المقالات

الملك وإشكالية المسؤولية السياسية

 

يوسف بلال
بمناسبة عيد العرش، تم بث برامج تمجد وتمدح الملك محمد السادس في الإعلام الرسمي، وتحكي للمغاربة حكاية "ملحمة" تساهم في تقديس شخص الملك في أذهان المغاربة ولا تساهم في شيء في النقاش الموضوعي الذي يقيّم المنجزات والإخفاقات لخمس عشرة سنة من الحكم. وهذا النوع من الخطابات التمجيدية يشكل تراجعا بالنسبة إلى دستور 2011 الذي حذف مفهوم "قداسة شخص الملك" من بنوده.
 
صحيح أن الملك اعترف بنفسه في خطاب عيد العرش بأنه غير معصوم من الخطإ، لكن هذا الاعتراف لا يأتي بجواب مقنع عن إشكالية أعوص هي إشكالية المسؤولية السياسية لأعلى وأقوى سلطة في البلد، لأن النقاش الموضوعي لقرارات الملك وانتقادها من طرف الفاعلين السياسيين ليس مسموحا به في النظام السياسي المغربي، والمفارقة هي أن الانتقاد للقرارات الملكية يظل امتيازا ملكيا، حيث إن الملك الراحل الحسن الثاني كان بدوره يعترف بأخطائه في بعض اللحظات، بل ما هي جدوى الاعتراف بالأخطاء إذا لم يتغير شيء في طريقة اتخاذ القرارات في دواليب السلطة؟ 
 
والمثير للانتباه هو أن المؤسسة التي تأخذ قرارات مصيرية تهم الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسة الخارجية والدفاع الوطني لا تحاسب عليها لأنه لا يوجد في النظام السياسي المغربي آليات دستورية أو قانونية أو سياسية تحاسب وتساءل فيها الملكية. هذه المفارقة تخالف مبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة" الذي أتى به خطاب 9 مارس 2011 ثم دستور يوليوز 2011 على إثر احتجاجات حركة 20 فبراير وتقلبات المنطقة.
 
ويمكن، مثلا، أن نتساءل عن جدوى عفو ملكي بمناسبة عيد العرش يشمل أكثر من 13 ألف سجين في ظروف يشكو فيها كثير من المغاربة من تزايد العمليات الإجرامية والشعور بعدم الأمان. وفضيحة العفو الملكي الذي استفاد منه مغتصب الأطفال دانيال كلفان قد تذكرنا بخطورة قرارات ملكية غير صائبة تضع الملك نفسه في موقع يواجه فيه الرأي العام بشكل مباشر في ظل غياب آليات دستورية تخضع قراراته للمراقبة. والحاكم الذي لا يساءَل ولا تراقب أفعاله قد يفقد علاقته بالواقع كما وقع ذلك مع بن علي ومبارك اللذين سقطا بسبب غياب آليات دستورية وسياسية تسمح لسلطات مضادة بأن تراقب الحاكم في قراراته. 
 
والخطاب السائد الذي يمرره القصر وكل من يدافع عن "الملكية القوية" أو "الملكية التنفيذية"، يدعي أن نظاما سلطويا يسود فيه الملك ويحكم قد يكون أنجع من النظام الديمقراطي وقادرا على التوصل إلى نتائج ملموسة في المجال الاقتصادي والاجتماعي في وقت وجيز؛ فمن المفترض إذن، حسب هذا المنطق، أن تتحسن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الفترة التي حكم فيها الملك محمد السادس؛ لكن الحقيقة المُرّة التي لا تتماشى مع أسطورة "الملحمة" هي أن المغرب لم يتقدم في الترتيب العالمي لمعدل التنمية البشرية بل تراجع فيه، حيث انتقل المغرب من المرتبة 126 سنة 1999، أي السنة التي تولى فيها الملك محمد السادس الحكم، إلى المرتبة 129 سنة 2014. 
 
في المديين المتوسط والبعيد، يبدو من الصعب أن يستمر الوضع على ما هو عليه إذا كنا نسعى إلى تحول ديمقراطي حقيقي بالمغرب. وإذا أردنا للملكية أن تحافظ على دور رمزي يوحد المغاربة، من الأفضل أن تبقى بعيدة عن قرارات تسيير الدولة التي من طبيعتها أن تثير الانتقادات والجدل السياسي والنقاش العام في زمن الديمقراطية والحداثة السياسية. ويقتضي هذا التحول الديمقراطي أن تتوسع دائرة قرارات الحكومة المنبثقة من الاقتراع الديمقراطي والمسؤولة أمام الشعب المغربي.
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع