز وموجود لديهم سلفا. يكفي أن يتم إعداد الكتب المدرسية الأمازيغية به وتدريس الأمازيغية بها الآن للجميع فورا. إذن فهي مسألة وعي. حينما يدرك ويستوعب المهتمون بالأمازيغية الفرصةَ الاستراتيجية التي يوفرها الحرف اللاتيني للأمازيغية والمتمثلة في قفزة كبرى إلى الأمام، حينئذ سيتبنونه ويطالبون به تلقائيا سواء رضيت الدولة واللوبيات والأحزاب السياسية أم لم ترض.
 
6) القضية محسومة! صافي!
 
"قضية الحرف محسومة! صافي فضّينا! الإجماع الوطني!". يشبه هذا "الكلام السلطوي" ما تقوله الدولة حول أن الدستور الحالي هو "قمة الحرية والديموقراطية والتقدم" وأنه "صافي سالينا!" وأنه لا يوجد ما بعده وأنه هو الأخير. ولكن كلنا يعلم أن هذا غير صحيح وأن الدستور المغربي ما زال يحتاج إلى مئات التعديلات والتغييرات الجوهرية.
 
الإجماع الوطني (بل "الإجماع الحزبي" وهو المقصود فعليا) لا معنى له في مسألة الحرف. لأن من يجهل تيفيناغ لا يستطيع منطقيا أن "يُجْمِعَ عليه"! (يشبه الأمر أميا يوقع وثيقة بالبصمة ولا يعرف مضمونها). وزعماء الأحزاب السياسية لا يعرفون قراءة ولا كتابة الأمازيغية بأي حرف كان، وفوق ذلك لا يعرفون تيفيناغ بتاتا. فكيف يحق لهم أن يتدخلوا في هذا الأمر؟! ثم إن من يعادي ويعارض الأمازيغية لا يؤتمن عليها ولا يحق له أن يكون طرفا في أي إجماع أو قرار حول مصيرها.
 
الإجماع حول الحرف يكون بين اللغويين المتخصصين والعارفين بكتابة الأمازيغية. وهذا ما حدث فعلا عام 2002 حينما أجمع اللسانيون المغاربة داخل لجنة وزارية على كتابة وتدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني ومن بينهم الدكتور أحمد بوكوس العميد الحالي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. إلا أن تسييس قضية الحرف من طرف الإسلاميين والعروبيين هو ما أجبر المعهد الملكي على التراجع أمام ضغوطهم وأمام تهديدات بعض الإسلاميين بالنزول إلى الشارع في حالة ما إذا تم اختيار الحرف اللاتيني رسميا لكتابة وتدريس الأمازيغية.
 
إن المكانة الرمزية لتيفيناغ ليست مهددة من طرف من يفضل تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني. ولا يوجد شخص محترم يقول بأن هناك "عيبا خِلقيا" أو قبحا في تيفيناغ، وإنما المشكل هو أنه مجهول لدى الغالبية وسيتطلب 50 سنة أو أكثر لكي يبلغ مستوى انتشار الحرفين العربي واللاتيني بالمغرب اليوم (وهو انتشار مازال ناقصا في صفوف الأميين رغم دعم الدولة اللامشروط لهذين الحرفين). وبدل إنفاق الجهد والطاقة على نشر وتطوير الأمازيغية نفسها كلغة أصبح الجهد والطاقة يُنفَقان على نشر تيفيناغ. والمشكل الآخر هو أن الكثيرين يحملون تيفيناغ ما لا طاقة له به، ويريدون للأمازيغية أن تقلع وتحلق عاليا على ظهره. وهو أمر متعذر حاليا بالنظر إلى الظروف اللغوية بالمغرب المتسمة بسيطرة الفرنسية والعربية والدارجة وسيطرة الحرفين اللاتيني والعربي وضعف انتشار تيفيناغ على الميدان وفي العقول.
 
7) الحرف من زاوية الأميين ومن زاوية المتعلمين:
 
ينطلق أنصار تيفيناغ الرافضون للحرف اللاتيني من مسألة رمزية تيفيناغ ومظهره البصري ويجعلونها مرتكزا أساسيا لموقفهم، ولكنهم لا ينتبهون إلى أن الكتابة بتيفيناغ لجمهور لا تعرف أغلبيته الساحقة القراءة بتيفيناغ هو مجرد "تسجيل موقف" يفرغ الكتابة من وظيفتها التي اخترعت من أجلها وهي: الإفهام والإفصاح والتبيان، ويحولها إلى ديكور أو إلى موقف سياسي أو أدبي شكلي. وينطلق كثير من المدافعين عن الأمازيغية من منطلق تفكير عامي ساذج لا يتقبل مثلا الكلمة الأمازيغية Tilelli ولا تملأ عينه إلا إذا كُتِبَت بحرف تيفيناغ: ⵜⵉⵍⴻⵍⵍⵉ. إنه منطق تفكير "شكلاني" يدور حول الشكل ويمنح له الأولوية على حساب المضمون والمنفعة الوظيفية الآنية.
 
هناك نوعان من الجمهور اللذان تُوجَّه لهما لغة مكتوبة لأول مرة في المجال العمومي:
 
- جمهور الأميين كتابيا الذين لا يستطيعون قراءة حروف تلك اللغة (رغم أنهم قد يتقنون حروفا ولغات أخرى). ومع انعدام القدرة على القراءة تنعدم القدرة على الفهم وتنعدم لديهم القدرة على استعمال تلك اللغة.
 
- جمهور المتعلمين الذين يستطيعون قراءة الحرف بشكل لا بأس به ولا ينقصهم إلا الفهم. وهم أقدر على الفهم وأقرب إليه، وأقدر على استعمال تلك اللغة إيجابيا وتخطي مرحلة التلقي السلبي.
 
فأنا مثلا أمّيّ في الحرف الروسي (السيريلي) لا أقرأه. وأعلم علم اليقين أنني لن أستطيع معرفة وفهم ما تقوله عبارة روسية مكتوبة بالحرف الروسي. وحينما أرى الحرف الروسي على التلفزة أو مكتوبا على جدار أو لوحة لن أبذل أي مجهود في تبين كلماته ومحاولة قراءته وسأتخطاه مباشرة إلى عبارة مكتوبة بحرف أعرفه جيدا. فأنا أعفي نفسي أتوماتيكيا من بذل أي مجهود في قراءة الكلمة الروسية ولن أتذكرها أبدا ولن أتعلمها أبدا. وهذا ما ينطبق بالضبط على المواطن المغربي الشاب المتوسط. فهو (رغم موقفه الإيجابي من الأمازيغية بأي حرف كتبت به) لن يبذل أي مجهود في محاولة قراءة تيفيناغ الذي لا يعرفه، وسينصرف مباشرة إلى قراءة الترجمة العربية أو الفرنسية لأنه يعرف حروفهما، ثم يقضي حاجته وغرضه وينصرف إلى حال سبيله.
 
لنتصور مثلا أن مواطنا شابا متعلما مر من أمام مقر بلدية مدينة الرباط فوجد أمامه اللوحة التالية بثلاث لغات:
 
ⵜⴰⵖⵉⵡⴰⵏⵜ ⵏ ⵉⵖⵕⴻⵎ ⴻⵕⵕⴱⴰⵟ
 
بلدية مدينة الرباط
 
Municipalité de la ville de Rabat
 
ولنفترض أن هذا المواطن لا يستطيع قراءة تيفيناغ، كالغالبية الساحقة من المغاربة، بصرف النظر عن كونه ناطقا أو غير ناطق بالأمازيغية. هل سيستفيد أو يتعلم شيئا من تلك الكتابة الأمازيغية بتيفيناغ؟ لا طبعا. فهو قد يعجب بشكلها الجديد والجميل ولكن القصة ستنتهي هناك في غالب الأحيان، لأنه سيقرأ العبارة العربية أو الفرنسية "قافزا" فوق العبارة الأمازيغية المكتوبة بتيفيناغ. إذن لِمن كُتِبت تلك العبارة الأمازيغية؟ لبضعة آلاف من الأطفال في الرباط؟ لرجال المستقبل بعد 50 سنة من الآن؟ ما منفعتها حاليا؟ ما قيمتها التواصلية حاليا؟ ما قيمتها الوظيفية حاليا؟
 
ولكن إذا وجد ذلك المواطن نفس اللوحة أمامه على هذا الشكل:
 
Taɣiwant n iɣṛem n Eṛṛbaṭ
 
بلدية مدينة الرباط
 
Municipalité de la ville de Rabat
 
فهو سيكون مجبرا لاشعوريا وأتوماتيكيا على قراءة النص الأمازيغي لأن معرفته بالحرف اللاتيني ترغمه على ذلك. ولن يستطيع تجاهله ولو حاول. وقد يتساءل لبضع ثوان عن تلك العبارة بالحرف اللاتيني: هل هي إنجليزية أم ألمانية؟... ولكنه سيستنتج غالبا أنها أمازيغية. وقد يتمكن من أن يستنتج منطقيا أن كلمة Taɣiwant الأمازيغية تعني "بلدية" وأن كلمة iɣṛem تعني "مدينة". وأما إذا كان ذلك المواطن من الناطقين بالأمازيغية أو يتقنها أصلا فالغرض من اللوحة قد تم ونجح نجاحا كاملا لأنه سيكون قد قرأ وفهم فورا تلك العبارة. وستكون سنوات تعليمه الطويلة ذات نفع اليوم لأنها مكنته من قراءة العبارة الأمازيغية بالحرف اللاتيني الذي تعلمه في المدرسة. وهذه هي الحالة الطبيعية في كل بلدان العالم. فحكومات العالم تخاطب مواطنيها بالحروف التي يعرفونها ويتقنونها وليس بالحروف التي لا يعرفونها ولا يتقنونها.
 
هكذا تنتشر وتتطور اللغة في الوسط الشعبي: بسهولة القراءة وكثرة الممارسة. اللوحات العمومية المتعددة اللغات هي في الحقيقة قواميس مترجمة منتصبة في الشوارع. وكثير من المغاربة يتعلمون مئات الكلمات الفرنسية المكتوبة على لوحات الشوارع والإدارات وعلى الوثائق الإدارية وعبر برامج التلفزة أكثر مما تعلموه في المدرسة، وهذا بفضل نظام "المقابلة المعجمية" (عربي فرنسي) الذي يملك فعالية كبيرة في ترويج الكلمات في الوسط الشعبي ورفع الوعي بها واستخدامها. وتحرص التلفزات المغربية على نهج الازدواجية اللغوية العربية الفرنسية، فنجد مثلا:
 
- الأخبار Infos (بالأمازيغية: Ineɣmisen أو Isallen)
 
- الرياضة Sport (بالأمازيغية: Addal)
 
- الإشهار Publicité (بالأمازيغية: Asussen)
 
- المسلسل Série (بالأمازيغية: Aseddi)
 
- الفيلم Film (بالأمازيغية Asaru أو Aɣṛaw)
 
وفي شوارع المدن المغربية نجد مثلا:
 
- الزنقة Rue أو Ruelle (بالأمازيغية: Tasukt)
 
- الشارع Rue أو Avenue (بالأمازيغية: Aɣlad أو Asuk)
 
- الشارع الكبير (الجادّة) Boulevard (بالأمازيغية: Azeglal)
 
- الطريق Route (بالأمازيغية: Abrid أو Aɣaras)
 
- الطريق السريعة Autoroute (بالأمازيغية: Afessabrid)
 
- الحي / الحومة Quartier (بالأمازيغية: Tuddurt أو Adur)
 
- الساحة Place (بالأمازيغية: Asarag أو Asayes)
 
- المستشفى Hôpital (بالأمازيغية: Asganfu)
 
من أجل تنشيط اللغة الأمازيغية شعبيا ومجتمعيا يجب إدخالها أيضا في هذه "المقابلة المعجمية" في التلفزة والشارع والإدارة بالحرف اللاتيني لكي يتمكن الشباب المغاربة المتعلمون من قراءتها وتعلم كلماتها ثم استخدامها لاحقا كما يفعلون مع الفرنسية بالضبط. أما تيفيناغ فيلعب فقط دور الديكور لأن الغالبية الساحقة من الشباب المغاربة لا يقرأونه بل يتجاهلونه عمليا (رغم أن موقفهم منه قد يكون إيجابيا) وبالتالي فإن تيفيناغ حرف مُحَيَّد Neutralized في المجتمع. موجود ولكنه لا يضر ولا ينفع.
 
استخدام الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية لن يتسبب في خلط الأمازيغية مع اللغة الفرنسية أو الإنجليزية كما قد يخيل للبعض، بل هو يجبر المتعلمين إجبارا على قراءة النص الأمازيغي (اللاتيني) وخزنه في ذاكراتهم، حتى لو لم يفهموه إطلاقا في المرة الأولى. فالخطوة الأولى نحو الفهم والتعلم والتذكر هي سهولة القراءة. أما حرف تيفيناغ فهو يعفيهم من بذل المجهود ويسهل عليهم التهرب من القراءة و"التنقاز ديال السطر".
 
8) تيفيناغ رهان على الأطفال فقط والحرف اللاتيني رهان على أطفال وشباب اليوم معاً
 
يحاول الذين يساندون تيفيناغ وحده ويعارضون تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني إظهار تيفيناغ على أنه "مشكلة الكبار فقط"، بينما الشباب (15 سنة – 49 سنة) يشكلون نسبة 55% من مجموع سكان المغرب حسب أرقام مندوبية السامية للتخطيط. هذه العقلية السلبية الانهزامية هي التي تفوت على هذا العدد الهائل من المغاربة النشيطين ذهنيا ومهنيا واقتصاديا ومدرسيا وأكاديميا فرصة التعرف على الأمازيغية كتابيا والاحتكاك بها عمليا في الحياة اليومية، وتُعامِلُهم كأميين "ميئوس منهم" رغم أنهم متعلمون وقادرون على تقديم خدمات جليلة للأمازيغية، حتى لو لم يكونوا ناطقين بها كلغة أم.
 
بما أن الأمازيغية تدرس بالمغرب في جزء ضئيل من مدارس الابتدائي منذ 10 سنوات فإن الأغلبية الساحقة من المغاربة الذين يبلغ عمرهم الآن حوالي 16 سنة أو أكثر قليلا لم ولن يدرسوا الأمازيغية في المدرسة والجامعة أبدا ولن تتاح لهم الفرصة لقراءة الكتب الأمازيغية المطبوعة لأنهم لم يتعلموا تيفيناغ في صغرهم. إذن قضية الحرف ليست قضية الكهول والمسنين وإنما هي قضية الأطفال وشباب اليوم. اقتصار تعليم الأمازيغية على الابتدائي (بسبب تيفيناغ أساسا) يفوت فرصة تعلم الأمازيغية في الإعدادي والثانوي على معظم التلاميذ المغاربة الذين يبلغ عمرهم الآن 12 سنة أو أكثر، لأن 100% من المدارس الإعدادية والثانوية لا تدرس الأمازيغية إطلاقا، ولأن 88% من أطفال التعليم الابتدائي بالمغرب لا يدرسونها لحد الآن.
 
أما المشاهدون المغاربة لبرامج قناة ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ Tamaziɣt فإنهم أيضا خارج تغطية تيفيناغ لأنهم في أغلبيتهم الساحقة لا يستطيعون قراءة تيفيناغ على التلفزة فيضطرون إلى قراءة الترجمة العربية وحدها وكأنهم يشاهدون قناة عربية. ومرة أخرى: تيفيناغ مجرد ديكور تلفزي لا يقدم ولا يؤخر. لمن يُكتب؟ هل لنسبة الـ5% أو 10% من المغاربة القادرين على تهجي حروف تيفيناغ؟! ماذا عن الـ90% أو الـ95% من المغاربة المتعلمين والذين لا يستطيعون قراءة تيفيناغ على التلفزة؟ هل يستحقون أن يهمَّشوا في سبيل تيفيناغ والحفاظ على صورة تيفيناغ و"التوافق السياسي حول تيفيناغ"؟ ألا يحق لهم أن يحصلوا على خدمة القناة الأمازيغية الإخبارية والتثقيفية والترفيهية بالحرف اللاتيني الذي يقرأونه بشكل أفضل والذي أوصى به المتخصصون في الأمازيغية عام 2002؟ ألم يكن الغرض من المطالبة بالقناة التلفزية الأمازيغية هو تقريب الإعلام والمعلومة من المواطن (الناطق بالأمازيغية) بلغته الأم شفويا وكتابيا، بدل مخاطبته بلغات غريبة عنه كالعربية والفرنسية والدارجة؟ أليست مخاطبة المواطن بلغة أمازيغية مكتوبة بحرف لا يقرأه أسوأ من مخاطبته بلغة أجنبية يعرفها ومكتوبة بحرف يعرفه جيدا؟
 
بدل أن تأتي النجدة من الإعلام والمدرسة أصبح استخدام تيفيناغ في الإعلام والتعليم الابتدائي يلعب دور عازل ومفرمل "بيروقراطي" يحجب الشباب عن التفاعل مع الأمازيغية المكتوبة ويُصَعِّبُها عليهم. ورغم إصدار الإيركام لقواميس أمازيغية جيدة بحرف تيفيناغ فإن لا أحد يقرأها سوى بعض الهواة والمهتمين القلائل.
 
مَهْما اجتهد واضعو القواميس والكتب المدرسية الأمازيغية بتيفيناغ في تجويد طباعتها ومحتواها ومَهْما اجتهد القائمون على قناة Tamaziɣt في تجويد البرامج شكلا وديكورا ومضمونا (التأثير الإيجابي الوحيد للقناة هو تنشيط الأمازيغية شفويا) فإنه على المستوى الكتابي يبقى تيفيناغ حاجزا صلدا منيعا أمام الغالبية العظمى يصد الأمازيغية عنهم ويمنعهم من تطوير معرفة كتابية عملية بها (وأركز هنا على "المعرفة العملية" Working knowledge لأنها الأساس في جعل اللغة نشيطة ومبدعة). فيصبح الأمر شبيها بصب ماء بارد ثمين على رمال الصحراء في قمة القيظ والحر. هذه الظروف كلها تشكل "خليطا قاتلا" Deadly mix من المؤثرات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والتعليمية السلبية تتداخل وتتحالف لإضعاف الأمازيغية في عمقها الشعبي وفرملة تطورها الكتابي وحجبها عن الشباب وتسريع تآكلها الديموغرافي.
 
المراهنون على التدريس بحرف تيفيناغ يهملون في حساباتهم شباب الإعدادي والثانوي والجامعات وبقية الشباب المتعلم النشيط ويراهنون فقط على الأطفال على المدى الطويل، وهو رهان خاسر في عمقه بالنظر إلى السرعة السلحفاتية لانتشار تيفيناغ (والأمازيغية المكتوبة به)، والتناقص المستمر لأعداد الناطقين بالأمازيغية لصالح الناطقين بالدارجة، والتعريب والفرنسة المتواصلين للمغاربة 24/24 ساعة.
 
أما اختيار الحرف اللاتيني للأمازيغية فهو رهان آمن ورابح على الأطفال وشباب اليوم معا على المدى القصير والطويل. تسريع انتشار الأمازيغية في أوساط الشباب بالحرف اللاتيني سيفرمل إلى حد كبير التآكل الديموغرافي للأمازيغية في أوساط شباب المدن وسيفرمل التعريب والفرنسة. وهنا تأتي ضرورة إدخال الأمازيغية بالحرف اللاتيني في الثانوي ثم الإعدادي، في اتجاه تنازلي، والبدء في تحويل كتب الأمازيغية في الابتدائي من تيفيناغ إلى الحرف اللاتيني، وهي عملية ليس بالصعبة على الإطلاق، مع الاحتفاظ بتدريس حرف تيفيناغ للتلاميذ كحرف تراثي رمزي.
 
9) خلاصات جوهرية:
 
- تيفيناغ يُستخدَم كـ"مبرر ضمني" لتأجيل تدريس مادة الأمازيغية في الإعدادي والثانوي والجامعات.
 
- تدرَّس الإنجليزية والألمانية والإسبانية والإيطالية في الثانوي والجامعات بسهولة أكبر للطلبة المغاربة لأنهم يعرفون الحرف اللاتيني مسبقا.
 
- 88% من تلاميذ الابتدائي و100% من طلبة الإعدادي والثانوي لا يدرسون الأمازيغية.
 
- حوالي 95% من المغاربة المتعلمين لا يستطيعون القراءة بتيفيناغ.
 
- 100% من الشباب المغاربة المتعلمين قادرون على تعلم الأمازيغية بالحرف اللاتيني بسرعة.
 
- التدريس بتيفيناغ رهان على جيل الأطفال فقط. رهان خطير ومكلف وطويل الأمد.
 
- التدريس بالحرف اللاتيني رهان على الأطفال وشباب اليوم معا. رهان آمِن وقصير المدة.
 
- تدريس ونشر الأمازيغية بالحرف اللاتيني أكثر فعالية ومردودية.
 
- تغيير حرف الكتابة في الكتب المدرسية من تيفيناغ إلى اللاتيني في المتناول، تكنولوجياً وتكوينياً.
 
- حرف الكتابة له تأثير مباشر على تحديات الترسيم المستقبلي للأمازيغية، وعلى سرعة إنجازه.
 
- تدريس الأمازيغية بالحرف اللاتيني لا يعني استبعاد أو إلغاء تيفيناغ من المجال الرمزي والفني.
 
- الأمازيغية أكبر من تيفيناغ. الأمازيغية أقدم من تيفيناغ. الأمازيغية أهم من تيفيناغ.
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

التعليقات   

 
0 #3 Arhazaf Mohammed 2014-09-12 08:07
يا أخي انكم تسرعتم في قراءة التعليق فأخطأتم الفهم .لقد انتقدت خطة الوزارة في ظل النظام القديم ولم أقل ان حاملي الباكلوريا الذين لهم رصيد لغوي أمازيغي بامكانهم أن يدرسوا(بتشديد الراء) هذه اللغة وآدابها في الجامعات(لاحظوا كيف أن عدم شكل اللغة أوقعكم في فهم خاطئ)بل قلت أن يدرسوها من أجل الحصول على الإجازة أو شهادة السنة الثانية الجامعية وذلك من أجل ولوج المدارس المهنية للتعليم أما في ظل النظام الحالي فما يتطلبه الأمر واضح وهو تدارك غاية التعميم في أسرع وقت ممكن وذلك بتكوين العدد الكافي من المدرسين المتخصصين في الأمازيغية لتغطية كافة التراب الوطني.وأما عن الحرف الأنسب فتصوروا معي تلميذا صغيرا تعود على قراءة (c)ك (s)في حصة الفرنسية فاذا به يقرأها ك(شين)في حصة الأمازيغية ألن يخلق له ذلك بلبلة؟ هذا دون أن أعطي أمثلة أخرى عن الحروف المفخمة التي تكتب بطرق مختلفة خذ مثلا الضاد أو ⴹ البعض يكتبه d بنقطة أسفله الآخر dv والآخر de مع نقطتين فوق e.ألا يجعل هذا كل تلميذ مضطربا حتى ولو كبرعندما يواجه كتبا أمازيغية بحروف لاتينية غير متفق عليها وقد يجد في الكلمة أشكالا هندسية تعوق قراءته ؟
اقتباس
 
 
0 #2 إلى Arhazaf 2014-09-11 14:27
للأسف يا أخي Arhazaf Mohammed أنت لم تفهم مضمون المقال. اقتراحك أن يقوم متخرجو الباكالوريا بتدريس الأمازيغية في الجامعة مستحيل لأن التدريس في الجامعة يتطلب درجة الدكتوراه في ميدان اللغة المعنية سواء كانت أمازيغية أو غيرها. البلبلة التي تتحدث عنها لا وجود لها إلا في خيالك. الجزائر تدرس اللغة الأمازيغية في الابتدائي والإعدادي والثانوي منذ 1996 وإلى حد هذه اللحظة ولم نسمع يوما عن "بلبلة" في الجزائر. الحرف اللاتيني هو الحل يا أخي. الأمازيغية ستنجح في المغرب باستعمال الحرف اللاتيني. Tanemmirt
اقتباس
 
 
0 #1 Arhazaf Mohammed 2014-09-07 12:03
تحية للأ ستاذ على مقاله الهام رغم أنني لا أتفق معه في اعادة طرح مسألة الحرف.لان اللغة الأمازيغية هي أيضا حامل من حوامل الثقافة والحضارة ومن مظاهر الحضارة اختراع الحرف .لذا لا يمكن الفصل بين اللغة وحرفها الأصلي لأنه هو الأنسب للتعبير عن خصوصيتها.اذا لم يعمم تدريس اللغة الأمازيغية خلال العشرية السابقة كما تم الوعد بذلك فذلك راجع الى خطة الوزارة المعنية.كان ينبغي أن يتم البحث بين الحاصلين على الباكلوريا عن من لهم رصيد لغوي أمازيغي من أجل أن يدرسوا اللغة الأمازيغية وأدابها في الجامعات على أن تفتح مراكز تكوين المعلمين في زمن النظام القديم في وجه الحاصلين على دبلوم السنة الثانية والمراكز الجهوية التربوية في وجه الحاصلين على الإجازة وكذلك المدارس العليا للإساتذة طبعا بعد معرفة العدد الكافي لتعميم تدريس الأمازيغية في المرحلة الإبتدائية ويتم الأمر بالتدرج من أجل تعميمها على المستويين الإعدادي والتأهيلي.لكن للأسف لم يحصل هذا.ان اعتماد تفناغ سيجنب التلميذ بلبلة واضطرابا سيخلقهما اما الحرف الأرامي أو اللاتيني.فكلاهم ا ليسا موحدين بالنسبة لكتابة الأمازيغية .ولا أنسب للأمازيغية الا لباسها الحضاري
اقتباس
 

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع