المقالات

العطري ديماغوجيّا

عبد الله زارو

اليوم، و في برنامجه الإذاعي"تحت الصفر" على موجات "كازا/ف.م" ، طرح السيد ع الرحيم العطري موضوع المجاهرة بالإفطار في رمضان، و الذي ما انفكت وسائل تنقل إلينا أخبارا عن حالات المعنيين به، و الذين تم توقيفهم من قِبل الشرطة قبل إحالتهم على النيابة العامة بمقتضى الفصل الجنائي القروسطي 222 الجدير بمحاكم التفتيش المجرِّم للإفطار العلني ،عندما يقترفه مغاربة مسلمون أو معروف عنهم إسلامهم ، بحسب العبارة السوريالية لنص الفصل.

وبِما أن المنشط الإذاعي معروف بصفته السوسيولوجية، فقد كان يُنتظرمنه أن يطرح الموضوع في السياق العام للحريات الفردية، حرية الصائم في الصوم وحرية المفطر في الإفطار، و في علاقة أيضا بالتحولات الإجتماعية النوعية التي طرأت على بنية القيم والإتجاهات في المجتمع المغربي كنتيجة لتفاعلها مع محيطه العالمي.
لكن ، خاب الظن بالمطلق. فالعطري إختار جبة الواعظ الذي يلوك الرواية الرسمية الكهنوتية نفسها التي تضع المُجاهر في قفص الإتهام دون أن تسمح له بالدفاع عن خياره، وتُلبس الصائم عباءة الضحية المطلق أمام "استفزازه(كذا).
خان العطري وظيفته السوسيولوجية، فراح يُوجه النقاش ،منذ البداية، في هذا الإتجاه كأي رجل دين سطحي، أو فقيه قانوني يردد صدى القوانين ولو كانت تضرب عرض الحائط بالكرامة الإنسانية وبمفهوم الحق في المواطنة غير القابل للتصرف والتجزيء و الإنتقائية الفجّة.
وكم كان الشاعر و الصحفي ع الحميد بن داود صادقا و لمّحا عندما قال في شذرته الإبداعية يوما: " تطالبوننا دوما باحترام القانون، لكن لا تطالبون أبدا القانون باحترامنا".
خان العطري الروح النقدية للسوسيولوجيا وانشراطها بالموضوعية الصارمة غير قابل للمساومة، ووجوب الوقوف على مسافة واحدة من المواقف والإتجاهات الإجتماعية المتباينة حول الموضوع الواحد. إذ ليس من مهام السوسيولوجي في العالم كافة الحكم لها أو عليها، بل "مهنته" هي النبش فيما تنطوي عليه مؤشرات دالة على المسارات التي تسلكها أو ستسلكها الحركية المجتمعية سواء أراد "العطري" أو لم يرد. هو ذا مضمون درس دوركايمي دائم الراهنية.
ولأنه أتي إلى الدردشة في الموضة بنيّة الخيانة ، فقد بدأ يتساءل عن "الخفي" والطلسمي في ظاهرة تزايد الأصوات المنادية بالحريات الفردية في المغرب، ومنها حرية عدم الصوم والمعتقد والقُبلة المثلية الجنسية وما شابه من السلوكات التي كانت ،إلى عهد قريب، غريبة، بزعم العطري، عن أخلاق مجتمعنا "المتماسك" ، علما بأن الطبق الشهي للسوسيولوجي هو الغريب والنشاز ةالخارج عن المألوف إلا عند الرجل الذي راى فيه جسارة و افتئاتا على الأخلاق العامة(كذا) هذا. إلى الحد الذي استغرب فيه "السوسيولوجي بلا سوسيولوجيا" من تحول الفضاء العمومي حقا إلى فضاء "همومي" في فرقعة من مفرقعاته الكلامية التي يريدها مفاهيم سوسيولوجية مؤسِّسة للهباء واليباب مباشرة على الأثير..
وبما أنه مارس التضليل ،منذ البدء، بانتحاله صفة المنشط من درجة عالم اجتماع، فطبيعي أن يُدمن استعمال بعض العبارات التمويهية التي توهم المتلقي بأن دافعه لطرح الموضوع هو فهم الظاهرة وتقدير أبعادها. في هذا الإتجاه، أمعن في التساؤل كالآتي:
إلى أي شريحة اجتماعية ينتمي دعاة حرية الإفطار العلني ، ومعها الحريات الأخرى الصادمة لثوابت المجتمع، هل إلى القشدة الإجتماعية أو إلى القاع الإجتماعي (مفرقعتات أخريان من مفرقعاته السوسيولوجية)؟ ألا يمكن القول ،بالأحرى، بأنهم من "القشدة" أي من الذين توفرت لهم كل سبل الإستقرار الإجتماعي من سكن لائق وسيارة فاخرة وراتب محترم، ولم يبق لهم إلا تجريب الممكن والمستحيل و البحث عن مجالات أخرى يحققون فيها تصورهم غير الإجتماعي للحرية الفردية؟ ثم ألاَ تنتهي كل حرية عندما تبدأ حرية الآخرين ، كما تقول المقولة المعروفة؟
بمثل هذه التساؤلات التي توهمنا بانطباع رغبة طارحها في المعرفة لاغير، وهي مفخخة في باطنها بأحكام مسبقة و قيمية تُوجِّه مسار النقاش مع المستمعين، حاول العطري إيهامنا بأنه يطرح الموضوع للنقاش الموضوعي فقط ، لا رغبة في تمرير "الجاهز" حول الموضوع أي الرأي الرسمي، و الإنتصار للموقف العام للعوام.
لكن هيهات، فكيف لاينكشف أمره حتى لمن لم يُؤْتَ الحد الأدنى من المعرفة بمنهجية طرح الموضوعات والظواهر للنقاش في حقل الإنسانيات ومن منظورها؟
فقد كان متقمّصا لجبة الواعظ منذ البدء و كشر عن أنيابه ضد جماعة المستهترين بالقيم المجمتعية ، وفي القلب منهم المُفطرون و المنادون بتوسيع الحريات الفردية في هذا البلد المنكوب منذ زمان. ومنكوب أيضا بنخبه الحربائية المهادنة حد التقزز، بالمقابل، مافتئ يربت على كتف المؤمنين الصائمين المحتسبين المظلومين باستفزاز المجاهرين بالفحشاء، ولسان حاله يقول: صبرا ، صبرا ، آل صائم، فموعدكم الجنة". مهما تجبّر هؤلاء وهم يجاهرون بالفحشاء حين يفطرون وحين يلبسون وحين يُقبّلون صويحباتهم في الفضاء العمومي، قبل أن يُصبح هموميا بظهور هذا الرهط من الوقحين في مجتمعنا المحافظ(كذا). هو ذا لسان حال العطري ، من وراء كل تظاهر بالجدية العلمية والسوسيولوجية المفترى عليها.
أفظع من ذلك، فبدل أن يطرح "السوسيولوجي بلا سوسيولوجيا" الظاهرة في سياق التحولات المجتمعية و التفاعل المغربي مع محيطه الحقوقي والسياسي دوليا، راح مرة أخرى يستدعي "نظرية الموامرة" عندما حديثه لما أسماه "وراء الأكمة ما وراءها" . إذْ إستكثر على المواطنين أن يثوروا على الإضطهاد باسم الدين في رمضان وغيره، فراح، في نبرة تأكيدية، يُروج لفكرة تحريك أطراف خارجية لهم خصوصا من خلال خرجات المجاهرة بالإفطار في كل رمضان...فـ "النّاس خدّامة" بتعبيره الدارج، وتريد شرا بهذا البلد الآمن، وتتربص بأمنه الروحي (كذا) أناء الليل و أطراف النهار، فالمفطرون لم يكونوا أبدا مشكلة في المغرب لأنهم كانوا أحرارا في الإفطار في بيوتهم(لاحظ كيف يحصر العطري حرية المواطن في بيته و يقولها بنبرة فيها تجمّل ومنة كأي عُصابي إسلامي) ، وما إلى ذلك من التصريحات الديماغوجية التي أطلقها العطري وهو في أوج التعري الكامل ، لحظة سقوط "ورقة التوت" السوسيولوجية عن عورته الوعظانية ووجهه المخزني الكالح.
بهذه القراءة البوليسية إذن الملفوفة في غلالة من الوسواس القهري، ستغدو كل المطالب الإجتماعية القطاعية الملحة طابورا خامسا يحركه طرف خارجي: تنمية وضع المرأة، ترقية اللغات الوطنية، ملكية برلمانية، تقليص صلاحيات الملك، إحترام حقوق الإنسان، تجريم التعذيب وتشغيل الخادمات و الأطفال...لو سايرنا منطق التآمر هذا ، فسنخطئ مرتين:
-مرة لأننا سنعتبر المجتمع ستاتيكيا طالما لا تبرز على سطحه الراكد مطالب اجتماعية جديدة، والحريات الفردية منها، وسنستكثر على المواطنين أن تكون لهم قدرة ذاتية على ذلك،
- و سنخطئ مرة ثانية لأننا سنعتبر كل مطلب ينادي بتغييرما في الواقع أو في الترسانة القانونية نتاجا لتحريك خارجي، مؤامرتي، ما يعني الإتهام المسبق ،و بلا دليل، لكل لنشطاء في سبيل تجويد مظهر من مظاهر الحياة بالتهمة الجاهزة للعمالة والخيانة والتآمر، هدفهم الخفي هو زعزعة استقرار البلد وأمنه الروحي، أسوة بالتهمة المكرورة و البليدة ضد الترويج لدين آخر غير الإسلام، تهمة "زعزعة عقيدة مسلم". وبذلك سنحكم وفي استعلاء كهنوتي او أكاديمي، وهما سيان، على هذا الشعب بالقصور الدائم الموجب للوصاية الأزلية عليه.
مافتئ العطري يلوك المقولة المستهلكة حتى القرف: حريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الغير، عاملا على توظيفها السطحي على ما يريد ،سلفا، الإنتصار له في "حلقته " الإذاعية لكي تغدو كالآتي:
حرية المفطر تنتهي عندما تبدأ حرية الصائم، وهو ما يعني أن حرية الصائم ستنتصر في النهاية على حرية المفطر في الإفطار لتحزم حرية المفطر أغراضها و تطلق ساقيها للريح لتمارس نفسها بين جدران البيت. لكن ، لم يخطر ببال الواعظ السوسيولوجي أن اللعبة اللغوية قابلة للقلب وستغدو حينها: حرية الصائم تنتهي عندما تبدأ حرية المفطر، لتكون الغلبة هذه المرة لصالح حرية هذا الأخير. ولن نخرج أبدا من هذه الحلقة المفرغة لأنها مختلة من الأساس بفعل سوء النية في تعريف الحرية، ذلك أنه في الحالين ، ثمة خلل في تصور الحرية لا يمكن إلا أن يؤدي إلاّ إلى صدام بين حريتين، لا إلى تعايشهما طالما المعادلة محكومة ببدء و انتهاء غير متزامنين، بل و متعاقبين على نحو يبدأ فيه زيد عندما ينتهي عمرو ليبدأ عمرو في الوقت الذي يكون فيه زيد قد انتهى، ما يحكم على السباق كله بسرعتين غير متكافئتين. وهو ما لن تستقيم معه المقارنة أبدا. وطبيعي أن يكون هذا اللاتكافؤ بين المفطر والصائم لفائدة هذا الأخير، وهو المآل الذي يسعى لاشعور العطري للإنتصار له في هذه القسمة الضيزى. فكان له ما أراد طالما تقمص شخصية القاضي والضنين معا ، الخصم والحَكَم في هذه التبوريدة الإذاعية على إيقاع منفرد .
والصواب هو القول: لا تنتهي حرية المفطر و لا الصائم عند بداية حرية كليهما بل تستأنف المسير في تعايش و احترام متبادل ترعاه وتضمنه الدولة المربية لا الدولة المارقة التي لا زالت تتشبث بفصل جنائي جدير بمحاكم التفتيش في ترسانتها القانونية له رقم محدد هو : 222.
كثيرا ما اشتكى العطري من الإختلالات في المجتمع ، ولم يدرك بأن الخلل الكامن في هذه المقولة الملتبسة واحد منها، وهي سبب شيوع اختلالات في السلوك وفي تنزيل الحريات و نقاط التقاطع الحاصلة بينها. فالخلل الذهني مسؤول عن الإختلالات المجتمعية مسؤولية مباشرة، وقبل أن تندلع الحروب في الواقع العياني تنقدح شراراتها في العقول والمشاعر والخلفيات القاتلة.
والحال أن العطري طيلة حلقته الدعوية / الوعظية كان يسوّق لهذا الخلل الذي جعله يظهر بالمكشوف في هيئة "المختل" أي غير المتزن عند تناوله لموضوع خلافي ، أعتبره اليوم ،وبلا مبالغة، محكا حقيقيا للدولة يُختبر فيه صدق مسعاها نحو التقدم و الإنخراط في العصر أو النكوص الدائم من خلال اللعب البهلواني والسكيزوفريني على المتناقضات و التذبذب الإنتهازي بين تقليد فج وحداثة مُهجّنة ، مخدومة.
و بما أن العطري يوقّر "المخزن" جدا، وهو المعروف في كواليسنا السوسيولوجية بـ سوسيولوجي للاّ إيمان" ، وهي صيغة استعارية لمهادنته للسلطة، فهو لم يكلّف نفسه استحضار أم المصائب في النازلة كلها، وهو الفصل الجنائي 222 المجرم للأفطار في رمضان. وكسوسيولوجي مزعوم على الأقل، كان عليه أن يسلط "أضواء سوسيولوجية" على جينيالوجيا هذ الفصل، ظروف نشأته، توظيف الحسن الثاني له في سنوات حكمه الأولى للتضييق على المطالب السياسية والإجتماعية لليسار ، مقابل إضفاء إجماع إسلامي مفبرك على المجتمع طيلة شهر بكامله تعزيزا لصفة "أمير المؤمنين" التي كان يضطهد بها خصومه السياسيين في الأشواط الإضافية للصراع معهم أملا في الفوز بالضربة القاضية.
فالأمر، سيد عطري، دُبر ليلا ، والمواطنون ينتظرون منك، كسوسيولوجي، أن تنير لهم العتمات و الرهانات الخفية في الموضوع، والمسار الهيتشكوكي لهذه القبضة الحديدية التي تمارسها السلطة على المواطنين من خلال تطعيم القانون الجنائي الوضعي بجرعات دينية قاتلة للحريات الفردية ومفتئتة في الوقت نفسه على الشريع الإسلامية. تلك الشريعة التي لا وجود فيها لتجريم لإفطار في رمضان يترتب عنه سجن نافذ خمسة أشهر مع غرامة.
هي ذي وظيفة السوسيولوجي، سيد عطري، فبعد الوصف والفهم المشروطين بالموضوعية التامة، ينتقل إلى الفضح والكشف من خلال وضع اليد على المسكوت عنه سياسيا و المكبوت اجتماعيا، و بين هذا وذاك إخراج لواضحة النهار للرهانات التي تحكم حقيقة السلطة وسلطة الحقيقة.
و في كل هذا كان العطري تحت الصفرأسوة ببرنامجه الحامل للإسم نفسه. وكان ما فوق الصفر بكثير في لعبة قراءة الكف و تاشوّافتْ.

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع