المقالات

من أجل وعي لغوي بعبقرية الأمازيغية

 

 

 
 
 
الدكتور عبدالله الحلوي  جامعة القاضي عياض
 
للغة الأمازيغية تاريخها الخاص وعبقريتها الخاصة، ولا يمكن فهم هذا التاريخ وتثمين هذه العبقرية إلا إذا تسلح الباحث بما يُحتاج إليه في البحث اللساني من مِراس وتمرن على أدوات البحث في اللسانيات واللسانيات التاريخية. فكثير هم المتطفلون وقليلو الخبرة في علم اللسان ممن يبيحون لأنفسهم الحديث عن اللغة الأمازيغية ويطلقون الأحكام عليها مسترسلين في استعمال مصطلحات دون تفقه في معانيها.
ولتوضيح الكيفية التي نستطيع أن كشف بها مظاهر عبقرية اللغة الأمازيغية وخصوصياتها، سأقدم في هذا المقال مثالين يرتبط أولهما باستعمال الفعل الدال على الوجود في الأمازيغية، ويتعلق الثاني ببنية التنكير والتعريف في هذه اللغة. سيبين النموذج الأول مظهرا من مظاهر قدرة اللغة الأمازيغية على التفلسف الحي الذي اقترن في أذهان الكثيرين من المستلبين بلغات الآخر كاليونانية والألمانية. وسيبين النموذج الثاني خصوصية من خصوصيات اللغة الأمازيغية يؤدي عدم إدراكها من طرف غير المتمرسين في علم اللسان إلى إغفالها بسبب ميلهم إلى إسقاط ما يعرفونه عن اللغات الأخرى على اللغة الأمازيغية.S
 
النموذج الأول: فعل وجودي فريد, لفعل الوجودي ئلّا
الفعل الوجودي ئلّا الدال على الوجود هو فعل من فئة الأفعال المضعفة مثل ئكّا وئشّا وئنّا. وقد لاحظ باسي (باسي 1920: 70ـ71) أن فِعْلَيْ ئلّا وئنّا هما من أقدم الأفعال الأمازيغية التي لم يطلها التغير التاريخي حتى في التنويعات الأمازيغية التي تعرضت أكثر من غيرها للتغير. وأفضل طريقة لتوضيح معنى فعل ئلا أن نميزه عما يقترب منه  من الأفعال من حيث الشكل ويختلف عنه من حيث المعنى وما يقترب منه من الأفعال من حيث المعنى ولكن يختلف عنه من حيث الشكل.
لنميز أولا بين فعلين أمازيغيين يبدوان متقاربين من حيث الشكل ولكنهما مختلفان من حيث المعنى وهما: فعل ئلا (بدون تضعيف للام) وفعل ئلّا (بتضعيف اللام). الفعل الأول يستعمل بمعنى "يملِك" والثاني بمعنى "يوجد". فعندما تقول: إلا  أسافار فسيكون المعنى هو "يتوفر شخص ما على الدواء". ولكن عندما تقول: ئلّا أسافار  فسيكون المعنى هو: "الدواء موجود" (بوتبيا 2013). فالإسم أسافار في حالة الفعل ئلا (بدون تضعيف) يأخذ إعراب المفعول به (أسافار) أما في حالة الفعل ئلّا (بالتضعيف) فيأخذ إعراب الفاعل المؤخر (ؤسافار). 
ولنميز ثانيا بين فعل ئلّا الدال على الوجود وما قد يشابهه من الأفعال من حيث المعنى، مثل فعل ئكلا (في قولنا: ئكلا أنير غ ئڭر)، و ئسول (في سؤالنا: ئس ئسول أنير أباك؟)، وئنسا (كقولنا: ئنسا أنير غ برّا)، وئفّو (كقولنا: ئفّو ؤرڭاز ئڭن)، وئدول (كقولنا: ئدول ومكسا د أنمغور). فالفرق بين كل هذه الأفعال وفعل ئلّا أن كل واحد منها يتضمن في معناه عنصر "جهة الزمن" مما لا يدل عليه صريح فعل ئلّا. ففعل ئكلا يدل على "قضاء وقت ما بعد الظهيرة"، وفعل ئسول يدل على "استمرار الحدث"، وفعل ئنسا يدل على "قضاء الليل"، وفعل ئفّو يدل على "قضاء الصبيحة"، وفعل ئدول يدل على "التغير من حال إلى حال". (شفيق 2011: 195). أما فعل ئلا فهو مستقل في معناه المعجمي عن أي مضمون جِهِيٍّ،  فهو يدل على الوجود الذي قد يكون "حاضرا" (كما في قولنا : ئلّا ؤصميد غاسّاد) وقد يكون "مطلقا" (كما في قولنا : ئلّا ربّي) وقد يكون "مستقبلا" (كما في قولنا : راد ئلين ئرڭازن غتيڭمّي). 
يستعمل فعل ئلا في سياقات مختلفة كسياق "الجمل الطقسية" (ئلّا وصميد؛ ئلّا ونزار)، وسياق "التملك" (لّان داري ئقاريدن)، وسياق الجمل الدالة على مكان الوجود (لّان ئشفّارن غتڭْمّي). كما يستعمل فعل ئلّا في بعض التنويعات الأمازيغية مثل تنويعة الأطلس للربط بين الفاعل والفعل كما في قولنا: داذ ئلين لا تّدّون أذاي ناوذ (الوالي 2011: 53).
ما هي أهمية وجود هذا الفعل في اللغة الأمازيغية. لنشرح أولا الإرتباك اللساني والفلسفي الذي وقعت فيه الفلسفات الغربية الحديثة وكيف يجد هذا الإرتباك حله في اللغة الأمازيغية.
مشكلة طبيعة المعنى الوجودي
أصوغ هذه المشكلة في صيغة السؤال التالي:
 ما معنى أن تدل الجملة الوجودية على "وجود" شيء ما لا على مظهر آخر من مظاهر هذا الشيء (= مكانه، زمانه،هيئتة، إلخ.)؟
لتوضيح هذه المشكلة، لنعتبر الجملة التالية:  تلّا تفروخت أد أور أتّْفُّغنغ تْڭمِّي (=من البنات من لا تخرج من البيت). فاعل هذه الجملة هو تافروخت.ولكن ما هو المحمول الذي نسنده إلى هذا المحمول هل هو تلّا الدال على وجودهاأم أد أور أتّْفُّغن غ تْڭمِّي ا لدال على حال من أحوا لها؟ وعلام يدل الفعل تلّا بالضبط؟إذا حذفناه من الجملة صارت هذه الجملة مركبا إسميا متضمن لجملة موصولة: تافروختأد أور أتّْفُّغن غ تْڭمِّي. فالجملة تلّا تافروخت أد أور أتّْفُّغن غ تْڭمِّييمكن الحكم على مضمونها بالصدق أو الكذب، في حين أن المركب تافروخت أد أور أتّْفُّغنغ تْڭمِّي لا يمكن الحكم على مضمونه بالصدق أو الكذب.
أضف إلى هذا أن الفاعل تافروخت في الجملة : تلّا تفروخت أدأور أتّْفُّغن غ تْڭمِّي لا يفهم إلا إسما نكرة، إذ ليس المقصود "بنت بعينها" بل "البنات على وجه العموم". وإذا قلبنا ترتيبفعل إلّا ووضعناه في آخر الجملة فإن المعنى سيتغير إذ سيدل الفاعل تافروختعلى "بنت بعينها": تافروخت أد أورأتّْفُّغن غ تْڭمِّي تلّا. بل إن فعل تلّا في هذه الحالة سيأخذ معنى مكانياإذ سيدل على وجود البنت المتحدث عنها في مكان بعينه.
فعندما يقع الفعل إلّا في أول الجملة ويستعمل بالمعنى الوجودي يكون الفاعل نكرة، وعندما يقع في آخر الجملة ويستعمل بالمعنى المكاني يكون الفاعل معرفة. والسؤال الذي عادة ما يحير اللسانيين ويربكهم هو: ما الفرق بين المعنى الوجودي والمعنى المكاني؟ هل الوجود شيء آخر غير الوجود في مكان ما؟
ارتباك اللسانيين
لأبين كيف ارتبك اللسانيون في تحليل "طبيعة المعنى الوجودي"،سأعرض نماذج لتعامل اللسانيين مع الجمل الوجودية في لغات أخرى. 
عندما حلل اللساني البريطاني المعنى الوجودي لجمل مثل thereis a man in the garden فقد لاحظ أن الأداة there تستعمل بمعنى وجودي لا تستعمل به في جمل أخرى مثل aman is there فالأداة there في النوع الثاني تستعمل بمعنى إشاري لأن مستعملها يشير (بسبابته مثلا) إلىمكان وجود فاعل الجملة ("الرجل" في حالة المثال الذ ي أعطيته).
وبنى لاينز (لاينز 1967) تمييزه بين هذينالنوعين من الإستعمالات لنفس الأداة على رصده لمجموعة من الإختلافات بين هذين الإستعمالين.فقد لاحظ مثلا أن الإستعمال الإشاري ل there يمكننا من تنبيرها صوتيا لتأكيدها، ومن وضعها في آخر الجملة (فنقول Isaw a man there ونقول أيضا thereI saw a man). أما الإستعمال الوجودي للأداة، فلا يسمح بتنبيرهاصوتيا بل يجعلها ضعيفة المبنى (يمكن أن نقول there is a man in the garden وأيضا there’s a man in the garden)، كما لا يسمح بوضعهافي آخر الجملة.
وإذا تصادف استعمال الأداة there بمعناها الإشاري ومعناها الوجودي في نفس الجملة، فإن الإشارية تسبق الوجوديةفي الترتيب: في الجملة التالية there, there is a man  there,الأولى إشارية بالضرورة وthere الثانية وجودية بالضرورة.
وللربط بين هذين النوعين من there يقترح لاينز (لاينز 1967: 390) أن there الوجودية مشتقة تاريخيا (= باعتبار تغير اللغة عبر التاريخ) وبنيويا (باعتبارالعلاقة بين الأداتين داخل نفس اللغة في نفس المرحلة التاريخية). ومن الشواهد الدالةعلى هذا الإشتقاق بحسب لاينز (لاينز 1967: 390)  أن كثيرا من اللغات الأروبية تستعمل نفس الأداة للدلالةعلى الإشارة والوجود كليهما. ففي العربية المعيارية المعاصرة مثلا، نستعمل هناكوجوديا (كما في قولنا: هناك رجل بالبيت) وإشاريا (كما في قولنا: الرجل هناك).
لذلك فإن لاينز يرى أن there في الجمل الوجودية هي "تكرار" للعبارة المكانية ( inthe garden في المثال الذي أعطيته) لا تختلف عنها سوى في كونهالا تحيل على مكان بعينه بمعنى أنها "مكون مكاني محايد"  aneutral locative component . فإذاتأملنا مليا في تحليل لاينز لعلاقة الإستعمال الوجودي للأداة there باستعمالها الإشاري سنجد أنه يبنيه على مسلمة قد لا نسلم بصدقها وهي:"كل الجمل الوجودية تدل على المكان على الأقل ضمنيا" allexixtential sentences are at least implicitly locative
ورغم أن بعض اللسانيين حاولوا أن ينتقدوا طرح لاينز هذا انطلاقا من اعتبارات مختلفة، فإنهم كانوا دائما يسعون لاختزال معنى "الوجود" في "الوجود المكاني الزماني".فهذا ألان (Allan 1971)، مثلا، ينتقد تحليل لاينز للإستعمال الوجودي للأداة there واعتباره لها فاعلا وظيفيا للجمل الوجودية ـ فاعلا يستنسخ المحمول الدالعلى المكان. ويعيد تحليل هذه الأداة بصفتها عاملا وجوديا existentialoperator شبيها بالعوامل الوظيفية التي يُضْمَرُ معناها فيالأسماء، كعوامل التعريف والتنكير والتبعيض والكلية وغير ذلك. ورغم نقد ألان لتصورلاينز فإنه احتفظ بنفس المسلمة الفلسفية الضمنية التي بنى عليها لاينز تصوره واللتيمفادها أن "الوجود" المعبر عنه بالأداة there هو بالضرورة وجود في مكان مقرون بزمان معبر عنه بالفعل المتصرف be ففرضية ألان الأساسية هي أن "إثبات وجود موضوع هي إثبات مكاني وزمانيله"(Allan 1971:18) 
 "The assertion of existence of an object is the assertion of a spatio-temporal location for it" 
وبهذا فإن اللسانيات الغربية بقيت وفية للتقليد الكانطي الذي سعى إلىاختزال مفهوم "الوجود" من محمول قائم بذاته إلا مجرد رابط بين الفعل والفاعل(كما حوال أن يفعل كانط نفسه) أول إلى سور منطقي ( كما حاول أن يفعل برتراند راسل) أو إلى استنساخ لمحمول مكاني (كما ادعى لاينز) أو إلى عامل وجوده (كما حاول أن يفعل ألان).
 
أما إذا تأملنا في اللغة الأمازيغية، فإننا نجد بأنها تميز بين فعلين: أولهما يدل على الوجود ويستعمل محمولا للفواعل، وهو فعل إلّا الذي تحدثت عنه (كأن نقول "إلّا ربي" الذي معناه "الله موجود"). وفعل "إڭا" الذي يستعمل لربط الفاعل بمحموله، كأن تسأل عن حال المخاطب فتقول: "ما منك أتڭيت؟" ("كيف أنت؟"). فلو كانت اللغة التي تأمل بها الفيلسوف الغربي مسألة الوجود، لتبين له أن هناك نوعين من الوجود تميز بينهما هذه اللغة وهما الوجود المغلق على نفسه المساوي لنفسه دائما، والوجود المفتوح الكينوني الذي يجعل الموجود يكون غيره ويتحول إلى آفاق غير ما هو عليه بالفعل. وبهذا المعنى، فإن اللغة الأمازيغية تفتح من آفاق التفلسف في هذا الباب ما لا يفتحه غيرها، وتحل إشكالية فلسفية كانت ولا زالت عصية على فهم الفيلسوف وتقديره.
 
النموذج الثاني: التعريف والتنكير في لغة إمازغن
من الأخطاء التي يقع فيها المستلبون عند درساتهم للغة من اللغات أنهم يسقطون فهمهم للغات الغير على لغتهم فيتوقعون أن تكون لغتهم على مقاس لغات الغير مبنى ومعنى. وسأقدم فيما يلي مثالا واضحا على هذا النوع من الإسقاط المؤدلج.
يخضع فاعل الجملة الوجودية المركبة في الأمازيغية، كما في لغات أخرى (Milsark 1977) إلى قيد دلالي يسمى قيد "تقييد التنكير" والذي مقتضاه أن الفاعل الوجودي يكون نكرة (غير معرّف). للتوضيح لنعتبر الجملة التالية: ئلّا ؤمحضار أد جّو ؤر يتصّان (= من التلاميذ من لا يضحك أبدا). هل الفاعل  (= أمحضار) في هذه الجملة نكرة أم معرفة؟ كيف نميز النكرة عن المعرفة في اللغة الأمازيغية؟
من الأوهام التي سقط فيها بعض اللسانيين (مثلا أوحلا 2005) اعتقادهم أن الأمازيغية لا تحتوي على أداة للتعريف وأن التمييز بين التعريف والتنكير فيها يتحددان بالسياق. وأصل هذه الوهم أن هؤلاء اللسانيين يُسقِطون فهمهم للغات أخرى هندوأوروبية أو سامية على الأمازيغية فيتوقعون أن يجدوا في الأمازيغية مقابلات حرفية للبُنى في تلك اللغات، فإذا لم يجدوا ما يشابهها أو يطابقها استنتجوا أنها غير موجودة في الأمازيغية.
فمن خصائص الأمازيغية التي تميزها عن اللغات الهندوأوروبية والسامية أن أداة التعريف فيها تنصهر انصهارا في سمات التطابق الدالة على الجنس والعدد. فعندما نقول: أمحضار، فإن اللاصقة أـــ لا تدل على مفرد المذكر فقط بل أيضا على التعريف. ونفس الشيء يقال عن اللاصقة المزدوجة ت ـــ ت (مثلا تمحضارت) التي تدل على مفرد المؤنث والتعريف،  واللاصقة المزدوجة إ ـــ ن (مثلا إمحضارن) التي تدل على جمع المذكر والتعريف، واللاصقة المزدوجة تي ـــ ين (مثلا  تيمحضارين) الدالة على جمع المؤنث والتعريف. فكل لاصقة من هذه اللواصق تعبر عن سمات الجنس والعدد بالإضافة إلى سمة التعريف.
أما التنكير في الأمازيغية، فيكون بإضافة السَّور التعريفي ياـــ في حالة المفرد و كرا ـــ ن في حالة الجمع. فنقول: يان ؤمحضار، يات تمحضارت، كران ئمحضارن، كران تيمحضارن. فالسور ياـــ ليس هو العدد واحد رغم أنه يجانسه صوتيا بدليل أنه يمكن أن يستعمل مع الأسماء المعدودة أصلا، فتقول: يان سين ئمحضارن، يان كراض ئمحضارن، إلخ. فوظيفة الأداتين السوريتين ياـــ وكراـــ ن أن تبطل مفعول التعريف المنصهر في سمات التطابق، مثله في ذلك مثل الإضافة في العربية المعيارية التي تبطل مفعول التنكير في الأسماء المضافة رغم عدم إلحاق ال ـــ بها (مثلا: الإسم كتاب في العبارة كتاب الرجل معرفة حتى وإن لم نلحق ال ـــ به).
ومن الشواهد على ضرورة استيفاء المركبات الوجودية المعقدة لقيد التنكير أن هذه الجمل لا تقبل أن تكون فواعلها مما لا خلاف على كونه معرفة مثل أسماء العلم. فنقول ئلّا ؤمحضار أد جو ؤر يطصّان ولا نقول *ئلّا أنير أد جو ؤر يطصّان. كما لا تقبل أن تكون فواعلها ضمائر لأن الطبيعة الإشارية deictic للضمير تجعله معرفة بالضرورة. فلا نقول: *ئلّا نتّا أد جو ؤر يتصّان أو *تلّا نتّات أد جو ؤر يتصّان. ومن ذلك أيضا أن الجمل الوجودية لا تقبل الفواعل المعرفة بالإشارة، فلا نقول: *ئلّا أفروخ أد جو ؤر يتصّان.
والقاعدة في الفواعل الوجودية في الأمازيغية أنه يكون على الشكل المورفولوجي للمعرفة وعلى دلالة النكرة. فيكون معرّفا بالمعنى نكرة بالمبنى. فإذا قلنا: ئلّا ؤرڭاز أد ؤ جو ؤر يصاقصان غ تاروا نّس (من الرجال من لا يسأل عن أبنائه)، فإن الفاعل أرڭاز (التي تتخذ في هذه الجملة إعراب الفاعل الداخلي ؤرڭاز) نكرة بمعناه بدليل أن معنى هذه الجملة يحيل على مجموعة من الرجال غير محدودة في عددها وغير محددة في أوصافها.
و من الأدلة على كون فاعل المركب الوجودي نكرة بالمعنى أنه يمكن إخراجه من التنكير إلى التعريف بإخراج الفعل ئلّا من استعماله الوجودي إلى استعماله المكاني. ويمكن أن نحقق هذا المعنى بأن نؤخر فعل ئلّا الذي لا يؤول وجوديا إلا في صدر الكلام، ونضيف إليه ظرفا يؤكد على تأويله المكاني. فنقول: أرڭاز أد جو ؤر يصاقصان غ تاروا نّس ئلّا غيد. فالفاعل في هذه الحالة معرفة يمكن تعويضه بكل الأسماء المعرفة التي ثبت لنا أنها تستقيم فواعل في المركبات الوجودية وهي الإسم العلم (فنقول: أنير ئلّا غيد) والضمير (فنقول : نتّا  ئلّا غيد) والإشارة (فنقول : تاربات أَدْ تلّا غيد).
فالقاعدة في اللغة الأمازيغية إذن أن المركب الوجودي ينقلب إلى مركب مكاني (إشاري) بتغيير ترتيب الجملة من فعل ـــ فاعل إلى فاعل ـــ فعل (وهذا هو ترتيب الجملة المكانية)، شريطة أن يكون الفعل المستعمل في كلا الحالتين هو  فعل ئلّا. 
ومن نتائج هذا القلب أن الفاعل يكون نكرة في معناه إذا ما تأخر ( كما في حالة الجملة الوجودية) ويكون معرفة إذا ما تأخر ( كما في حالة الجملة المكانية).
اللغة الأمازيغية، إذن، تنكر وتعرف.
خاتمة
إن للغة الأمازيغية، كغيرها من اللغات، تاريخها الخاص وعبقريتها الخاصة ومبانيها الخاصة ومعانيها الخاصة. فلا يمكن أن نكتشف مظاهر العبقرية هذه إلا إذا طورنا من وعينا اللغوي ... فالوعي اللغوي هو أنجع وسيلة للرد على قليلي العلم من الذي يهاجمون طوفان الحب الذي نسميه تيموزغا.
 
PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع