المقالات

عن المغاربة المقاتلين في سوريا؟

 

فيما بدأ المواطنون المغاربة يتعودون على مشاهدة مواطنين سوريين يقطنون بينهم ويتقاسمون معهم فضاء المدن والأسواق والفنادق والمساجد…هرباً من الآلة الحربية وعوامل الدمار والتناحر التي أفسدت عليهم إمكانات الحياة في بلادهم، يتداول الناس في عدة أحياء ومدن مغربية، خاصةً من الشمال، حكايات وصور وتسجيلات رجال ونساء مغاربة من جيرانهم وأقربائهم ومعارفهم اختفوا مدة ليظهروا فجأة على مواقع الإنترنت يحملون بأيديهم مختلف أنواع الأسلحة، وأحيانا بجانبهم أطفالهم الصغار، وهم على جبهات الحرب والقتال في سوريا .

فكيف يمكن تفسير هروب شبان ومواطنين سوريين من ساحة التطاحن الأعمى في بلدهم، قاصدين المغرب طلبا للأمن في انتظار ما سيسفر عنه المستقبل وبحثاً عن فرص جديدة للحياة، فيما العشرات من الشبان المغاربة، في المغرب وفي بلدان المهجر الأوروبي، المشبعين بالفكر الجهادي ومن مختلف الفئات الاجتماعية وغالباً بمستوى تعليمي محدود، يبذلون مجهودات خارقة للوصول إلى ساحة الحرب في سوريا بحثا عن الموت؟ فهل أصبح المغاربة –مرة أخرى- أكثر سوريةً من السوريين أنفسهم، أم أن حسهم الإسلامي وغيرتهم الدينية أعمق من مثيلتها لدى أهل تلك الأرض المعنيين مباشرة بالنزاع؟ أم أن الأمر يتعلق بمستوى معين من الوعي، وبدرجة القابلية للتأثر بخطابات مكشوفة تقحمهم في دوامة حرب وحسابات أكبر منهم ؟

نعلم أن لبعض الشيوخ ورموز جماعات وتيارات وأحزاب الإسلام السياسي مسؤولية كبيرة في ما يحدث، خاصة أن بعضهم حث الشباب المغاربة صراحةً على الالتحاق بسوريا “نصرة للإسلام” ولقتال “الروافض” و”المجوس”! علماً أن الملتحقين من الشبان المغاربة المتحمسين يتوزعون على مختلف المجموعات الإسلامية المقاتلة، أي أنهم يتقاتلون فيما بينهم وفي بلاد أخرى، وتحت ذرائع ومبررات ومسوغات مذهبية ساذجة بل غبية فيضرب بعضهم أعناق البعض الآخر تحت التهليل والتكبير في طقس سادي رهيب أصبح فيه مقدار إسلام فصيل ما يتحدد بدرجة قتاليته ودمويته !

واقع الأمر إذن هو أن كتائب كاملة من مواطنين مغاربة قد أرسلت في دورة تكوينية مكثفة نظرية وتطبيقية على فكر الغلو وفلسفة الدم، وعلى فنون القتال، وكل المؤشرات تفيد أنهم يبلون البلاء الحسن ويتدرجون بين المراتب ويتقلبون بين المسؤوليات إلى حد تأسيس جماعات وسرايا وكتائب خاصة بهم، في انتظار نقل خبرتهم لأراض أخرى أولها بلادهم الأم!

والسؤال الذي يطرحه، بلا شك، هذا الواقع المثير هو: ماذا بعد عودة من بقي على قيد الحياة من المواطنين المغاربة الشباب المقاتلين في سوريا إلى المغرب؟ وما هو مستوى المسؤولية الأخلاقية والقانونية لبعض التيارات والأسماء الإسلامية فيما يحدث وما سيحدث؟

تنبع راهنية هذا التساؤل من حقيقة أن الاستقطاب الذي خضع له هؤلاء المواطنون المغاربة كان استقطابا دينياً ومذهبياً تكفيرياً حرضته الفتاوى الدينية السياسية، وهو الأمر الذي ظل يتكرر كل مرة مع اندلاع أي صراع بدءاً بأفغانستان ثم البوسنة والشيشان فالعراق وهلم جرا… ولعبت فيه جماعات وأحزاب وفقهاء الإسلام السياسي الدور الأساس، وهي الأطراف التي لا زالت تصر اليوم على تصوير الحرب الأهلية/الدولية المروعة التي تدور رحاها بسوريا على أنها حرب بين “الإسلام” وبين “الكفر والضلال”، فزجت بكثير من التعساء من أبناء المغرب حطباً في أتون صراع كبير يتجاوز بكثير مقدراتهم على الفهم…ونخص بالذكر هنا بعض فقهاءنا المغاربة “المعتدلين” ، خصوصا في رحاب “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” ومن يدور في فلكه، وفتواهم الشهيرة بوجوب الجهاد كـ”فرض عين” في سوريا!

لست أدري كيف يخلد فقهاءنا الأجلاء هؤلاء للنوم ليلاً في بيوتهم وفنادقهم الآمنة وأسرتهم الوثيرة دون أن تخاطبهم ضمائرهم بمسؤوليتهم عن المئات وربما الآلاف الذين قضوا أو سيقضون جراء تحريضاتهم…كما أستعجب عدم قلق هؤلاء الفضلاء من التبعات الكارثية المحتملة لفتاويهم على أمن واستقرار هذه البلاد، وبالنظر لتصريح كثير من مغاربة الشام بالواضح في مواقعهم المعلوماتية ومقاطع الفيديو أن الدور سيأتي على المغرب وعلى سياسييه ومسؤوليه ومثقفيه من “الكفار” وأن الجهاد بأرض الشام ليس سوى بداية المشوار…

المستقبل وحده كفيل بالإجابة على هذه التساؤلات، وأتمنى أن يكون ذلك بما يبدد المخاوف وبما يعيد بعضاً من الرشد لشيوخنا ويوقظهم من سذاجتهم المتهافتة ويشفيهم من إدمانهم المزمن على فتاوى الخراب، وبما يجعل الشباب المغاربة سواء الذاهبون إلى الجحيم في سوريا أو المتعاطفين معهم يأخذون العبر من تاريخ مثل هذه الصراعات التي وإن بدأت بملمح ديني أو عقدي، وحُشروا فيها باسم الإسلام، فهي أكبر من ذلك بكثير، فخيوطها ومصيرها وحسمها ليس بيد فقهائنا المتهافتين والمضللين ولا بيد شبابنا المتحمسين.

 

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع