المقالات

الداعشيون بالقوة، الداعشيون بالفعل

محمد بنعزيز
العراق بعيد من المغرب. وللتعبير عن هذا البعد تحكي نكتة عن طفيلي وجبات مجانية قيل له إن "الوليمة في بغداد" فقال "قريبة سيدي". ينطبق هذا على الدولة الإسلامية في العراق أيضا. فهي بعيدة جدا والحمد لله. لكن وقائع متواترة جعلت النظرة تتغير.
 
بداية، بلغ اهتمام المغاربة بداعش أوجه حين تصدر مغربي - مقيم بأسبانيا اسمه محمد حمدوش - عناوين الأخبار وقد ذبح خمسة جنود سوريين والتقط صورة مع الرؤوس المفصولة عن الأجساد على متن عربة مكشوفة. أي أنه يستمتع. من جهتها أعلنت وزارة الداخليَّة الأسبانيَّة، عن تفكيكِ خليَّة إرهابيَّة يتزعمها معتقلٌ مغربيٌّ سابق في غوانتنامُو... حتى أن قياديا عسكريا إيرانيا قال إن أمريكا تجند مغاربة غوانتنامو لدعم "داعش". بعدها عبرت الأخبار مضيق جبل طارق نحو المغرب. ذكرت بلاغات كثيرة لوزارة الداخلية المغربية أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تمكنت، بتنسيق مع المخابرات، من توقيف ثلاثة أشخاص بالدار البيضاء والفنيدق، متورطين في مشاريع "جهادية" بسوريا. من وقف جهاديين في طريقهم للعراق. من كشف شبكة... كل مرة خبر ومدينة لكن المحتوى واحد. وبما أن المعتقلين في طريقهم للعراق فلا مشكلة.
 
كان الناس يقرؤون الأخبار لأن نتائجها الدموية تسيل على بعد آلاف الأميال. لكن الخطر يتعاظم. فقد كشفت تقرير أمريكي أن عدد المقاتلين الأجانب الذي دخلوا سوريا وخرجوا في العراق تجاوز 12 ألف مقاتل. ومن ضمنهم 1500 مغربي. أي أن أكثر من 11% مغاربة بينما يمثل سكان المغرب أقل من 2% من مسلمي العالم (لا يوجد مجاهدون هنود في العراق).
 
في استطلاع إلكتروني عن مخاطر داعش على المغرب قالت الأغلبية إنه لا خوف على المغرب وهو محصن ضد داعش لأنها تجاهد ضد المسلمين الشيعة. لذا فحتى حين هاجرت فتيحة المجاطي إلى العراق للجهاد ساد إحساس بالبهجة لأن المغرب ارتاح منها.
 
في كل هذه الحالات كان العراق بعيدا. لكن الوليمة الدموية بدأت تقترب حين نشرت جريدة الاحداث المغربية صورة لمشجعين يحملان علم داعش أثناء مقابلة لكرة اليد بمدينة وسط المغرب. حصل ذلك يوم 12-06-2014. فوجئ المتفرجون من وجود خلية نائمة بين الجمهور الرياضي الذي لا يبدو أنه يفهم ما معنى روح رياضية. يبدو أن المفاجأة هي رد الفعل الأولي حيال ما يجري.
 
من تلك اللحظة لم تعد بغداد بعيدة.
 
أعلنت وزارة الداخلية أن هناك تهديدا إرهابيا حقيقيا ضد المغرب. وقدم الوزير أمام البرلمان معطيات وتحدث عن تسجيلات وذكر مواقع القياديين المغاربة في دولة داعش. كيف عرف الوزير ذلك؟
 
جوابي: لا يعقل أن يرسل الجهاديون والسلفيون 1500 مجاهد دون ان ترسل المخابرات المغربية رجالها أو نساءها ضمنهم لتقصي أخبارهم.
 
بما أن وزير الداخلية هو الذي تحدث عن الخطر فلا شك في الأمر. لماذا؟ لأن صحف مغربية كثيرة تنتقد رئيس الحكومة الإخواني، وهو من بقايا الربيع العربي الأمازيغي. لكن جل الصحف تؤيد وزير الداخلية وشعار خطها التحريري هو "وزير الداخلية على حق". ويبدو أن السياق الحالي أكثر تحريضا على الإرهاب مما كان عليه الأمر قبيل سبتمبر 2001. ومن يتأمل كيف يقتل الجنود المصريون والتونسيون وكيف يفر جندي لبناني ليجاهد يدرك أن حجم الخطر.
 
إن الوقائع تؤكد قول الوزير حتى لو تعودنا تكذيب وزراء الداخلية. فقد عاد السلفي أبو النعيم من الدار البيضاء لتكفير زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر بحجة إجماع الأئمة الأحياء والأموات. وطالب بتطبيق الحد عليه. أي قتله. كما تم تكفير الناشط العلماني الأمازيغي أحمد عصيد حتى أنه قلّل من تحركاته ومن ظهوره في المجال العام. الاحتياط واجب.
 
ما الذي يجعل داعش بهذه القوة؟
 
في تصوري، الأخطر ليس كلام الشيخ بل الفكرة السائدة عن داعش. هنا العلة الأولى للداعشيزم.
 
إن 1500 مغربي الذي ذهبوا للعراق داعشيون بالفعل. وهم أقلية شديدة، وحتى لو قتلوا جميعا هناك - وهذه أمنية المخابرات – فإن المسألة لم تنته لأن الخطير هم الداعشيون بالقوة ويعدّون بمآت الملايين.
 
كيف تعرفهم؟ من ردود أفعالهم الصادرة عن تصوراتهم.
 
ففي ردود فعل الداعشيين بالقوة على ما يجري نجد أن مستقبل ّالداعشيزم" مشرق.
 
فقد رجمت داعش امرأة متهمة بالزنا. ونتيجة لذلك اتهمت وسائل الإعلام داعش بالتطرف. في التعليقات على الخبر نصح سلفي مغربي القراء "راجعوا دينكم قبل اتهام داعش بالتطرف". أي أن داعش في الطريق الصحيح. فما فعلته داعش هم تنقية المجتمع. وهو المصطلح الذي كان يحرك بطل الفيلم الجزائري "باب الواد" ضد النساء، فيلم توقع السنوات الدموية في الجزائر من توقيع مرزاق علواش. استمرارا لنفس التوجه يرى الداعشيون المغاربة المضمرون، والذين ينشطون بكثافة في مواقع التواصل الاجتماعي لأن الشرطة طردتهم من الشارع. يرون أن المغرب بحاجة "لينقى".
 
من ماذا؟
 
من الكاسيات العاريات، من السكارى، من الأطباء الذين يبيحون لمدعي المرض الإفطار، من العلمانيين... وباقي الموبقات والمناكر. لا يستطيع من يوافق على هذا التصور أن يحارب داعش لأنه داعشي بالقوة. لكم أن تتساءلوا: متى سيصير داعشيا بالفعل؟
على مستوى التصور، لا خلاف بين الداعشي بالقوة والداعشي بالفعل. يتفقان على أن المسلم غريب والإسلام بدأ غريبا وانتهى غريبا. يتفقان على لائحة الموبقات ويعتبران أن النقاء ضروري. هذا التصور المتطابق هو العلة الأولى للداعشيزم. ومنه تستمد داعش الطاقة اللازمة للتمدد شرقا وغربا.
 
طيب، وأين يختلفان؟
 
يختلفان في أن واحد يريد الحصول على النقاء بالقلب أو اللسان وهو أضعف الإيمان والآخر يريد التغيير بالقذيفة والمسدس ومقص ختان النساء لكي يصرن نقيات بيولوجيا.
 
مطلب النقاء جيد. السؤال كيف يتم تحقيق هذا النقاء؟
 
بالقضاء على الدولة القومية وإحلال الخلافة محلها. وهنا جدل. حتى في ردود الأفعال على إعلان الخلافة في العراق تتم مهاجمة داعش، ليس لأنها تنكر الحدود الدولية، بل لأن ليس هناك ما يكفي في من النقاء في خلافة البغدادي. هم لا يخالفونه بل يزايدون عليه في النقاء إنهم أكثر داعشية منه. يريدون خلافة نقية. أكثر نقاء، أكثر صفاء. يقول تشيكوف "كلما زاد نقاء المرء زادت تعاسته".
 
يجري البحث عن النقاء لدى طالبان وداعش وبوكو حرام، وهكذا تشابكت سلاسل الاصطدام من كابول حتى طرابلس الغرب. ويتحقق النقاء بسحق الموبقات.
 
المصيبة هي أن سحق الموبقات يقتضي سحقا للبشر الذين يمارسونها. إعدام طفل أفطر وجلد زانية وقتل زعيم حزب... بهذا فإن الباحثين عن النقاء يمارسون أوسخ شيء في الوجود وهو قتل الناس. هل من يقتل الناس نقي؟
 
الداعشي يجيب: نعم باسم الجهاد. فالنقاء أهم من حياة البشر. وهو مكلف بصنع النقاء، وهذه يوتوبيا دموية. لهذا فإن المهاجرين المغاربة يتركون باريس المدنسة ونيويولك الفاجرة للعيش في الموصل التي تمت تنقيتها من المسيحين ولله الحمد.
 
لداعش مستقل كبير لأن التنظيم يتغذى من صلابة الدافع الديني. وينعكس هذا على صلابة التنظيم الذي يتدحرج في دول فاشلة فتزيد قوته وحجمه ووزنه مثل كرة ثلج.
 
ما هي الطاقة اللازمة لدفع الداعيشيزم ليتقلص من جديد؟
 
على مستوى السياق التاريخي، بدل اتهام داعش يجب اتهام السياق الذي سمح له بالحضور بهذه الصورة. أتبنى نظرة التاريخ البرجوازي المتفائلة، فمهما كان صبيب الدم، ستكون للفوضى الخلاقة نتائج رائعة. سيتعب الناس من التشدد الديني سيتولد إصلاح ديني من الدم الغزير. سيتطلب هذا وقتا.
 
فيزيائيا، إن كرة الثلج حين تبلغ مداها من الضخامة تتفكك. ومن أولى البوادر أن تكفر داعش شيوخ السلفية المغاربة. هذه مقدمات تفكك الأممية السلفية حتى لو بقي الشيوخ المغاربة صامتين لحد الآن.
 
على مستوى الخطاب الديني، وهذا عامل تم تجاهله كثير في السوسيولوجيا "العلمية"، في كل أمر سيء يردد المغاربة "إن هذا منكر"، وهم يطالبون يتغيير المنكر. من يعارض سحق المنكر؟ لا أحد. غير أن هذا المنكر ليس مستقلا عن البشر. لذا سيسحقون.
 
فقط أن القرآن قال من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. فمن يملك الحق ليحاسب البشر؟
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع