المقالات

لماذا صارت أغنية "إنتي باغيا واحد" ظاهرة اجتماعية؟

 

 
محمد بنعزيز
جاءت سهرة سعد المجرد في مهرجان تيميتار بآكادير لتؤكد كل الإرهاصات السابقة ، فبعد تقليد أغنيته في اليمن ومصر وتزاحم 5400 كويتية لتحيته فنجا منهنّ بصعوبة، وبعد إحلال أغنيته محل "رقصة البطريق" في السعودية ولقائه مع القيادية الراقصة هيفاء وهبي في ميلانو وصل نجاح الأغنية إلى المغرب. فمساء الخميس 19-06-2014 جاء عشرات الآلاف من المتفرجين إلى ساحة الأمل منذ الثامنة مساء وانتظروا...
 
وقف مآت رجال الأمن لتأمين الحدث وقد بلغتهم أصداء ما يجري في العراق وليبيا. أغلقت الطرق المؤدية للساحة أمام السيارات، جلبت الأمهات فراشا للجلوس طويلا، وقف الآباء يحملون أولادهم على أكتافهم ليشاهدوا. كانت المقاهي المحيطة بالساحة مزدحمة وقد ضاعفت ثمن المشروبات. في كرسي بالمقهى طفل نائم ينتظر ...
 
أن يحضر هذا الجمهور للسهرة بالتزامن مع مباريات المونديال ومصائب الأمة فلهذا دلالة كبيرة. أراقب بنات بتنورات قصيرة لوضع تيرموميتر للتحرش. هناك حلقات رقص صغيرة وهواتف تصوّر. تصدعت أذني من مكبرات الصوت التي يزيد حجمها عن قامتي... لكن أتحمل لأفحص نجاح أغنية صارت ظاهرة اجتماعية وقد شاهدها 20 مليون شخص على اليوتوب.
 
مر منتصف الليل ولم يصعد النجم. تعبتُ من الانتظار لكن لابد أن أكون وسط الشعب وهو يسمع جماعيا "إنتي باغيا واحد". مع الانتظار يتزايد الجمهور، أكتب واقفا بصعوبة في الزحام... في الواحدة بعد منتصف الليل، وأمام أكثر من مائة ألف شخص، حلت اللحظة التاريخية في حياة المنتظرين، يتزاحمون للاقتراب من المنصة ويرددون "لابد أن نراه"... ياه كم يختلف الاستماع الجماعي لأغنية عن الاستماع الفردي، تسري العدوى كمادة كيماوية بين الأفراد...
 
انتي باغيه واحد 
يكون دمو بارد 
ساكت ديما جامد 
تغلطي ما يدويش 
تلعبي عليه العشره 
ما يعاودش الهضره 
يكون راجل لمرا 
بزاف عليك درويش
 
هذا نجاح مدوي، وقد تأكد هذا النجاح – أي الإقبال الجماهيري الكثيف – في الندوة الصحافية التي حضرها أكبر عدد من الصحافيات. تحدث سعد عما جرى في الكويت وعن مشاريعه. وفي مداخلة قالت صحفية إن كلمات الأغنية إهانة للنساء، نفى سعد ذلك وقال إنها موجهة لبعض النساء فقط. نفى التعميم، والدليل أنه لم يقل "أنتن" بل قال "أنت". سأل الصحفيات الكثيرات:
 
من منكن تريد رجلا باردا؟
 
ولا واحدة. كلهن يردنه ساخنا مثل السي سيد.
 
شعرت الصحفية الوحيدة التي تجري دماء يسارية في عروقها بالحصار. بعد نهاية الندوة تسابقت الصحافيات بكثافة لالتقاط صور مع الشاب العملاق مفتول العضلات رمز الذكورة. ميزته أنه لا يشبه شبانا ناعمين يلبسون اللون الوردي ويدهنون شعرهم بمرهم مرطب. تكره البنات هذا النوع الذي يبدو لهن مخنثا.
 
وقفت الصحافية الغاضبة مصدومة من التسابق فواجهتها بالحقيقة: هذا دليل قاطع على نجاح الأغنية. ردت بجحود بأنه دليل على نجاح المغني لدى القطيع. سألتها باستنكار ليشتد استفزازها: حتى الصحافيات قطيع؟ سألتها عما تريد فقالت "نريد تغيير الصورة النمطية للمرأة. وقد جاءت هذه الأغنية لتكريس تلك الصورة. هذه أغنية ترضي غرور الرجال وتضع المرأة في موقع الضعيف. ثم إن الرجل ليس هو الشغل الشاغل للمرأة".
 
وبعد أن ختمت الصحفية الغاضبة مرافعتها ضد الأغنية الملعونة مع أن الأغنية تعبر حقيقة عن المزاج الشعبي السائد. سألتها عن أولادها قالت إن ابنتها وسنها أربع سنوات وتحفظ الأغنية.
 
كيف أكذب الشعب وأطفاله وأسلم بقول أقلية تجري في عروقها دماء يسارية؟
لجمع وجهات نظر جديدة نشرت في موقع إلكتروني خبرا عن الأغنية ينتهي بسؤال: وأنت لماذا تحفظ الأغنية؟
إليكم الأجوبة: أنا لم اسمع عن هده الأغنية بتاتا - وحدها الأغاني النبيلة تبقى في القمة أما التفاهات فدائما في القاع - الشباب المغربي على حافة الانهيار بالله عليكم أولا ينقصنا إلا الغناء الساقط؟ – سعد في ندوة صحافية وكأن فيه جميع أطباء المختبرات ومصنعي الأدوية بالعالم للقضاء نهائيا على فيروس كورونا – حفظتُ الأغنية رغما عني فكل الأسواق وأصحاب التاكسيات والراديو هات ترددها والبرمجة اللغوية العصبية تقول أنه، لاكتساب مهارة و تخزينها في العقل اللاوعي، يجب تكرارها 5 مرات في اليوم لمدة 21 يوما. - السبب بكل بساطة انحطاط ذوق غالبية شباب الأمة - إن " نجاح" هذه الأغنية التافهة وكثرة الحمقى المعجبين بها يرجع ببساطة يا عزيزي الى كوننا نعيش في زمن الانمساخ والرداءة – يا أخي : اكتبْ خيرا، و لا تسل مداد قلمك على النكرات...
 
تكشف ردود الأفعال هذه ثلاثة أبعاد على الأقل:
 
أولا كون الرجال سعداء بالأغنية لأنها تعبر عن مشاعرهم الغاضبة من تقدم النساء في المجال العام. الرجال سعداء بالأغنية ويكرهون المغني الوسيم بينما تعشق النساء المغني ويكرهن الأغنية. وقد تزامن هذا مع رفض رئيس الوزراء عبد الإله بنكيران أمام البرلمان "للمعاصرة" التي تشجع النساء على العمل وأكد أنه بسبب العمل لم تعد المرأة تجد وقتا لتتزوج ووقتا لتكون أما وتربي وأنه لما خرجت النساء للعمل انطفأت البيوت. مكان النساء هو البيوت إذن لإضاءتها. حتى في صلاة التراويح تنصح النساء بالصلاة في المنزل لأن أجر الصلاة الفردية أعلى للنساء وفي بقائهن في منازلهن حفظهن لأنفسهن.
 
وقد انطلقت حملة تنديد خافتة بكلام رئيس الوزراء الذي يعرف ماذا يقول ومن يخاطب. هو لا يخاطب الصحفية الغاضبة أصلا. وبالتالي فمحتوى الأغنية ليس معزولا عن السياق الاجتماعي بل يعبر عنه. وقد اعترفت الصحافية أن الشعب رجعي وطلبت مني ألا أذكر اسمها.
في البعد الثاني يتجلى موقف عدواني جاهز من زمار الحي الذي لا يطرب. شخصيا اعترف بدهشتي الشديدة من الكثافة الجماهيرية في السهرة. وأرى في ذلك نجاحا مزدوجا فنيا وسوسيولوجيا. لا يمكن تفسير هذا الحضور بمجانية الحفل. فمساء السبت 21 يونيو، وبمناسبة عيد الموسقى دفع المتفرجون خمسين دولار لمشاهدة سعد المجرد. مع الأسف لا تقنع هذه الحقائق منتقدي المغني بهدف تجريده من كل موهبة. والسبب في ذلك هو كراهية المغاربة لنجاح أي فرد منهم، يمكنهم التسامح مع نجاح الغرباء. وهم يبذلون جهدا رهيبا لسحق كل وردة تتفتح بينهم. شخصيا نشرت مآت المقالات في جرائد المغرب لكن ومنذ بدأت النشر في السفير اللبنانية صار الكثيرون يقفون للسلام علي.
 
يقول الشاعر محمد بنيس "إن الثقافة المغربية ذات بنية رصاصية لا يمكن اختراقها إلا من الخارج" ينطبق هذا على الفن المغربي. فقد بدأ نحاج سعد في برنامج سوبير ستار، والفنان الذي لم ينجح في بيروت أو القاهرة يتعرض للتهميش في بلده. لقد جمع سعد المجرد شهرة محلية وخارجية. مكنه يوتوب من صنع جمهور وفي. والسهرة كانت لحظة الحقيقة التي صدمت اعداء نجاح زمار الحي.
 
في البعد الثالث موقف يرى بأن نجاح هذه الأغنية دليل على أن الشباب فاسد لا يرجى منه ثورة ولا خير. والمسكوت عنه هو أن الشباب الراشد والصالح هو الذي ركب منصات إطلاق القذائف وليس منصات الغناء، هو الذي التحق بداعش ليضمن الشهادة. لذا ليس صدفة أن يتعرض الغناء والسينما والرقص، لشتم شديد. الفن فجور وعهر والفرح يميت القلب والحياة وسخة تستحق النبذ. ومادام في المغرب غناء وفرح فليس فيه شباب صالح.
من هذا التصور المتخلف ينبع العنف.
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع