المقالات

تسليم افني، وخيبة الأمل ....

 

 

عمرافضن

تختزن  الذاكرة الجماعية لمنطقة افني- آيت بعمران ، حقائق مثيرة ، لتاريخ مثير أيضا ، ورموز  صنعته  أسماء  نتجاهل قيمتها التاريخية  وتركت  لمسات  في استعادة سيادة المغرب .كما تختزن هذه الذاكرة تجربة سياسية مازالت قيد الطمس والكتمان ، ولم يقرأها بعد  أبناء الوطن ، وقائع جديرة للتمعن ، من خلال أرشيف  تصل وثائقه السرية إلى الآلاف ،   تؤرخ لفترة الإدارة الاسبانية للصحراء ، مازلت تحتفظ بها الدولة الاسبانية  ولم ترفع عن سريتها بعد ، دون طبعا أن  تكون للحكومات المغربية المتعاقبة  من جهتها  نية إقناع الدولة الاسبانية لإستعادت هذا الأرشيف ،  مادام أن الأمر يدخل ضمن الذاكرة الوطنية ، وتبقى بعض الكتابات الإسبانية  تؤرخ للمرحلة  يمكن الاستئناس بها  ولو بتوجه كولونيالي ، غير أنها تبقى مفيدة لفهم تاريخ افني . وسنحاول من خلال  هذه الزاوية محاولة ترجمة  بعضها ، والهدف من هذا الإنجاز  هو رد الإعتبار لتاريخ المنطقة ولفهم الماضي من اجل  الحاضر والمستقبل ، مادام أن عدو السياسي يبقى هو المؤرخ ، فلنبدأ بقراءة متأنية  في  تحقيق لكتاب " تسليم سيدي افني أراء ومواقف " .بدء بماحدث في مثل هذا اليوم من 30 يونيو 1969,
 
ـ.قرار تسليم افني  
 
 تسبب  توقيع معاهدة التسليم  سيدي افني إلى المغرب ، في غليان اجتماعي ، على اثر الضجة الإعلامية التي أثارها القرار ، انتقدته الصحافة الإسبانية  ، واعتبرته مهزلة بكل المقاييس ، فتوالت انتقاداتها اللاذعة ،حول طبيعة النقاش الذي كان سائد بالبرلمان  (الكورطيس) ،  وما خلفه  التصويت على القرار  من ردود أفعال متباينة ، خاصة وان فرز الأصوات  أبان عن ترتيبات معدة مسبقا من مسوؤليين إسبان لمعالجة المشكل  ، و رغم ذلك ، التزمت  وسائل الإعلام الإسبانية بنوع من الإستقلالية  في المواقف،  و لم تعاكس توجه البرلمان بشكل علني ،  خاصة وأنها  لم تعطي  للموضوع مايستحقه  ، مخافة أن تتهم  بتحريض الشعب  ، ضد إعلان التخلي عن مستعمرة افني.  من جهتها  تسجل   نفس الصحافة مؤاخذات على المنتظم الدولي ، فتعتبر  تسليم افني  نوعا من الإجحاف وعدم المساواة في قراراتها  ، خاصة وأن هذا التسليم  يعتبر بالنسبة إليها  هدية، إذا ما قورنا  بحالة  الإسبان في نفس الوضع ، وهي مافتئت تطالب بجبل طارق غير أنها تصطدم بموقف المملكة المتحدة المتعنت  (28). 
وعموما، فإن التوقيع على معاهدة تسليم افني إلى  المغرب  يشكل  بالنسبة للصحيفة أمرا ايجابيا  للجماهير الإسبانية ، وفي نفس الوقت يعتبرا قرارا شجاعا ، ومثالا  لدول  يقتدي بها في الإمتثال لقرارات الأمم المتحدة وعلى رأسها  المواثيق الدولية   ، إجمالا يبدو أن المصادقة على وثيقة التسليم  صيغة قدمت على شاكلة تصور لموقف  ايجابي  للرأي العام  الاسباني ،  انفردت به اسبانيا يجب الاقتداء  به في تطبيق التعهدات والالتزامات الدولية  ، وكعرض  كريم  للشعوب المستضعفة ،   ودرس للقوى الاستعمارية الأخرى.  وأيضا ،  في أعقاب هذا القرار ظهر خطاب مزدوج  يختلف عن الخطاب المعتاد للنظام   ينشد بالتقاليد  والروابط العريقة للصداقة الاسبانية  المغربية ،. وشدد بشكل ملحوظ على دلالات ومعنى ذكريات   «الحرب المنسية " مابين فترة 1957-1958 في وسائل الإعلام أو في خطابات النظام إلى  غضون  الأشهر التي سبقت عملية التسليم. و  ما  أعقبه بعد ذلك  من  نقاش استغرق مدة طويلة  حول الموضوع  تم طرحه  على مختلف  المستويات  ،  وفي نفس السياق تم استثناء  خطاب المعارضة وتجاهله رغم أنه كان المهيمن ،و الذي صاغته القوة  الجديدةFuerza Nueva " ، التي رفضت تسليم افني . 
 
 
 جانب من لحظة توديع سكان افني للإسبان في سيدي افني
 
 تميزت المفاوضات مع المغرب بشأن قضية  إفني ، بنوع من التبصر والحكمة  والطاعة أيضا ، حيث تم الإتفاق  بين الطرفين على أن تمر الأجواء بشكل عادي، أثناء تسليم السلط ،  واحاطة مضامينها  بالسرية التامة  ، حتى يتم في نفس الوقت  تسهيل مأمورية  عودة الجيش الاسباني  إلى ثكناته العسكرية (29) . وفي هذا الصدد كتب المؤرخ العسكري غابرييل كاردون ، عن هذه اللحظة  ، وقال عن الجيش :  أن لا أحد "انتقل إلى أماكن المغادرة" قبل التسليم (30). وقد أبانت القوات المسلحة  الإسبانية  عن تبثاها،   وأبانت عن حسن إخلاصها وتقديرها للحظة  بل جدارتها  في الإنضباط.  البيان الرئيسي الذي تمت كتابته ، يتعلق  بالمقيمين الإسبان في المنطقة المستعمرة ، أسبوعية  ،" 
África Occidental Española, A.O.E.",  el Semanario Gráfico de"،الناطقة الرسمية باسم الطوابير العسكرية الاسبانية ،  أشارت إلى بدء المفاوضات  مع المملكة المغربية  في أكتوبر 1968. في 31 ديسمبر من العام نفسه ، وسبق  للصحيفة   أن نشرت  اخبارا  تتعلق  بما يحيط بملف افني من ردود أفعال  وأوردت في نفس الوقت خبر مغادرة الإسبان للمدينة(31). "مجلةReconquista, " ، أو مجلة  الروح العسكرية الإسبانية "، مقالاتها تعكس الحزن والحسرة في فقدان المدينة ، و سوء الفهم الكبير عن الإجراء الذي اتخذته الحكومة الاسبانية  واعتبرته عبثا  وموقفا غير رزين  اتخذته اسبانيا في حق المدينة. و في افتتاحيتها عبر  مقال رئيس تحريرها، العقيد لويس سايز Govantes، لاحظ  أن الزمن قد تغير واختفت  جبهة "الشعور والإجماع" التي أشعلت القتال من 1957 من اجل  شرف  الدفاع عن الوطن، والآن تسليم المنطقة  فقط  يعني عدم  "اللامبالاة" عموما. توديع   إفني  يعني إغلاق "التاريخ الكبير لإسبانيا". إن بلدنا ينسى همومه ومشاكله ، وينكب على طاعة المخططات  الواسعة لحفظ السلام في  الأمم المتحدة. وكان تسليم افني خيبة أمل  ، مادام أن  الجيش كان يشعر دائما أن افني  جزء من بلده (32 )…. ( يتبع)
المراجع
 
28 La prensa destacó la generosidad de España y el ejemplo de política de descolonización: “Un año de política exterior”, ABC, 31 de diciembre de 1968; “Retrocesión de Ifni a Marruecos”, ABC, 5 de enero de 1969;
“Devolución de Ifni”, El Eco de Canarias, 5 de enero de 1969; DEL ALAMO, L., “Saludo y despedida a Ifni”, Hoja del Lunes de Madrid, 6 de enero de 1969; QUINTANA MARERO, I., “Ante la retrocesión de Ifni”, El
Eco de Canaria, 10 de enero de 1969; DEL RÍO AYALA, J., “España lagenerosa”, El Eco de Canarias,14 de enero de 1969.
 
29 Véase el testimonio de un militar del Grupo de Tiradores de Ifni escrito el 15 de noviembre de 2010 en CURIEL TORRES, L., “Provincias españolas de Ifni y Sahara. Vivencias y reflexiones”, [en línea], Asociación de Veteranos de Ifni del Levante Español, en <http:// http://www.avile.es/documentos/finish/5/17>, [Consulta, 2 de marzo de2011].
30 CARDONA, G., Franco y sus generales, Madrid, Temas de Hoy, 2001, p. 217. La misma idea en CARDONA, G. El gigante descalzo. El Ejército deFranco, Madrid, Aguilar, 2003, p. 351.
31 PEREZ GARCIA, G., “A.O.E. Semanario Gráfico de África Occidental Española”, Historia y Comunicación Social, nº 11, 2006, p. 88.
32 SÁEZ DE GOVANTES, L., “Adiós a Ifni”, Reconquista, nº 236-237, agosto-septiembre 1969, pp. 7-9.
 
 
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع