المقالات

حسن أوريد وقضية تيموزغا

عبدالله الحلوي 
نظمت جريدة "نبض المجتمع" والجامعة الدولية لأكادير ندوة في موضوع ” الأمازيغية بعد الربيع الديمقراطي” للباحث حسن أوريد ، يومه  السبت 12 يوليوز 2014 بقاعة العروض بالجامعة الدولية بحي تيليلا بأكادير . وأثارت المحاضرة التي ألقاها هذا الباحث نقاشا مهما في أوساط الحركة الأمازيغية وخارجها أيضا نظرا للوظائف الحساسة التي تقلدها حسن أوريد بصفته ناطقا رسميا سابقا باسم القصر (من 1999 إلى 2005) بالإضافة إلى دور الوساطة الذي لعبه بين القصر والمعارضة الراديكالية في وقت من الأوقات (السرفاتي، عبد السلام ياسين، إلخ).
 
ويبدو من خلال معظم ما نشر في أدبيات الفكر الأمازيغي مؤخرا أن هناك نوعا من الإرتياح الحذر لمضامين المحاضرة التي ألقاها السيد حسن أوريد. فقد أكد على "تعددية" الثقافة المغربية ببعدها الأمازيغي الأصيل، وأشار إلى ضرورة نصرة أمازيغ غرداية أمام آلة حقد جينيرالات الجزائر، ونبّر على ضرورة انتقال الحركة الأمازيغية من نضالها الثقافي إلى النضال السياسي وذلك بتأسيس حزب سياسي يؤكد على مطالب الحركة الأمازيغية. حتى إن بعض الجهات المشككة قرأت كلامه على أنه دعوة إلى تأسيس حزب سياسي للحركة الأمازيغية بزعامته 
كيف نقرأ محاضرة أوريد، إذن؟ هل يتعلق الأمر ب"توبة" فكرية هوياتية ستجعل هذا الباحث عضوا مستنيرا في الحركة الأمازيغية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون وعيا تاريخيا بمستقبل للمغرب لن يكون سوى أمازيغيا يرغب أوريد أن يكون جزء ا منه؟ أم أن محاضرته مجرد امتداد لاهتمامه الأكاديمي الذي دشنه برسالة الدكتوراه التي كتبها حول موضوع "الخطاب الاحتجاجي للحركات الإسلامية و الأمازيغية في المغرب" 1999؟
نجد مفتاحا أساسيا للإجابة على هذا السؤال في مقالة نشرها أوريد باللغة الفرنسية في مجلة ZAMANE , Juillet 20014 عنوانه Le Communautarisme, une ideé périmeée 
يبدأ أوريد في مقالته بتذكير القارئ بما حدث في العراق والسياسة الأمريكية في المنطقة التي وضع أساسها المفهومي فؤاد عجمي (الذي توفي في شهر يونيو من السنة الحالية) والتي تنبني على محورين: التأكيد على دور الأقليات (سنة، شيعة، أكراد) وضرورة فرض الليبرالية كما فعل ماك أرثر في اليابان. ثم انتقل بعد التذكير إلى الإشارة إلى النتائج الكارثية لهذه السياسة التي أوصلت إلى الفوضى التي تعيشها المنطقة العراقية السورية اليوم.
بعد هاتين "المقدمتين" يستخلص أوريد النتيجة التالية: لا يجب أن نسقط في نفس الأخطاء لذلك ينتقد الدستور المغربي الذي "جزأ "المغربة" إلى مكونات متعددة"qui a décortiqué la marocanité لكن ما هي هذه "المغربة" (marocanité) التي يتحدث عنها أوريد بالضبط؟ يشبه هذه "المغربة" بالكابوتشينو الذي يبقى كاپوتشينو واحدا وموحدا رغم أنه يتكون من الحليب والقهوة والكاراميل ...
يتفق أوريد مع المفكر تشارلز تايلر في اعتقاده بأن الدعوة الهوياتية عادة ما تكون نوعا من السعي إلى الكرامة والعدالة والمساواة، ولكنه يحذر مما قد تؤدي إليه من شيطنةٍ للآخر واستعداء له. ويستحضر، في هذا السياق، ما ذكره الكاتب أمين معلوف من أن الهوية قد تكون "قاتلة".
ما هي الخلاصات التي ينبغي أن نستخلصها من مقال أوريد؟ 
أولاــ أوريد يرى بأن دستور 2011 أخطأ إذ أقر بتعددية المجتمع المغربي لأن هذه التعددية قد تستعمل لتمزيق وحدة الوطن.
ثانياـ يدعو أوريد إلى ما يسميه ب"المغربة" (marocanité): الكاپوتشينو الذي تمتزج فيه جميع المكونات في نسيج واحد منسجم.
يبدو هذا الكلام جميلا ... ولكن تلك بالضبط هي مشكلته! الكلام الجميل قد يخفي مضامين قبيحة كثيرة.
أولاــ هناك ملاحظة شكلية لا بد من الإشارة إليها، وهي أن أوريد يتحدث بشكل مبهم عن مكونات الهوية المغربية دون أن يسميها بأسمائها. فلم يذكر كلمة "أمازيغية"، مثلا، ولو مرة واحدة، مما يجعلنا نشك منذ الوهلة الأولى أن الإبهام اختيار استراتيجي تواصلي للكاتب. ومن الشواهد على ذلك أيضا أن أوريد فضل استعمل استعارة هلامية (استعارة "الكاپوتشينو") واضحة جدا بصفتها استعارة ولكنها غامضة من حيث ما تريد أن تدل عليه. فما هو الحليب في الكاپوتشينو المغربي مثلا؟ فالكاپوتشينو، في نهاية التحليل، حليب معطر بنكهة القهوة والكاراميل ...
ثانياــ من نتائج هذا الإبهام الإستراتيجي أن أوريد لم يذكر لنا ما هي النتائج العملية للمغربة (marocanité) التي يدعو إليها. ما هي نتائجها بالنسبة لتفعيل ترسيم الأمازيغية وتعميم استعمالها أفقيا وعموديا؟ ما هي نتائجها بالنسبة لتصحيح التاريخ المزيف الذي يدرس للتلاميذ في المدارس؟ ما هي نتائج هذه المغربة بالنسبة للحظر العملي للأسماء الأمازيغية؟ وبالنسبة للتهجم على رموز تيموزغا من طرف بعض المعتوهين؟ ما هي نتائج المغربة بالنسبة لمطلب استعادة الثروات الغابوية والمائية والمعدنية والحيوانية المنهوبة؟ إذا لم يجب أوريد عن هذه الأسئلة الواضحة، فلن يكون للمغربة التي يتحدث عنها أي مضمون ملموس.
ثالثاــ يبدو أن الحسنة الوحيدة لدعوة أوريد هي تأكيده على وحدة المجتمع المغربي. ولكن أليست الحركة الأمازيغية حركة توحيدية بامتياز؟ أليس حلم هذه الحركة هو توحيد تامازغا من المحيط الأطلسي إلى شرق مصر، ومن جنوب إسبانيا إلى حدود الصحراء الجنوبية. صحيح أن الهوية الجذر ـــ تيموزغاـــ قد طُعِّمت بعناصر إثنية وثقافية مختلفة (عناصر إفريقية وندالية ورومانية وعربية وإيبيرية) ولكن العنصر  الأصيل والعميق (الذي قد نشبهه بالبنية التحتية في لسانيات شومسكي) ثابت بنيوي لا يتغير. فمهما كان الشكل الذي يتخذه الطاجن والكسكس المغربيان فإنهما يبقيان طبقين أمازيغيين تشهد لهما أقدم الإكتشافات الأركيولوجية في أرض تامازغا. أليست الحياة في جورهرها مجرد توفيق ذكي بين ما نكون عليه وما نضطر له من تبادل للطاقة مع المحيط الخارجي؟ لذلك فإن الصيغة الأصلية للدستور الجديد (الصيغة التي يبدو أن الملك كان موافقا عليها ولكن حزبي البيجيدي والإستقلال رفضاها) التي أكدت على تيموزغا بصفتها جذر الحضارة المغربية هي أفضل من الصيغة الحالية التي تستعمل أسطورة "المكونات والروافد". فلماذا لم يعبر أوريد عن تأييده للصيغة الأصلية ما دامت دعوته الأساسية هي وحدة المغرب؟ أليس هذا أيضا مظهرا من مظاهر الغموض في فكره؟
خلاصة القول أن على الحركة الأمازيغية ألا تتحمس كثيرا لمحاضرة أوريد في أڭادير. فتصوراته الحقيقية غير واضحة، وأحلامه لم تلتزم بعد بقضية استرجاع الحق الهوياتي المسلوب.
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع