المقالات

الأمازيغية والتعددية الثقافية

 

محمد شبير
لا أرمي من خلال هذا المقال الدفاع عن الأمازيغية باستعمال خطاب التعددية الثقافية Le multiculturalism، بل أسعى لخلخلة بعض المفاهيم التي أسيءَ فهمها في الخطاب العربي الذي يحاول فرض نفسه على تامازغا (بلاد الأمازيغ) ليؤسس لتمركزه المنطقي (Logocentrism) القائم على الوحدة والتعدد، ويوهم العالم بأن الدول التي تسود فيها السياسات العروبية ملزمة بأن تكون عربية وتكون لغتها الرسمية عربية بالضرورة ، وما سوى ذلك فإنه لهجة أو تراث، أو فولكلور،أو غير ذلك.. فما معنى التعددية الثقافية؟ وما جذورها؟ وما علاقتها بالأمازيغية؟ وما تناقضاتها؟ 
جاء خطاب التعددية الثقافية، حسب قراءتي لرف من المكتبة السياسية والأنثروبولوجية، لغايات متضاربة، فتارة ليشرعن الهيمنة الغربية، وتارة للدفاع عن حقوق الأقليات، أو حقوق الشعوب الأصلية، أو حقوق شعوب مابعد الاستعمار، وتارة أخرى لمد الجسور بين المكونات الاجتماعية المختلفة عرقا ودينا.. داخل منظومة الوطن الواحد، كما هو الشأن لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل.. إلا أن هذا الخطاب يلفه غموض كبير (وذلك آت تفصيله بكتاب في الموضوع)، ولعل أهم الملاحظات أن خطاب التعددية الثقافية وقع في تناقض كبير، وهو تناقض إبستيمولوجي إذ لم يخضع هو الآخر في تحديد مفهومه لمنطق التعدد والاختلاف، وعندما ينحرف المفهوم ينتج عنه انحراف في الادراك وفي الاستعمال، فتأتي الترجمة العربية الرديئة للتعددية الثقافية لتشرعن أحادية ثقافية تحاول فرضها على العالم، باسم التعدد من داخل الوحدة العربية الاسلامية، وهذا ما يجعلنا أمام دعامتين تؤسسان للإيديولوجية العربية وهما العروبة والاسلام. ولفهم التعدد والوحدة لابد من قراءة دعامتيه أولا.
العروبة: صفة الانسان العربي، تتحدد مجاليا في أصلها الجغرافي (الأرض) وهي بلاد العرب المسماة بشبه الجزيرة العربية، والموجودة في آسيا، مما يعني أن الاعتداء على هذه الأرض من لدن فرنسي أو إنجليزي أو أمازيغي... يعد استعمارا بالضرورة، وهذه الأرض تتصل بها إرسابات ثقافية تمثل الذاكرة الإجتماعية والسياسية ومنظومة القيم المشتركة عند العرب، وكل محاولة لتغييبها أو لإرجائها .. يعد مسّا للهوية الثقافية العربية، وقد يشترك العرب مع غيرهم في مجموعة من الخصائص يكونون بها هوية أخرى مشتركة، كالحدود الجغرافية، والعلاقات الدولية، والسياسات والمصالح المشتركة.. دون أن يلزم ذلك أيا من الطرفين  على الانسلاخ من هويته، وهذا ما سنبينه بالقياس بين الأمازيغ والعرب بشكل عكسي.
الاسلام: دين ركيزته الأساس هي التوحيد، ورؤيته العالمية لأنه جاء للعالمين، وعالميته تفرض عليه ألا يكون عنصريا، وآلته اللغة العربية، لأنه أنزل بلسان إنسان/ قوم عربي، أما القوم فيشكلون قاعدة من الطغاة، وأما الإنسان الفرد (الرسول صلى الله عليه وسلم) فهو الاستثناء الذي يمثل الخير، ليدل الطغاة لعلهم يعقلون (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون/سورة يوسف)، ومن هذا المنطلق فاللغة العربية لا قداسة فيها في الأصل، إنما في استعمالها القرآني، وإلا فهل يحق تقديس هذه اللغة في أشعار العرب الماجنة؟ لكن الاسلام الذي جاء باللغة العربية لم يفضل أي لسان على الألسن الأخرى، لأن الحديث الذي ينص على عدم وجود فرق بين العربي وغير العربي، لا يعني من حيث العرق فقط، وإنما من حيث اللسان كذلك، وكان شرط المفاضلة فيه هو "التقوى"، والإنسان التقي في اللغة العربية، لا يعني الفاعل للأوامرفقط، بل إنه يعني بالدرجة الأولى ترك النواهي (الاتقاء/ التقوى) وفي ذلك ما يؤسس لمركزية احترام الغير في الثقافة الاسلامية، وكذلك كانت سيرة الرسول... أما العرب فليسوا جميعا مسلمين حتى يعتقد أن العروبة هي الاسلام والاسلام هو العروبة
أين الأمازيغية من هذا التوضيح؟
بلاد الأمازيغ في إفريقيا، كما بلاد العرب في آسيا، ولا يحق للأمازيغي أن يدعي أن مكان الحجر الأسود في مكة مقاطعة أمازيغية، كما لا يحق للعربي أن يدعي أن المكان الذي وضع فيه علم السعودية في إحدى السفارات بشمال إفريقيا موضع عربي، فكيف يحق لها أن تدعي عروبة البلاد والعباد؟ أما اللغة فلا ننكر أن مجموعة من المحركات العروبية في شمال إفريقيا، تبحث عن روابط بين اللغة العربية واللغة الأمازيغية، للتأكيد على عروبة الأمازيغ، لأنهم لم يدركوا بعد مفهوم الدراسات المقارنة.. ويستقوي بعض المتطفلين على الفكر والسياسة بتوهيم الناس وتهويلهم بمفاهيم "الشعوذة الفكرية" كالفتنة والمؤامرة والإيقاع بين اللغات... في حين أن المتبصر للثقافة الأمازيغية المستمرة لقرون، لتنبعث من جديد، رغم ما تعرضت له بلاد تامازغا من أشكال الاستعمار، وأكبرها الاستعمار الثقافي الذي نعيشه اليوم، سيدرك أن لغة لن تقتل أخرى، إذا وضعتا في ميزان العلم .. أما الخوف فلا يمثل إلا ضعفا، والضعيف يصنع الآخلاق حتى في اللاأخلاق، ويتباكى ليوهم الناس بدموع التماسيح بأنه على حق.. 
أين التعددية الثقافية في هذا الخطاب؟
من منظوري الخاص الذي لا ألزم به أحدا، الأمازيغية لغة وثقافة وإنسانا وأرضا، ثقافة إفريقية أولا، وتشمل دول شمال إفريقيا، ومجموعة من الدول في الصحراء، وجزرا، تحت اسم واحد وهو "تـامزغا"، لا تلزم اليمن أو العراق أن يكون مقاطعة أمازيغية.. لهم لغة أمازيغية واحدة موحدة، نعرفها جميعا من خلال متغيراتها التي بقيت شاخصة في هذه البلدان بنسب مختلفة، ويحفظ لنا انتماؤنا لإفريقيا الانفصال عن آسيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا والقَمَر...، كما يضمن لنا التلاحم فيما بيننا والتفاعل الاستراتيجي مع هذه القارات التي تحيط بنا.. ولا يعني هذا الانفتاح ذوبانا، كما لا يعني الانغلاق رفضا وتقوقعا وعنصرية.. وأما داخل كل فضاء جغرافي فنجد اختلافات وتنويعات اجتماعية تتفاعل فيما بينها في إطار توليفات تشهد بالتعددية الثقافية في أجَلِّ أشكالها..وهذا مألوف عن الأمازيغ لمن يقرأ التاريخ (العودة إلى هيرودوت).
فالأمازيغ في بعض الدول (التشكلات السياسية الحديثة) أقلية مهضومة الحقوق، وفي أخرى أغلبية مهمشة، وفي أخرى شعوب ما بعد الاستعمار، وفي أخرى شعوب أصلية... مما يعني أن التعددية الثقافية لا تستوعب مشاكل الأمازيغ، لذلك علينا أن نقرَّ بأن الأمازيغ شعبا وأرضا وثقافة وعقلا وروحا .. مازالوا تحت مفهوم الاستعمار، أو تحت مفهوم لم يولد بعد في الفلسفة السياسية.
ملحوظة:
(سنواصل في النقاش بتعليقات القراء، من يدعي أنه عربي، فليكتب تعليقه بلغة عربية سليمة، وإلا فليبحث لنفسه عن هوية أخرى)
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع