المقالات

قراءة استباقية في نتائج إحصاء 2014

 
بودريس بلعيد
تعني القراءة الاستباقية anticipatrice، من حيث النعت، وجود ما يكفي من المؤشرات والعلامات التي تضيء الطريق الذي يتجه نحوه القرار السياسي، وذلك بناء على تجميع المعارف السابقة وتنظيمها والتنسيق بينها واعتبارها مقدمات "كافية" تنبئ بما سيأتي من نتائج. وبهذا المعنى، فقد أسفرت نتائج الإحصاء العام السكان والسكنى لسنة 2014 بالمغرب ، بخصوص معرفة الكتابة الأمازيغية بحرف تيفيناغ، على نسبة جد هزيلة، يستحيي إنسان القرن الواحد والعشرين أن يخبر بها سكان المعمور من المواطنات والمواطنين في الدول الديمقراطية.
 
وكانت الاستمارة، أساس جمع المعطيات في الإحصاء، قد تضمنت بنودا تتعلق ب"اللغات المحلية المستعملة... والأمية واللغات... والقراءة والكتابة" على النحو التالي:
 
بخصوص اللغات المحلية المستعملة، طلب من المستجوبين تحديد لغتين على الأكثر من اللغات المستعملة على الشكل التالي: 0- لا شيء؛ 1- الدارجة المغربية: 2- تشلحيت؛ 3- تمزيغت؛ 4- تريفيت؛ 5- الحسانية.
 
وبخصوص الأمية واللغات، طلب من المستجوبين تحديد معرفتهم بالقراءة والكتابة ورمز اللغات الثلاث المقروءة والمكتوبة من الاختيارات التالية: 1- عربية؛ 2- أمازيغية (تيفيناغ)؛ 3- فرنسية؛ 4- إنجليزية؛ 5- إسبانية؛ 6- لغات أخرى (تذكر).
 
وقبل الشروع في قراءة النتائج، تجب الإشارة إلى أن حركة احتجاج وتذمر سادت مكونات المجتمع المدني، المشتغل في مجال الحقوق اللغوية والثقافية، من الكيفية التي أدمجت بها اللهجات والكتابة في الاستمارة. حيث اعتبرت هذه الكيفية ذات أهداف سياسية مغرضة، تتراوح بين النية المبيتة في الحصول على نتيجة مسيئة للغة والثقافة الأمازيغيتين وبين استكمال مخطط الإبادة الذي تتعرض له الأمازيغية، في إفريقيا الشمالية، منذ قرن ونيف من الزمان.
 
وكان أحد الأكاديميين الأمازيغ، المنحدر من قبيلة ملوسة التي وردت في تاريخ ابن خلدون، قد صرح لبعض وسائل الإعلام أن بنود الاستمارة، على الأقل في جانب الهوية المغربية، تعتبر دليلا على خلط شنيع بين اللغة واللهجة وعلاقتهما بالأمية من جهة وبين اللغة والكتابة من جهة ثانية وبين قدرة الإنسان على التمكن من ناصية اللغات وعددها من جهة ثالثة.
 
ويتعلق الأمر بالنسبة للجهة الأولى في أن اللغات المحلية المستعملة تعني عند مصمم الاستمارة اللهجات المكرسة للأمية وهي: الدارجة المغربية: - تشلحيت؛ - تمزيغت؛ - تريفيت؛ - الحسانية. والواقع أن الأمية لا تبيت عند اللهجة دون اللغة المعيارية، بل يمكن أن تبيت عندهما معا، كما يمكن أن "تحارب" فيهما معا؛ لأن الأمية مسألة معرفة وتفكير وتفسير للظواهر المحيطة بالإنسان. لذلك يعتبر ربط اللغة المعيارية بالمعرفة وربط اللهجة بالأمية، ميكانيكيا، مغالطة.
 
أما بالنسبة لعدم التمييز بين الكتابة واللغة فتتجلى في أن مصمم الاستمارة (السياسي) يعتبر التمكن من "اللغات" دليل على انعدام الأمية. والحال أن الأمر يتعلق، دائما، باللغة وكان الأجدر للتمييز بين اللغات واللهجات إضافة نعت المعيارية إلى العربية والأمازيغية. وبالنسبة للأخيرة فإن مصمم الاستمارة يخلط ودائما بشكل شنيع (تترتب عنه جزاءات في الكينونات الديمقراطية) بين المعيارية والخط؛ فاللغة الأمازيغية المعيارية شيء ومعيرة خط تيفيناغ شيء آخر. لأن معيرة هذا الأخير كما تصلح لكتابة اللغة الأمازيغية تصلح لكتابة العربية والإسبانية والصينية وغيرها. إذ أن أبجدية العلوم اللسانية تخبرنا أن الخط عنصر خارج اللغة (extralinguistique)، وقد يرتبط بها بفعل الأسباب التاريخ-ثقافية، لدرجة يبدوان وكأنهما متلازمان عند الحس المشترك.
 
أما عدد اللغات التي يمكن أن يتعلمها الإنسان ويتقنها، على جوار اللغة الأم، فيمكن أن يصل إلى أربعة دون آثار جانبية سلبية، وبمستوى من التحكم يجاور اللغة الأم، حسب ظروف التعلم الاجتماعية. فلماذا فرض على المستجوبين أن يختاروا لهجتين على الأكثر؟ هنا يصل التحليل الأكاديمي إلى ما وصل إليه التحليل المدني: الأهداف السياسية المغرضة واستكمال مسلسل الإبادة !
 
ونعود، الآن، إلى قراءة النسبة الجد هزيلة، التي حصلت عليها الكتابة بحرف تيفيناغ، لنقول بأن هذه النسبة لا تتناسب ومنطق القرن العشرين، الذي طور علوما قائمة بذاتها من أجل تيسير تعلم اللغات فهما وإنتاجا شفويا وكتابيا، لولا وجود سياسة عامة تخطط للفشل وتصر على النجاح فيه. ومما يزيد الطين بلة، أن جميع التلاميذ الذين حضروا دروس اللغة الأمازيغية - ولو كانت تنتمي أحيانا إلى ما قبل الدروس، وبالدارجة: ما قبل القراية- قد أنجزوا أرقاما قياسية في امتلاك تيفيناغ ملفوفة بالكثير من البهجة والحبور. علما أن تعلم تيفيناغ لا يكلف إلا حوالي ساعتين من زمن التقويم الشمسي بالنسبة للراشد المتوسط. لذلك بات من البديهي القول بأن الفشل في تدريس اللغة الأمازيغية لا يمكن أن يكون إلا وصمة عار في وعلى جبين الحكومة المغربية، وذلك للأسباب التالية على الأقل:
 
التهيئة اللغوية الذاتية المؤسسة على البساطة والاقتصاد والشفافية من الناحية اللسانية والتربوية؛
 
التكلفة المادية التي تقترب، نسبيا، من الصفر من الناحية الاقتصادية؛
 
الأهمية المعنوية التي تقترب، نسبيا، من المائة من الناحية الوطنية؛
 
التفعيل غير المسبوق للمشاركة في تدبير الشأن العام من الناحية السياسية (زعما بناء الديمقراطية)؛
 
التأصيل الحي للتقدم والازدهار على المستوى التاريخي...
 
وعلى هامش ما انتشر من انطباعات، تم تداولها من أفواه نحو آذان وعقول، أثناء إجراء عملية الإحصاء، تم التقاط الملاحظات التالية:
 
استغراب العديد من المستجوبين من طلب حد التصريح بلهجتين فقط، رغم تمكنهم من أكثر. مما يعني طمس سهولة الانتقال من لهجة إلى أخرى، بكونه دليل على وحدة اللغة الأمازيغية وإمكانية تحقيق معيرتها دون آثار جانبية سلبية؛
 
إقصاء لهجات وتحققات أمازيغية محلية مثل الفيكيكية والوراينية والغمارية ولهجات آيت لحسن وآيت أوسي في الصحراء المغربية وغيرها مما يعني، مسبقا، أن الناطقين بها سيتم احتسابهم في غير الناطقين بالأمازيغية؛
 
تأكيد العديد من المستخدمين في الإحصاء أن الآباء الذين لا يعرفون الكتابة بتيفيناغ كان أبناء البعض منهم يعرفونها، وهذا المعطى لم يرافق بالتكميم نظرا لغيابه عن الاستمارة؛
 
سكوت الاستمارة عن التكلفة الزمنية والسيكولوجية والسوسيولوجية والمالية التي تنفق في تعلم حرف تيفيناغ مقارنة مع الحرف العربي والحرف اللاتيني ومقارنة التكلفة بالمردودية وبالنتائج الفعلية، مثلا عدد الحاصلين على الإجازة في اللغة العربية دون أن يتمكنوا من ناصيتها (!)؛
 
غياب نوع الصعوبات التي واجهت المغربيات والمغاربة في تعلم الحروف الثلاثة وأشكال تجاوز تلك الصعوبات هل هي الضرب بالمسطرة الحديدية على الأصابع الخمسة مجتمعة أفقيا نحو الأعلى أيام القر والزمهرير أم هي الفلقة التي "يتعاون" فيها المدرس و"المحاضرية" فيما يشبه فلسفة الجيزويت من ناحية أم هي البهجة والحبور من الناحية الثانية؟
 
وكان هذا النوع من المسكوت عنه، هو الذي سهل المأمورية على بعض التأويلات الرسمية للنتائج. حيث كانت بعض هذه التأويلات تتجه، بأشكال ملتوية ومغرضة توحي بأن النتيجة الهزيلة دليل على خطأ قرار إدماج اللغة الأمازيغية والتبني الرسمي لحرف تيفيناغ. بل وكان الإيحاء يتجه نحو تحميل المسؤولية للمغربي(ة) المسير بالسياسة الغيرية. والحال أن المسؤولية، أي فشل التدبير، تتحملها بأشكال مختلفة أمثال الكائنات الفيزيقية والمعنوية التالية:
 
الحكومة التي تجتهد في التنكر للمغرب الثقافي وتتلكأ بكفاءة عالية في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتتقاعس عن القيام بواجبها في حماية اللغة والثقافة الأمازيغيتين والنهوض بهما ضدا على حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية ومقتضيات الدستور المغربي؛
 
الوزير الذي لا يدع مناسبة تمر دون أن يذكر أنه أمازيغي في القول، لكنه يتجاهل، عن سبق إصرار وترصد، كل إمكانية تصبو إلى حماية الأمازيغية والنهوض بها وعدم اتخاذ أي قرار لتفعيل وجود الأمازيغية في الوزارة التي يدبر شأنها؛
 
مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين الذي يقدم أمام السيد الوزير تقريرا عن تقدم تعميم الأمازيغية في الأكاديمية التي يديرها بمؤشر تضاعف ثلاث مرات، دون أن يدري السيد الوزير أن المدير يتحدث عن قسم واحد تضاعف إلى ثلاثة أقسام بعد مضي أربع سنوات على إدماج اللغة الأمازيغية في التعليم الابتدائي؛
 
المثقف المفارق (للمغرب الثقافي) الذي لا يكل من الإشارة إلى تفوق الغير واحتقار الذات الثقافية المغربية وعدم قدرتها على أن تكون فقط كالبشر لا أقل من أحد ولا أحسن من أحد؛
 
المسؤول الذي يتوهم أنه وافد من عرق نقي لينقد "المغرب" من براثن البربرية والتعاسة، والواقع أنه لا يقوم إلا بتكريس التمييز والتخلف وإعادة إنتاج الأوهام التي سبقه الاستعمار إلى "التبشير" بها...
 
لكل هذه الأسباب وغيرها بدت نتائج إحصاء 2014 للسكان والسكنى في المغرب، بخصوص موضوع الأمازيغية دالة دلالة قاطعة على استمرار ما يلي:
 
إيديولوجية النظر إلى المغرب وشمال إفريقيا نظرة غيرية وسطحية من طرف مدبري الشأن العام، في جانبها الثقافي على الأقل؛
 
انعكاس هذا النظر، بحكم آليتي التقدير والتحقير، على العديد من السكان، من خلال التزايد المستمر للارتماء في الغير، بشكل انتحاري؛
 
سياسة الميز والعنصرية الهادفة إلى استكمال إبادة المغرب الثقافي؛
 
اشتغال الحكومة خارج القيام بواجبها في حماية اللغة والثقافة الأمازيغيتين والنهوض بهما ضدا على الدستور؛
 
وبالمنطق العملي للديمقراطية، فإن كل هذه الدلائل، وغيرها أكثر، تصب في اتجاه واحد يعني استعجالية أحد ثلاثة أمور أو بعضها أو كلها:
 
الأمر الأول سياسي: يتمثل في تفعيل ملتمس الرقابة ضد حكومة تقتل "الرصيد المشترك لجميع المغاربة". والجديد في هذا الملتمس هو إمكانية تقديمه من بعض مكونات الحكومة اليمينية أو اليسارية إضافة إلى مكونات المعارضة؛
 
والثاني قضائي: يتجسد في تحريك دعوى عمومية ضد الحكومة بتهمة "إهمال وعدم تقديم مساعدة لمكون لغوي وثقافي في خطر" متمثلا في اللغة والثقافة الأمازيغيتين مجسدتين في شخص حرف تيفيناغ؛
 
والثالث مدني: من خلال إعمال كل الأساليب القادرة على وقف مسلسل الإبادة بما في ذلك مآل الدعوة إلى عصيان مدني يستهدف إسقاط الحكومة. ومن ثمة تعديل الدستور بما يلغي الانتخابات التي لا يشارك فيها أكثر من 50% من السكان المغاربة من ذوي السكنى فيه أو خارجه وبما يلزم الحكومة بعدم التقاعس عن إنجاز التنمية الشاملة وتجريم العمل على إماتة مكونات المغرب اللغوية والثقافية. ثم إجراء انتخابات جديدة بعد سنة من وضع كل وسائل الإعلام والإدارة والتعليم والثقافة تحت تصرف المواطنات والمواطنين، بشكل يضمن تكافؤ فرص التعبير محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا، حتى يتبين بوضوح، لا لبس فيه، الفرق بين التقتيل والحماية والنهوض، ليختار المغاربة، بعد ذلك، إما الانتحار الثقافي أو التقدم في وبالتنمية الشاملة.
 
- فاعل مدني
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع