المقالات

دولة الخلافة: من تهافُت النموذج إلى سُخرية التاريخ

 

 

عبد الرحيم الوالي
لا يكاد المرءُ يخط حرفاً واحداً عن ضرورة الانتقال إلى الدولة العلمانية في المغرب، أو في غيره من المنطقة الناطقة بالعربية، حتى يُواجَه (في أقل الأحوال) بسيل من الاتهامات من طرف "الإسلاميين". فهو "مُلحد" أو "شيوعي" أو "زنديق" يريد إخراج "الأمة" من "الملة"، وجعلها تحيد عن نموذج الحكم الذي "أراده الله" في نظرهم لا فقط للمسلمين وإنما للعالم أجمع.
 
ونموذج الحكم "الإلهي" هذا هو، بالطبع، "الخلافة الإسلامية" القائمة على "الشورى". أما ما عدا هذا "النموذج الإلهي" فهو "بدع" بشرية أثبت التاريخ، في نظر "الإسلاميين" دائماً، محدوديتها، فمنها ما سقط وما هو في طريقه إلى السقوط: الشيوعية انهارت في الشرق والرأسمالية متأزمة في الغرب. وبين انهيار الأولى قبل ما ينيف عن ربع قرن، وتأزم الثانية بوضوح منذ سنوات، تبرز "دولة الخلافة" الصاعدة على ركام من الرؤوس المقطوعة، والبطون المبقورة، والبيوت المدمرة، والسكان المهجرين قسراً، في جزء من سوريا والعراق، وعلى رأسها "أميرٌ" يزعم الانتماء إلى قريش و"آل البيت". وهو ما يُشعر "الإسلاميين"، سواءٌ منهم مَنْ جَاهَرَ بالتطرف أو مَنْ تَظَاهَرَ بالاعتدال، بأن اليوتوبيا التي ينقادون وراءها قد صارت، جزئياً على الأقل، واقعاً قائماً على الأرض، ويملؤهم بالزهو ويجعل كثيراً منهم يتباهون، في السر كما في العلن، ب"المعجزة" التي تحققت ما بين بلاد الشام وبلاد الرافدين.
 
لا يهمني هنا، بحال من الأحوال، أن أقدم تحليلا لما جرى ويجري في ذلك الجزء من سوريا والعراق لأن الأمر، ببساطة، لا يتعدى فُقَاعة عابرة. وحتى أكبر الأغبياء لن يصدق اعتراف العالم ب"دولة" تقوم على جزء من تراب دولتين عضوين في الأمم المتحدة، أو بقاء المنتظم الدولي مكتوف الأيدي إلى الأبد أمام هذا الانتهاك الخطير لسيادة الدول، وإلا سيكون علينا أن ننتظر قيام "دُول" أخرى بنفس الطريقة، وفي كل القارات وبألوان أيديولوجية شتى. ولن يكون علينا، حينها، إلا أن نشيع النظام العالمي والشرعية الدولية إلى مثواهما الأخير. ومهما كان غباءُ المرء فهو لن يتصور صمود هذه "الدولة" أمام الآليات المتاحة للمنتظم الدولي من الحصار الاقتصادي إلى التدخل العسكري، حتى وإن كانت "الدولة" إياها صنيعة المخابرات الأمريكية، أي صنيعة أقوى دولة في العالم، كما صرح بذلك الجاسوس الأميركي السابق، إدوارد سنودن.
 
بالمقابل، يهمني أن ألفت الانتباه إلى كون "الإسلاميين" ينطلقون في نقدهم لأنظمة الحكم الأخرى من التجربة التاريخية لهذه الأخيرة. ولعلهم يقبلون، جدلاً على الأقل، أن نعتمد نفس المقاربة في تقييم "التجربة الإسلامية" في الحكم. ومثلما ينطلقون من انهيار الاتحاد السوفياتي ليحكموا بفشل الشيوعية والاشتراكية، وينطلقون من الأزمات المتعاقبة للنظام الرأسمالي منذ 1929 وإلى الأزمة المالية الأخيرة لكي يقولوا بفشل الرأسمالية، فهم ولا ريب سيقبلُون أن ننطلق بدورنا من التجربة التاريخية لنظام الحكم "الإسلامي" لكي نرى ما إذا كان، بالفعل، نموذجاً ناجحاً، ويستحق أن يكون غاية منشودة ل"الأمة الإسلامية" وللعالم أجمع، أم أنه عكس ذلك تماماً نموذجٌ فاشلٌ بامتياز.
 
تاريخيا، لم يوجد شكلٌ واحدٌ ل"الخلافة الإسلامية". فهي مثلاً في عصرها العباسي مختلفة عنها في عصرها الأموي، وفي زمنها العثماني مختلفة عن الإثنين معاً. لكن النقطة المرجعية بالنسبة ل"الإسلاميين" جميعا هي "الخلافة الراشدة"، أي عصر الخلفاء الأربعة الأوائل في تاريخ الإسلام. فالنموذج الذي ساد في هذا العصر هو الذي ينبغي، حسب الإسلاميين، أن يعود. بمعنى آخر فهذا "النموذج" هو، في منظورهم، غاية التاريخ ومُنتهاه. وهناك في هذا الباب حديثٌ منسوب إلى نبي الإسلام يجعل "الخلافة الراشدة" بديلاً ل"المُلْك الجَبْري" باعتبارها آخر مرحلة من مراحل التاريخ قبل نهاية العالم و"قيام الساعة"، وهو حديثٌ معروف ولا داعي لأن نعيده هنا.
 
لنبدأ إذن بالنظر في هذا "النموذج"، أي "الخلافة الراشدة"، باعتبارها أول تجربة تاريخية ل"الحُكم الإسلامي" وكذا باعتبارها "الغاية الإسلامية" للتاريخ.
 
ثمة مشهد ذو أهمية كبيرة، ودلالة أكبر، في تاريخ الإسلام. إنه مشهد سقيفة بني ساعدة. هناك اجتمع المسلمون، ونبيهم لم يُدفَنْ بعد، لكي يختاروا خليفة. ولأن القرآن لم يقل شيئا عن الخليفة ولا عن طريقة اختياره، ولا عن الخلافة ولا عن طريقة إقامتها، كما أن نبي الإسلام بدوره لم يقل حرفاً واحدا عن الأمر ولم يعين خليفة له قيد حياته ولا هو ترك منهجاً لبناء الخلافة، فقد وجدوا أنفسهُم منقسمين على أنفسهم: فريقٌ يريد تنصيب سعد بن عبادة وهم أساساً الأنصارُ من الأوس والخزرج، وفريقٌ يريدُ تنصيب أبي بكر وهم المُهاجرون من قريش وَمَنْ حالَفَهُم. وطبقاً للقرآن، فالمفروض أن يتم حل هذا الخلاف عن طريق الحوار و"الشورى" (وأمرهم شُورَى بينهم). فهل هذا ما حَدَثَ فعلاً؟
 
كلا! فكل ما تذكره المصادر التاريخية من مظاهر"الشورى" هو قولُ أبي بكر للأنصار: "نحنُ الأمراء وأنتم الوزراء" وجوابُ الحباب بن المنذر عن ذلك: "لا والله لا نفعل. منا أميرٌ ومنكم أمير" (صحيح البخاري ـ ج 5 ـ ص 08). هنا توقفت "الشورى" المزعومة وحل محلها العنفُ اللفظي، الذي ما لبث أن تطور إلى عنف جسدي، حيث يورد السهيلي ذلك في "الروض الأنف" على لسان عمر بن الخطاب إذ يقول: "" فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته ، ثم بايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: "قتلتم سعد بن عبادة". قال فقلت : "قتل الله سعد بن عبادة". ومعنى "نَزَوْنا" (لمن لا يعرف) أنهم داسوا سعد بن عبادة بالأقدام لأن الواقعة تصادفت مع مرض عابر كان قد ألم به وجعله عاجزاً عن الوقوف.
 
هذه هي "الشورى" كما مُورست في سقيفة بني ساعدة: لغط، وارتفاع في الأصوات، ودوسٌ بالأقدام. وهي التي أفضت إلى تنصيب أول خليفة للمسلمين، أبي بكر. أما الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، فلم يختره المسلمون أصلاً وإنما عهد إليه سابقُه، أبو بكر، بالخلافة في "كتاب العهد"، أي أنه صار خليفة بتعيين من الخليفة السابق ودون شورى. وحين راح هذا الأخير ضحية عملية اغتيال وتلقى الطعنة التي أودت بحياته بعد أن ظل جريحاً ثلاثة أيام، دعا ستة من المقربين إليه هم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله. ولأن هذا الأخير لم يكن حاضرا فقد اجتمع الخمسة الأوائل وأمرهم إبن الخطاب أن يختاروا خليفة من بينهم، دون أية شورى بين المسلمين، فاختاروا عثمان بن عفان الذي سيموت بدوره مُغتالاً. وكان اغتياله مدخلا إلى الحرب الأهلية التي انتهت باغتيال الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب، ثم انتقل نظام الحكم إلى الوراثة مع الأمويين.
 
هكذا، فدولة "الخلافة الراشدة" بدأت بالدوس بالأقدام على أصحاب الرأي المُخالف في سقيفة بني ساعدة وانتهت بالحرب الأهلية، مروراً باغتيال ثلاثة من خلفائها، ولم يحدث في تاريخها القصير أن مارست "الشورى" المزعومة قط. وبالنتيجة فالمبدأ الذي يريد "الإسلاميون" أن يستعيضوا به عن الديموقراطية، أي مبدأ الشورى، لم يُمَارَس نهائياً في "دولة الخلافة الراشدة" ويبقى مجرد فكرة نظرية طرحها النص القرآني ولم يتم تفعيلُها في أي مرحلة من مراحل تاريخ الإسلام على الإطلاق.
 
ناهيك عن كون "الخلافة الراشدة" قد عجزت نهائيا عن ضمان استمراريتها، بل عجزت حتى عن ضمان أمن الخلفاء الأربعة أنفسهم الذين مات ثلاثة منهم مُغتالين، فأحرى أن تكون قد ضمنت الاستقرار للمجتمع. وظلت علاوة على ذلك دولة مطعوناً في شرعيتها الدينية نفسها لأنها لم تقم قط على الشورى، وبالتالي فهي لا تصلح نموذجاً إلا للتهافت وانعدام المشروعية والفشل الذريع والانهيار السريع، عكس مزاعم "الإسلاميين". ولا أعرف كيف يمكن أن تكون دولة على هذه الدرجة من الهشاشة والتهافت، مات ثلاثة من رؤسائها الأربعة مغتالين دون أن نعرف مَن اغتالهم إلى يومنا هذا، ولم تعش إلا حوالي 30 سنة، بمشروعية مطعون فيها على الدوام، وانتهت بحرب أهلية، دولةً نموذجية و"غاية" للتاريخ البشري. هذا، إذا قبلنا، تجاوزاً، أن التاريخ محكومٌ بالتماثل ولم نقل مع مهدي عامل: "التاريخُ لا يعيد نفسه، ولئن فَعَلَ ففي شكل مهزلة".
 
إذا كان الأمر هكذا بالنسبة ل"النموذج" التاريخي، القديم، ل"الخلافة"، فهل اختلف الأمر مع التجارب المعاصرة للإسلاميين في الحكم؟
 
تعود نشأة الإسلام السياسي المعاصر إلى سنة 1928 مع تأسيس جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر. لكن أول صعود ل"الإسلاميين" إلى الحكم لم يحدث إلا سنة 1979 من خلال الثورة الإيرانية التي قام بها اليسار وسرقها "الإسلاميون" (كعادتهم دائما) بزعامة الخميني. وبعد خمس وثلاثين عاما على هذا التاريخ يمكننا أن نقف بالملموس على نتائج حكم "الإسلاميين" لإيران: عزلة دولية، وسجل ضخم في انتهاك الحريات الفردية والعامة وحقوق الإنسان، وتورط في إذكاء وتغذية النزعات الطائفية في العراق ولبنان وسوريا، وفسادٌ مالي وإداري، وتبديد لأموال الشعب في التسلح على حساب البنيات التحتية والخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن، دون أن ننسى القيود القروسطوية المفروضة على النساء، وقمع المظاهرات بالرصاص الحي، ومشاهد الشنق والرجم في الساحات العامة.
 
وغير بعيد عن النموذج الإيراني تواجهنا التجربة السودانية، بدورها، بسجل كارثي لحكم "الإسلاميين": انفصال في الجنوب، مجاعات وفقر وتناحر قبلي في كثير من مناطق البلاد، وجرائم ضد الإنسانية... إلخ. ويعفينا من ذكر المزيد في هذه الحالة أن رئيس الدولة، عمر البشير، قد صدرت في حقه مذكرة اعتقال دولية وهو مطلوبٌ للعدالة منذ سنوات. أما في الجوار القريب للسودان، فالتجربة المصرية ما تزال طرية في الأذهان. ومهما كانت قوة حجاج الإسلاميين فهم لا يستطيعون أن يفندوا الحقيقة القائمة على الأرض: لقد أدت سنة واحدة من حكمهم، كأقل ما أدت إليه، إلى ثورة مضادة أعادت مصر إلى ما قبل ثورة 25 يناير 2011.
 
ربما بقيت ل"الإسلاميين" قشة أخيرة يستطيعون التمسك بها في بحر فشلهم: النموذج التركي الذي يهللون به في الغدو والآصال. وهنا، لا يسعنا إلا أن نقول لهم: "على رِسْلِكُم أيها الناس!". إذا كان هناك من نموذج ناجح، بالفعل، في تركيا فهو العلمانية التي نجحت في استيعاب حزب "إسلامي". وحتى إذا ما فاز أردوغان في انتخابات الرئاسة المقبلة فسيكون رئيسا "إسلامياً" لدولة علمانية. وهو ما فطن إليه الرجل نفسُه في خطاب استباقي حين قال بأنه، في حالة انتخابه، سيكون رئيسا لجميع الأتراك. ومهما كانت القناعات الشخصية التي يحملها أردوغان في قرارة نفسه فهو لا يستطيع (ولن يستطيع) إعلان "دولة الخلافة" في تركيا، وسيقضي ولايته الرئاسية ثم ينسحب بسلام ليستمر النموذج العلماني بعده كما ظل مستمرا قبلَه منذ أتاتورك.
 
أي مصير تراجيدي ظل ينتظر الإسلام السياسي المعاصر إذن! لقد ظل، مثل "الخلافة الراشدة" تماماً، ينتهي بالفشل والفوضى والدماء والتهافت السريع وافتقاد الشرعية. وكان من غرائب التاريخ أنه لم "ينجح" إلا في الحالة التركية، أي في ظل العلمانية التي يعلنها عدوه الأول والدائم، وعبر مؤسسات الدولة العلمانية ومن خلالها. وبذلك فهو لم "ينجح" (ويا للمفارقة!) إلا في ظل ما يعتبره "إلحاداً" و"زندقة" و"خروجاً عن الملة". وهو لا يقبل فقط بهذا "النجاح" وإنما يتباهى به ويريد أن يصل به إلى أقصاه وأن يصبح "إسلامي" مثل أردوغان رئيساً لدولة علمانية مثل تركيا، أي رئيساً لدولة "زنديقة" و"مُلحدة" و"مارقة من الدين" حسب قاموس الإسلام السياسي نفسه. ورغم كل هذا فالإسلام السياسي يرفض العلمانية، أي أنه يرفض الفرصة الوحيدة ل"نجاحه"، الفرصة التي يقدمها له التاريخ في صيغة ساخرة تقول: أيها "المؤمن الطهراني" ، لا يمكنك أن تنجح إلا بواسطة "الإلحاد والزندقة" وفي ظلهما!
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع