المقالات

ضد تدبير الشأن العام بالحس المشترك

 

 

 

بودريس بلعيد

 
فرضية القراءة
 تختلف الدول الديمقراطية عن شبيهاتها في أمور عديدة من ضمنها نوعية الخطاب السياسي المتداول، الذي يعززه القادة السياسيون. ولو حللنا كل الخطابات السياسية لوجدناها تقع بين طرفين: 
طرف يعزز التحليل والنظر الموضوعي واحتساب المزايا والمساوئ والإعلان عن المخططات وأسسها التمويلية وما إلى ذلك مما يسهل المراقبة والتقويم والمحاسبة . وهذا النوع من الخطاب يهمه، بل يهدف، وجود مواطن ممتلك للآليات الفكرية والسياسية التي تمكنه من فهم مختلف التحديات التي يواجهها كشخص وكفرد من المجتمع. بل يعمل السياسي على تمكينه من كل المعطيات لكي يكون قادرا على "حسن" الاختيار وفق ضميره الشخصي أو التنظيمي يوم الاقتراع السري. ونسمي هذا الخطاب؛ خطاب المواطنة والمسؤولية.
أما الطرف الثاني الذي تنتهي عنده الخطابات السياسية من جهة السلب، فهو الذي ينطلق من قصور أفراد "الرعية" ويعمل على عدم تمكينهم من مختلف الحدود الفعلية للموضوع. بل يعمل على المحافظة على هذه الوضعية والاشتغال بها، لأنها تكرس البون الشاسع، الذي يجب أن يكون – حسب هذا الخطاب السياسي-  بين القدرة على الانبهار والتصديق وانتظار الفرج وبين القدرة على الحكم الفعال المتجه نحو التقدم. ونسميه خطاب القصور والتسطيح.
ونتناول، في هذا المقام، خطاب السيد وزير التعليم العالي في القاعة المغربية بالبرلمان، بمناسبة تنظيم اللقاء الدراسي حول: «الحقوق اللغوية والثقافية والتحديات المطروحة». وذلك يوم الثلاثاء 27 ماي 2014 بمجلس النواب. كي نتمكن من تصنيفه في السلم المتعدد الدرجات، والذي يقع بين خطاب الحس المشترك وخطاب المواطنة والمسؤولية.
بدأ السيد الوزير خطابه بما أخبره به أحد سكان منطقته وبالأمازيغية قائلا: "ويد نا يسسقران تاروا نسن ﮔ لبيعتا لفرنسية و لميريكانية، ران اخ أنقرا ثامازيغث. أﮔذ مي دا نسيول س ثمازيغث؟ أﮔذ لقرود؟! وقبل أن يكمل قوله ، ودون أن يحتج عليه أحد، طمأن الجميع بأنه سيترجم. وكانت الترجمة كالتالي، تقريبا: "هادو لي تيقريو ولادهم فالبعثة الفرنسية والأمريكية، واحنا كنقراو الامازيغية، مع من غادي نتكلمو الأمازيغية؟ مع لقرود؟! ثم تحدث عن دراسة علمية إسبانية (فيما وصل إلى مسامعي) تنبأت بموت كل لغات العالم باستثناء الإنجليزية والصينية والعربية والاسبانية. ثم لاحظ أن "الأمازيغية التي أتكلمها ليست هي الأمازيغية التي يدرسونها... وأنا لا أفهم الأمازيغية" هذه. ثم تساءل: "كم من مواطن مغربي، حول هذه المائدة، يتقنون الأمازيغية وحرف تيفيناغ؟! وأجاب قائلا: إنها "فئة صغيرة هي التي تتقن تيفيناغ". ملاحظا "أن هنالك خطابا لا يتقنه أحد"، كما أن "هناك احتكار للأمازيغية". مقترحا: "باش تولي الأمازيغية متداولة بين الجميع" يجب استعمال الأمازيغية التي يعرفها  هو، أي تلك التي" نبكي بها ونغني ".
 ورغم أن كلمة السيد الوزير كانت الأقصر من بين جميع التدخلات، فإنها كانت الأبلغ من حيث الإبلاغ عن طبيعتها وآليات اشتغالها ونوع المتلقي السياسي الذي تتوجه إليه ونوع التفكير السياسي الذي تكرسه. 
 
المعرفة العامية والمعرفة العلمية
تأسس الوعي الأمازيغي، ضمن ما تأسس عليه، على التمييز بين اللغة واللهجة. وكان ذلك، لوحده،  بمثابة إعادة المغرب "المستقل" ليقف على رجليه، بعد أن تبين عدم مصداقية القول بأن العربية لغة والأمازيغية لهجة، الذي تأسس به "الاستقلال". وكانت هذه الفكرة العامية أساس التخطيط والسياسة  اللغوية المقلوبة.
فمن الناحية التواصلية المحضة ليس هناك فرق بين اللغة واللهجة. وعندما يدرس اللساني(ة) متنا من المتون، فإنه لا يعتبر الفرق بينهما ناجعا (pertinente)، لأنهما يشتغلان بنفس النسقية وبنفس الفعالية ما دامت أطراف التواصل متمكنة  من السنن والقواعد، بالقدر الذي يتيح نجاعته. بل هناك من اللسانيين من يعتبر الفرق بينهما يكمن فقط في انحياز الدولة لإحداهما، فتصير لغة وتشيح باهتماماتها عن الأخرى فتصبح لهجة. فمثلا ليس هناك فرق بين الملفوظين التاليين، بشرط أن يدرس كل منهما في النسق الذي ينتمي إليه أثناء الدراسة الداخلية، دون أن يمنع ذلك من الدراسة المقارنة بينهما:
دور لو وقول لو إلا ما خلصش لكريدي غادي يتسيزا! 
عيط علو وﮔول ليه إلا ما وداش آش كيتسالو غادي نتركوه!
ولكننا، مع ذلك، نتبنى فرقا بينهما يتجلى في أمرين استراتيجيين:
يمكن استعمال الفرق بين اللغة واللهجة ضمن نفس النسق اللساني. حيث يستقيم القول بأن هناك فرق بين اللغة الفرنسية ولهجاتها وبين اللغة العربية ولهجاتها وبين اللغة الأمازيغية ولهجاتها؛
تتميز اللهجات عن اللغة (في نفس النسق) بالكسل والإرتجالية والمحلية. ويتجلى كسل اللهجة في عدم القدرة على مسايرة المستجدات. فعندما يظهر الكائن المسمى (automobile)  يتجلى كسل اللهجة في استعمال كلمة (طوموبيل) بينما تعود اللغة إلى آليات اشتغالها الذاتية فتسمي نفس الكائن سيارة وبالأمازيغية (tihirit). أما الارتجالية ، فتتجلى في القول (طوموبيل) وتارة (طوموبين) وتارة أخرى (طانوبيل). أما المحلية، فنعني بها أن المسايرة تتم بناء على إدراكات ذاتية لا تستحضر نفس اللغة وعبقريتها، كما هو الحال مع الهدف في كرة القدم، الذي يسميه أحد المذيعين ب"الأمازيغية" (غول) والثاني (بيت)، دون حسيب أو رقيب يفتح باب تأهيل الأمازيغية.
وعلى هذا الأساس نقول بأن دعوة السيد الوزير إلى استعمال المدرسة للأمازيغية التي يفهمها، تعني أنه يطلب من المدرسة أن تروج لما يقابل، بالعربية، الملفوظ التالي:
"إذا كان الناس يدرسون أبناءهم في ليميسيون فغونسيز وأميغيكان فمع من سنتحدث العربية؟ هل مع لي سانج؟".
إن هذا النوع من الملفوظات في مقابلها بالأمازيغية هو ما يريد السيد وزير التعليم العالي من المدرسة أن تدرسه للتلاميذ  في درس الأمازيغية! ما حاجتنا إلى المدرسة والإعدادية والتأهيلية والجامعية إذا كان الأمر لا يحتاج إلا إلى السليقة والحس المشترك! إن ما يزعج في هذا الرأي هو التمييز. فإذا كان هذا المنطق مقبولا في العربية كان بالإمكان قبوله في الأمازيغية. وإذا كان مستهجنا في العربية، فإنه كذلك بالنسبة للأمازيغية.  
وبناء، فإن الأمازيغية التي يتحدث بها السيد االوزير ويفهما هي لهجته المحلية، التي تضيق بقدر انغلاقه على محليته وانجذابه نحو الاقتراض (ويسميه الإيديولوجيون الاستيلاب)، والتي تتوسع بقدر انفتاحه على محليات أمازيغية أخرى (من موكادور إلى سيوا) واستعمال آليات اللغة الأمازيغية الطبيعية في الاشتقاق والتوليد والنحت. إنها المعين الذي لا ينضب والذي يمكن الأمازيغية من تجاوز الكسل وضرر الانزياحات والتشتت والعمل على تفعيل التواصل بين الناطقين باللغة الأمازيغية بشكل جيد وفعال ودقيق وقابل للتطوير اللغوي والفكري.
إن على وزير التعليم العالي ، ولست هنا أكثر من مواطن يطالب بحقه في خطاب سياسي، ألا يحتقر ذكاء المغاربة وأن يخاطب الناس برحيق الملفات المدروسة في مرافق الوزارة، بدل الترويج لأفكار الحس المشترك. لقد  كان من الأولى بالسيد وزير التعليم العالي أن يخبر الحضور بزبدة نقاش موضوع الأمازيغية في أجهزة حزبه (ابتدائيا) وبما آلت إليه تلك النقاشات مع أحزاب الائتلاف، في البرنامج الحكومي، ووزارة التعليم العالي بشكل خاص (تفاعليا). لأن في هذا النوع من الخطابات السياسية سيجد فيه المساند لسياسة الحكومة ومعارضها على حد سواء، المعطيات الضرورية لبناء موقف مؤيد أو معارض ينتج عن كل منهما تقدم في طرح الموضوع وإيجاد الحلول الأكثر نجاعة له. وخصوصا المساهمة في بناء فكرة الإنسان المغربي(ة) الذي يفكر، والذي يمكن أن يكون له رأي مؤسس ومسؤول ... وخاص، توصل إليه بتعقل المعطيات الكافية والصحيحة.
 
"التبشير" بالانقراض والاشتغال على الإبادة 
تحدث السيد الوزير عن الدراسة "العلمية" (والحال أن العلم يفسر الظاهرة ويتنبأ بحدوثها كلما اكتملت عناصرها) التي تنبأت بموت كل اللغات باستثناء الأربعة المحظوظة. وعلى هذا الأساس، ولكي تكون الدراسة علمية، فعليها استقصاء أسباب انقراض اللغات السابقة والتقرير بأنه كلما تكررت الأسباب تكرر الانقراض بالنسبة لأي لغة كيفما كانت. ونحن نعرف أن أسباب الانقراض الرئيسية تتلخص في أمرين على الأقل:
سياسة ممنهجة للتقتيل والإبادة من طرف الدولة، على غرار ما نعرف من الإبادات الناتجة عن الاستعمار؛
غياب نخبة ثقافية وسياسية تحمل مشروعا للنمو والتطور اللغوي والثقافي، ضمن مشروع مجتمعي أعم وتناضل من أجل تسييده. 
حيث نحصل على الانقراض بترجيح السبب الأول بشكل دال وعدم فعالية السبب الثاني بشكل دال أيضا. أما السيد الوزير فقد قدم نتيجة الدراسة (التي لم أتمكن من التحقق من حيثياتها... لعدم حاجة المقام لذلك) بشكل تقريري ومطلق. والحال أنه كلما تغيرت الأسباب كلما تغيرت النتيجة. إذ كلما كان النضال من أجل البقاء "مستميتا" كلما تم إفشال المشروع الاستعماري، دون أن يتم تكذيب الدراسة العلمية: لأن العلم يقول كلما تكررت الأسباب تكررت النتائج.
إن الأمر لا يتعلق بانقراض، تعود فيه اللائمة على الضحية، بل يتعلق الأمر فعلا وفعليا بسياسة الإبادة التي تتمثل في انحياز الحكومة السافر للغة وتشجيع التداول بها وفيها بمختلف المحفزات وإهمال الأمازيغية وتهميشها واحتقارها لتنفير الناس منها وتشجيعهم على استبدالها، أي إماتتها!
ويبدو من خلال النبرة التقريرية التي قدم بها السيد الوزير هذه النتيجة، أمرين افتراضيين على الأقل:
سعادته بعدم انقراض العربية، وهي سعادة أقتسمها معه، ولا يمكن إلا أن يتقاسمها معه كل أبناء جروم. ألم يكونوا، مع الفرس والأكراد، المثقفون الأعاجم الذين أعلوا شأن العربية، رغم كل أشكال التنكر!؟
عدم أسفه على الانقراض المرتقب للأمازيغية، وهو أمر لا يسعدني أن أتقاسمه معه ولا مع أي كان ومنتميا لأي لغة كيفما كانت.
وإذا كان الانقراض لا يسعدني بالنسبة لأي لغة كانت، فإن هذا الانقراض الافتراضي للأمازيغية هو الذي جعلني أشعر دائما بالسعادة، بمعناها العلمي والوجداني، عندما أشعر أنني أقدم خدمة لمكونات الوطن اللغوية والثقافية، بما فيها الأمازيغية. 
إن المؤشرات المتوفرة اليوم حول السياسة اللغوية والثقافية للحكومة الحالية تبين أن قيادة هذه الأخيرة قد حجزت فعلا تذكرة الانقراض للأمازيغية ولا تنتظر غير ركوب القطار، لكنه قطار لا يتحرك بمشيئة المدمرين فقط، بل بمشيئة محبي الحياة أيضا! يتعلق الأمر بالإرادة المغربية، التي تترجم في سياسات الحماية  والنهوض. وهذه السياسات هي بالتحديد الرد العملي على رغبات التقتيل والإماتة. 
ولأنني متأكد من أن الأمازيغية لن تنقرض ما دمت حيا، (والأنا هنا ليس الفردي فقط بل المشروع المجتمعي)، فإنني أرى من واجبي أن أثير الانتباه إلى أن ضرورة النهوض بالأمازيغية يعتبر شرطا ضروريا للنهوض بالإنسان المغربي (وقد يحتاج تبيان ذلك بالتفصيل إلى مقام آخر).  وعندما نتأكد نحن المغاربة والشمال إفريقيون، بأننا لم نوفر جهدا من أجل النهوض بذواتنا، آنذاك يمكننا أن نموت، بعد أن فشل الرومان والبيزنطيون والوندال والفرنسيس والإسبان والبرطقيز في إبادتنا. وعندما ننقرض، يمكن للأمازيغية أن تموت، لكنها ستموت واقفة!
 
المعيرة وتسهيل التواصل وتجويده
تتمثل رغبة السيد الوزير في القيام في تسييد اللهجات "باش تولي الأمازيغية متداولة بين الجميع". والحال أن التلهيج يسير في الطرف المناقض تماما للتداول بين الجميع. ذلك أن التلهيج يقوم على تضخيم الفروق الطفيفة، فكيف له أن يحقق "التداول بين الجميع". لأن ما يعتقده السيد الوزير بأنه "الجميع" ليس إلا ما هو متداول في مدشره، وهو مشروع في السياق المناسب له. وإذا أضفنا إلى ذلك أن التلهيج يجعل الاقتراض قسريا ومزاجيا، تأكدنا أن الأمر يتعلق بدعوة للانتحار: قسري، لأن غياب المؤسسة الرسمية، التي تحمي اللغة الأمازيغية وتعمل على النهوض بها من خلال ممارسة النحت المساير لتطور القاموس العصري، يجعل هذا الاقتراض قاتلا! والدليل على ذلك أن كلمة ibughas)) قد ماتت في ملفوظ السيد الوزير واستبدلت بالقرود. 
أما المزاجية فهي العائق الثاني الذي يمنع "التداول بين الجميع". فكيف سيتفاهم المتحدث من الشمال والوسط والجنوب، والأول لا يعرف غير (النبيرا) والثاني لا يعرف غير (لفريجيدير) والثالث لا يعرف غير (التلاجا)، علما أن الكسل قد فعل فيهم فعله وحال دون أن ينتبهوا إلا أن الجذر الأمازيغي الذي يجب أن ينطلق منه الاجتهاد والنحت هو (smd). وهو ما يتيح الشفافية في إدراك طرفي التواصل من أن للآلة علاقة بالتبريد وما يدخل في حكمه. 
 
الانفصام في العربية وفي الأمازيغية
يتعلق الأمر بالتباين الملحوظ بين لغة التداول اليومي والعربية المعيارية (المسماة خطأ أو تغليطا بالفصحى، لأن صفة الفصاحة لا تقع على اللغة بل على متكلمها!). وهو الأمر الذي يعممه السيد الوزير على الأمازيغية المعيارية (التي يمكن أن تسمى خطأ أو تغليطا بالفصحى، لأن صفة الفصاحة لا تقع على اللغة بل على متكلمها!)، حيث يلاحظ تفاقم ما يوجد من "انفصام في العربية". بمعنى أننا نعاني من انفصال العربية المعيارية عن لغة اليومي والمعيش، فلماذا نزيد الطين بلة بدفع الأمازيغية المعيارية إلى الانفصال عن اليومي والمعيش؟!
السؤال الذي يتوجب طرحه هو: هل يتعلق الأمر فعلا "بانفصام في الأمازيغية" ؟ إن منطلق الجواب يكمن في اختلاف المسارات التاريخية بين العربية والأمازيغية فيما يمكن تلخيصه بأن العربية تطورت من لهجة قريش إلى لغة وفعل فيها تاريخ اللهجات فعله الذي هو حالتها الراهنة. أما الأمازيغية فيتمثل مشكلها في كونها لهجات تصبو إلى الفعل الخلاق في بوتقة الأمازيغية المعيارية. فإذا كان الأمر يتعلق بمعطى بالنسبة للعربية فإن الأمر بالنسبة للأمازيغية ما زال مجرد إرهاصات أولية. 
وبغض النظر عن هذا الفرق القاعدي، فإنني أعتقد أن زاوية نظر السيد الوزير هي زاوية الحالة الراهنة السكونية، وهي التي لا تمثل غير جانب واحد من نصف الحقيقة. ذلك أن وضعية الهشاشة التي تؤدي إليها السياسات اللغوية العنصرية والتمييزية قد جعلت الأمازيغية عرضة لاقتراضات قسرية وغير مبررة، كما أدت إلى تعطيل آليات الاشتغال الطبيعي لها من حيث الاشتقاق والتوليد والنحت وما إلى ذلك.
لذلك، من الناحية الإيجابية، يشكل تنشيط الإمكانيات الطبيعية للأمازيغية أحد إجراءات المعيرة. وعندما يتم ذلك سنلاحظ مع السيد الوزير أن هناك انفصالا مؤقتا بين اليومي والمدرسي. وفيما يلي ملفوظ يجمع بين الاقتراض وتفعيل آلية الاشتقاق:
Ass a, sghigh lktab, nna agh inna lmuàallim.
Ass a, sghigh adlis, nna agh inna uslmad.
وتقسم النظرة السكونية، من حيث الأفق، إلى انفعال سلبي وتفاعل إيجابي. أما السلبي فهو تأويل ملاحظة الانفصال بأنها صفة سلبية في الأمازيغية؛ أي أنها لا تستطيع "مواكبة العصر". وينتج عن هذا التقرير، من الناحية السياسية، أن علينا أن نستعمل فقط:
Ass a, sghivgh lktab, nna agh inna lmuàallim.
أما الجانب الثاني من نصف الحقيقة فهو التفاعل الإيجابي، ويتمثل في تأويل نفس الملاحظة بكون الأمر يتعلق بإنعاش كل المكونات الطبيعية وآليات اشتغال الأمازيغية ؛ أي أن مشاكل المعيرة في الأمازيغية لا تختلف عنها في أية لغة يريد متكلموها أن يتطوروا في تطورها وأن تتطور بتطورهم. وينتج عن هذا التقرير، من الناحية السياسية، أننا يمكن أن نستعمل الملفوظ التالي:
Ass a, sghigh lktab, nna agh inna lmuàallim.
الذي يمكن أن يتطور إلى:
Ass a, sghigh adlis, nna agh inna lmuàallim.
أو أن يتطور إلى:
Ass a, sghigh adlis, nna agh inna uslmad.
في الحياة اليومية، مع الانخراط التدريجي والتفاعلي بين أطراف التواصل. على أن تستعمل الدولة اللغة المعيارية، شأن كل الدول في العالم، في الإدارة والتعليم والإعلام والفضاء العام، أي مختلف الدواليب الرسمية، مما يجعل الدولة لا تستعمل إلا:
Ass a, sghigh adlis, nna agh inna uslmad.
وعندما لا يعرف أحدهم معنى (adlis) أو (aslmad) لأنه لم يدرس الأمازيغية، فإن محاربة الأمية تتدخل على الخط لخلق (la mise à niveau) الضرورية.
وبذلك تكتمل زاوية رؤية الحالة الراهنة، التي تشكل النصف الأول من الحقيقة. أما النصف الثاني فتكمله زاوية النظر الديناميكية، أي تلك التي تأخذ بعين الاعتبار السياسات اللغوية والثقافية المتشبعة بالنهوض اللغوي والثقافي والتي تعمل على التخطيط له وتقييم نجاحه وضبط خطواته. ومن خلال هذه الزاوية الديناميكية، يمكن تصور البرامج الإذاعية والتلفزية (المتخصصة) في التبسيط والشرح والتفسير والاعتبار وإعادة الاعتبار كرافعة تلتقي بالجمهور الواسع. كما يمكن تصور تكوين المفتشين والأساتذة والمديرين. وعلى نفس الغرار يتم تكوين مختلف موظفي الإدارات الحكومية والشبه الحكومية والخاصة. وبذلك فقط يستقيم مفهوم "والأمازيغية كذلك لغة رسمية".  
 
الاحتكار كذريعة للتدمير
يقول السيد الوزير كمعظم أعضاء حزبه وكل المعاديين للأمازيغية كلغة وتاريخ وثقافة: "هناك احتكار الأمازيغية"! والمعنى الحرفي للاحتكار هو وجود الأمازيغية (حرفا أو لغة) بين أيدي ما يشبه "الشناقة" بحيث أن وصول غيرهم للأمازيغية يكون أمرا صعبا. وهذه، لعمري، من أكبر المغالطات السياسوية! فالأمازيغية وحتى عدما كانت شأنا جمعويا وأمرا مرفوضا من الجهات الرسمية لم تكن محتكرة بل كانت مفتوحة على الجميع وأتحدى من يثبت العكس. فما بالك اليوم عندما أصبحت شأنا وطنيا بنص الدستور؟ ناهيك عن أنها موجودة (سواء تعلق الأمر بتيفيناغ كخط أو بالأمازيغية كلغة) في المدرسة وقناة "الأمازيغية" واللوحات الإدارية لبعض المؤسسات الرسمية. لذلك نعتقد أن ما يسميه السيد وزير التعليم العالي بالاحتكار يتميز باللاتناسب بين الموضوع والصفة. ونوضح ذلك تفصيلا بما يلي:
في شكلها الحديث، يمكن لأي كان، ولو كان راشدا، أن يتعلم حروف تيفيناغ في مدة ساعتين، والحديث هنا، مؤسس على تجارب متعددة! ومن الدلالات المستحدثة "للوطنية" هي عدم قدرة بعض المسؤولين على تدبير الشأن العام الوطني، كتخصيص ساعتين من عمرهم لإنهاء هذا "الاحتكار"! واسألوا من مر بهذه التجربة الوطنية إن كنتم لا تعلمون؛
إن ملاحظة أن قلة قليلة من المحيطين بالمائدة لا يعرفون تيفيناغ لا يمكن توصيفه بالاحتكار، بل الأولى إبداع نعت يليق به. على أن يشمل ما يلي: عجز الدولة، بالمعنى المعياري والدارج، بمؤسساتها التعليمية والإعلامية والإدارية، على التغلب على أمية حرف لا تتعدى مصاريفه ساعتين من الزمن!
أما التسمية الفعلية لهذا العجز (بالمعنيين معا) فهو الحصار المضروب على تيفيناغ متمثلا في شحذ التلكؤ البيروقراطي في التعليم والاستعلاء الانتحاري في الإعلام والإدارة من أجل نسيان لا يقبل أن تتجلى أمامه هويته، لأنه الفاعل الفعلي لإماتتها!
وبخصوص تصريف هذا النعت في زمن الوطنية والوطن والمواطنة والتوطين الثقافي لمكونات الهوية المغربية، يجب الاستغراب من مغربي (وشمال إفريقي) يستكثر على المغرب تخصيص ساعتين من وقته، كمواطن وبشكل أكثر إلزاما كوزير، لاستكمال جوانب من انتمائه اللغوي والثقافي! بل يهرب إلى الأمام صارخا: إنه الاحتكار!
 
المدرسة المفقودة في المغرب (وشمال إفريقيا)
نقصد بالحس المشترك، نوعا من المعرفة يلتصق بالمباشر وبالسطحي. بالمباشر لأنه لا يستطيع أن يأخذ المسافة اللازمة لممارسة التفكير من الفهم إلى النقد والإبداع. وسطحي لأنه يقتنع بالمعطى في صيغته الأولية ولا يبحث له عن جذور أو أسباب أو تداعيات. والحس المشترك  بهذا المعنى هو ما يتمثل في أفكار تبدو مقبولة عند الجمهور رغم أن خاطئة بمعيار التمحيص. ويمكنها أن تظهر عند الطبيب أو المحامي، في المواضيع التي تقع خارج تخصصه (إذا لم ينجح لنيل لقبه الأكاديمي بالنقل بدل العقل) أو غيرهم.  
إن الفرق بين الذي يلتحق بالمدرسة وغيره يكمن في شيء واحد هو التعلمات المنظمة التي تربط العلاقة الجدلية بين الواقع وتفسيره للتمكن من تغييره نحو الأفضل، وهو الأفضل الذي لا ينتهي ويركب طريق من الحسن إلى الأحسن. والواضح أن السيد الوزير لم يتمكن بعد من بناء تعلماته بخصوص اللغة الأمازيغية. لأن الموضوع الذي نحن بصدده هو اللغة الأمازيغية التي تشتغل بشكل طبيعي وتستعمل إمكانياتها الذاتية في الاشتقاق والنحت والتداول، وهذا ما يعلمه درس اللغة الأمازيغية للتلميذ(ة). والملاحظ في هذا الإطار، وبإجماع كل الملاحظين،  هو أن التلميذ(ة) يستوعب حرف تيفيناغ في زمن قياسي ويتملك اللغة الأمازيغية في زمن قياسي، رغم أنه يدرس الأمازيغية في ظروف لا مثيل سلبي لها في العالم أجمع. إذ نجد التلميذ يفهم أكثر من الأستاذ والأستاذ يفهم أكثر من المفتش والمفتش يفهم أكثر من الوزير والوزير يعمل بكل ما أوتي من قوة إلى تقليص المكتسبات في اللغة الأمازيغية بقدر دعوته للتعجيل بانقراضها!
إن استعمال الحس المشترك، باعتباره الحقيقة، والاشتغال به، باعتباره الآلية الناجعة للتعبئة الجماهيرية يشكل دليلا قاطعا على أن الدولة ليست في حاجة إلى تقوية أشكال التفكير الممنهج في المجتمع الذي تتحكم فيه وأن هذا التحكم يتناقض مع استقلالية تفكير أفراد المجتمع! إن من المؤسف حقا أن يغطي الحس المشترك على أهمية موضوع حضاري،  يسجل في أعلى قائمة جدول أعمال حركات التحرير من التخلف والتبعية والسخرة ويحوله إلى مجرد انطباع أو إحباط شخصي ناتج عن عدم تسمية درس الأمازيغية لـ (ibughas) بالقرود. 
لذلك تفرض علينا التأملات أعلاه أسئلة مخيفة، من قبيل:
هل آل التفكير السياسي، بخصوص الحقوق اللغوية والثقافية، إلى مجرور من طرف الحس المشترك بدل أن يكون هذا التفكير قاطرة لدعم مختلف أشكال التفكير المنظم في المجتمع؟
ما معنى أن لا تساهم وزارة التعليم العالي، بشكل "ريادي"، في هذا المشروع الحضاري، وهي التي من المفترض أن تكون قاطرة المجتمع في المعارف الأكثر تحيينا، والأكثر إبداعا وإنتاجا؟ 
هل يعتبر هذا النوع من الخطابات أفضل ترمومتر لقياس الانحدار الذي يمثله تداول معارف الحس المشترك، وقبل ذلك وبعده مقياسا دالا على الدرجة التي وصلها تبخيس مكونات الوطن اللغوية والثقافية واستكثار التقدم والازدهار عليها؟
 
خلاصة القراءة
من سوء حظنا، أو ربما غير ذلك، أننا ما زلنا تحت رحمة الخطاب السياسي المؤسس على الحس المشترك وأبعد ما نكون عن الخطاب الهادف إلى "وجود مواطن ممتلك للآليات الفكرية والسياسية التي تمكنه من فهم مختلف التحديات التي يواجهها كشخص وكفرد في المجتمع". أي أننا بعيدون عن خطاب المواطنة والمسؤولية ومدثرون بخطاب القصور والتسطيح السياسي.
إن الحكومات المعبرة عن آمال الشعوب التي انتدبتها لتسيير الشأن العام مؤقتا، تستخدم العلم والوجدان (لا إفراط ولا تفريط) من أجل معيرة لغاتها، لأن المعيرة، على الأقل، تتصدى لأمر خطير وتنفع في أمر في غاية الأهمية:
التصدي لدعاة الانقراض:  والموضوع، هنا، يهم العمل لبناء استراتيجية وطنية (ديال بصح) تعمل على تحييد العنصرية والتصدي لاحتمال الانقراض والعمل على توقيفه عند حده وعدم السماح له الوصول لمكونات الهوية المغربية، ومنها دون تمييز الأمازيغية. لأن مسار تطور التلهيج هو الانتقال من: "أسا سغيغ لكتاب نا اغ ئنا المعلم"، إلى: "النهارا شريت لكتاب لي ئناغ لمعلم" إلى " هاد النهار شريت لكتاب لي ﮔال لينا المعلم". وهذا بالضبط هو ما يميز مسار الحماية والنهوض بالأمازيغية عن غيره من المسارات التي تسبح بالانقراض وتعمل من أجله.

 

بناء الذات بمجهودات الذات والإنصات للتجارب الإنسانية: إن الأمر أكثر بكثير من استبدال كلمة بأخرى، لكونه  يتعلق بمشروع حضاري شرعي ومشروع وكبير في حجم العبقرية المغربية والشمال إفريقية، يقزمه الحس المشترك في "الشينوية" و"لا أفهم"! إن الأمر يتعلق بامتلاك أداة للتواصل بين الناطقين بالأمازيغية بغض النظر عن أي اعتبار زماني أو مكاني. وللتبسيط، فإن هذا المشروع يشمل تطوير اللغة الأمازيغية وتطوير التفكير بها والانتقال بهما من مستوى التواصل العامي إلى التواصل المتسم بالاقتصادية والدقة والفعالية. 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع